انضم إلينا
اغلاق
إنجيل كرة القدم الإيطالية.. ما لا تعرفه عن "جياني بيريرا"

إنجيل كرة القدم الإيطالية.. ما لا تعرفه عن "جياني بيريرا"

أحمد مجدي رجب

محرر رياضة
  • ض
  • ض

قبل دقائق من لقاء ناديي بريشيا وتورينو في موسم 1965، اندفع الصحافي جينو بالمبو إلى مقصورة الإعلام في ملعب ريغامونتي، وصرخ سائلا: أين جياني بيريرا؟ وفي دقائق قليلة، تحوّل المكان إلى ساحة عراك وتشابك بالأيدي بين بالمبو وبيريرا، وكانا صحافيين رياضيين بجريدة لا غازيتا ديلو سبورت المهمة في إيطاليا، ولم ينتهِ المشهد إلا بعد نجاح الحاضرين في إبعاد الرجلين عن بعضهما.[1]

    

أغلب الظن أنك لا تعرف الرجلين؛ فبيريرا رغم أهميته البالغة فإن المصادر العربية عنه نادرة، وبالمبو لن تجد له صفحة في ويكيبيديا العربية أو الإنجليزية من الأساس، ولكن دعني أخبرك أن العراك بينهما قد نشأ من انتماء الأول إلى مدرسة لومباردا الشمالية التي تُقدّس الدفاع، بينما يقف الثاني على أرض النابوليتانا الجنوبية التي تميل إلى الهجوم. وبما يتوافق مع الصورة الذهنية الشائعة عن الإيطاليين، قرر الرجلان أن خلافهما يتجاوز الكلمات والقناعات، وطوّراه إلى اللكمات والصفعات.

   

   

ورغم أن هذه الواقعة لم تحسم انتصار أحد الرجلين، فإن مدرسة بيريرا قد أصبحت إنجيل كرة القدم الإيطالية طوال العقود الماضية، وأصبح جياني بيريرا هو الرجل الذي كثيرا ما يُوصف بالكاتب الذي علّم الإيطاليين كيف يلعبون كرة القدم وكيف يتحدثون عنها.

 

معلومات مملة ولكن مهمة

تميل التقارير الصحافية التي تهدف للتعريف بأحد الكُتّاب إلى سرد مجموعة من المعلومات المملة عن نشأة هذا الكاتب، ورغم أن هذا التقرير لا يريد أن يكون مملا فإن الدراية بنشأة[2] بيريرا تُفسّر الكثير مما سيفعله هذا الرجل لاحقا. فقد وُلد بيريرا في مدينة بافيا الشمالية في إيطاليا عام 1919، وبدأ ممارسة كرة القدم كمهاجم، ويصف نفسه في نظر أقرانه حينها قائلا: "لقد كنت لديهم كيسوع المسيح. ولكني لم أستطع أن أصبح لاعبا محترفا". وبعد سنوات قليلة عرف جياني المراهق، ولاعب وسط فريق الهواة بنادي ميلان، أنه ليس موهوبا بما يكفي، واتجه نحو ما يفعله هؤلاء الذين يحبون الكرة ولا يمتلكون مهارة لعبها؛ فأصبح كاتبا رياضيا ودرس العلوم السياسية كذلك.

 

وبعد فترة قصيرة من الكتابة الرياضية، نشبت الحرب العالمية الثانية، ووجد الشاب نفسه مدرجا في قائمة الاستدعاء إلى فوج المظلات بالقوات الجوية الإيطالية، وذهب إلى الحرب كارها، وخسرت إيطاليا الحرب. وفي أواخر عام 1944 عندما بدأت إيطاليا وألمانيا في الخسارة، انضم بيريرا إلى ميليشيات وطنية هدفت إلى إسقاط موسوليني في أواخر حكمه، وواجهت القوات النازية كذلك ومنعتها من الاستيلاء على بعض المواقع المهمة في بلاده. وخلال هذه الفترة، يقول بيريرا إنه لم يطلق النار قط على أي شخص في المواجهات، ويقول كذلك إنه لم يعتنق على الإطلاق أيًّا من الأفكار الفاشية حينها.

    

في عام 1949 أتم بيريرا عامه الثلاثين، وعُيِّن محررا بجريدة لاغازيتا ديلو سبورت، وبدأ رحلة جديدة من الكتابة وهو محمل بكل تلك الخبرات التي شكّلت شخصيته؛ فهو الشمالي، ولاعب كرة القدم غير الموهوب، ودارس العلوم السياسية، والعالم ببواطن الأمور في كرة القدم، والكاره للفاشية.

   

   

الكاتيناتشو ونقص البروتين

"الأهداف العديدة لا تعني المتعة، ولكنها دليل على أخطاء الدفاع المفكك المفتقر للتنظيم"

"المباراة المثالية هي التي تنتهي بنتيجة صفر – صفر"[3]

(جياني بيريرا)

 

يخبرنا جوناثان ويلسون في كتابه "الهرم المقلوب"[4] بأن إيطاليا اعتنقت طريقة الكاتيناتشو الدفاعية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. ورغم أن الثابت تاريخيا هو أن الكاتيناتشو اختراع سويسريّ (تقع سويسرا شمال إيطاليا)، فإنه يصعب تحديد عرّاب هذه الطريقة بين مدربي إيطاليا. فبينما يقول البعض إنه نيريو روكو، يرى آخرون أنه جيبو فياني، وربما يرى البعض أن هيلينو هيريرا ليس أفضل من طبّقها، لكن الجميع اتفقوا على أن جياني بيريرا كان هو صوت الصحافة التي دفعت نحو الكاتيناتشو، وتطرّف في ذلك فقال إنها التخطيط الفني الوحيد الذي يصلح للإيطاليين.

 

بدأت قناعة بيرايرا بتفسير غريب، إذ كان يرى أن الإيطاليين جنس بشري يعاني من نقص البروتين، مما يجعلهم أضعف بدنيا في مواجهة الخصوم وأقل قدرة على منافستهم مهاريا، وبالتالي فإن الدفاع هو الطريقة الأمثل لهم بدلا من اللعب في مساحات مفتوحة. ورغم أن هذا الادعاء قد وجد الكثير من الرفض في تفسير حالة الدفاع في كرة القدم الإيطالية، فإن الواقع جاء بما يوافق تفضيلات جياني، إذ بدأت الفرق الكبيرة في التحول نحو الكاتيناتشو بعد أن كانت طريقة الضعفاء فقط. وبدأ الأمر مع إنترناسيونال في عهد المدرب ألفريدو فوني، الذي أحرز الإسكويديتو 1953 برصيد 64 هدفا فقط، وتلقّت شباكه 24 هدفا فقط. ورغم أن يوفينتوس في ذات الموسم قد نجح في إحراز 91 هدفا في ذات الموسم فإنه خسر اللقب، وهو ما اعتبره بيريرا بداية لحقبة جديدة في الكرة الإيطالية وثورة، لأن المعتاد[5] في ذلك الحين هو أن الفريق بطل الدوري يحتاج إلى ما يُقارب الـ 100 هدف من أجل اللقب!

 

واستمر الأمر، إذ نجح جيبو فياني ونيريو روكو في قيادة الميلان في فترة الخمسينيات والستينيات لحسم الدوري 5 مرات، ودوري الأبطال 3 مرات، وهو ما اعتبره بيريرا تأكيدا على الطريقة التي يجب أن يلعب بها الإيطاليون، وأن الكاتيناتشو هي البوابة الوحيدة للتتويج.

    

   

ورغم كل ذلك النجاح فإن الصحافة الإيطالية لم تخل أبدا ممن كرهوا الشكل الدفاعي للكرة، ومن هؤلاء كان جينو بالمبو الذي ذكرنا قصة عراكه مع بيريرا في أول هذا التقرير. والحقيقة أن قصة الهجوم والدفاع في إيطاليا تتماهى مع قصة الشمال (لاحظ أن ميلان من المدن الشمالية في إيطاليا) والجنوب، إذ طالما تعرض بيريرا للاتهام باحتقار أهل الجنوب وباحتقار طرقهم. ولكن الرجل دوما ما كان يُنكر هذا الاتهام، ودائما أيضا ما كان يُسأل عن انتمائه لأيٍّ من قطبي ميلان؛ إنتر وآ سي، ولكنه كان يرد بأنه من مشجعي جنوا.

 

بائع الأحذية الخائن

قبل تصفيات كأس العالم 1958 جاء ألفريدو فوني مديرا فنيا للأتزوري بعد نجاحه مع الإنتر، وواجه حينها ضغط الصحافة للعب كرة قدم أكثر تحررا من الكاتيناتشو التقليدي. ورغم لقبَيْ الإسكويديتو المتتاليين الذين حققهما فوني بأسلوب دفاعيّ محكم، فإنه انصاع لضغط الإعلام، والنتيجة كانت فشله في الصعود لكأس العالم. ولم يدخر بيريرا كلماته في التعبير عن شماتته، وكتب ما يعني أن الدفاع يفرض نفسه من جديد كأسلوب يجب أن تتبعه إيطاليا، وقال نصا:

 

"لقد استنتجنا أن اللعب بخط دفاع ثلاثي ليس كافيا. ومن أجل معاييرنا الرياضية والتكتيكية يجب العودة إلى أسلوب اللعب الذي قدمناه في الثلاثينيات. فلقد منحتنا تلك المباريات التاريخية شعورا بالرضا"[6]

 

في عهد موسوليني خاضت إيطاليا كأسَيْ العالم 34 و38 بشكل دفاعيّ محافظ. ورغم عدم حب بيريرا للعهد الفاشي، فإنه كان يرى أن تلك المباريات تُمثّل شكلا يجب أن يستمر في الكرة الإيطالية. ودلّلت المواقف عبر العقود على صواب رأيه إلى أن جاء بائع الأحذية مدربا لميلان.. أريغو ساكي!

 

أثبت ساكي من لحظة قدومه أن الإيطاليين يمكنهم الفوز دون اعتناق الدفاع كدين كرويّ. ولو أننا اعتبرنا الكاتيناتشو دينا، فإن بيريرا هو رسول هذا الدين، وساكي هو يهوذا الخائن. رأى ساكي أن حديث بيريرا عن نظام غذاء الإيطاليين الذي يفتقر إلى البروتين هو في الواقع خطأ، لأن الإيطاليين في الألعاب الفردية غير كرة القدم يستطيعون تحقيق الفوز، فقط عندما يحاولون بجهد ومثابرة، وأن المشكلة الحقيقية ليست البروتين ولكن الركون للكسل والنظر إلى الذات من موقف الضعيف قليل الحيلة. ونجح ساكي في تحويل كلماته لأرقام[7]، قبل أن يأتي مدربا لميلان كان متوسط الأهداف في المباراة الواحدة للدوري هو 1.92 هدفا، وعندما غادر ساكي كان متوسط الأهداف قد ارتفع 2.29. واستطاع بائع الأحذية أن يحسم الإسكويديتو 1988 بـ 113 هدفا، واستطاع أن يحصد ذات الأذنين موسم 1989 ثم كررها موسم 1990.

   

   

لا يتوقف الأمر عند أرقام ساكي، ولكن كذلك طريقة تعامله مع كلمات بيريرا كانت مثيرة للتأمل. فقبل نهائي دوري أبطال 1989، وبعد أن نجح الميلان في تخطي ريال مدريد بـ 6-1 بنصف النهائي في مجموع اللقائين، كتب بيريرا مقالا يُحذر فيه فريق ساكي من الانجراف للهجوم أمام ستيوا بوخاريست في النهائي. فقام ساكي بالدخول إلى غرفة الملابس ممسكا بالجريدة التي تحمل كلمات الصحفي الإيطالي التاريخي، وأخبر لاعبيه أن أهم صحافي رياضيّ في البلاد يخبرهم بعدم مجاراة الرومانيين لأنهم لا يُهزمون والكرة في أرجلهم. استخدم الرجل ذلك المقال في تحدي لاعبيه، وجاءت النتيجة بأن فاز ميلان بالنهائي مكتسحا الرومانيين برباعية نظيفة.

 

فاز ساكي، وانهزم بيريرا، وكتب يومها قائلا إنه يعلم الحماس الذي يجتاح الجميع، ولكن الحقيقة الوحيدة هي أن فوز ميلان بتلك الطريقة يجرد الإيطاليين من ميزتهم الأهم، وهي المكر ودفع الخصم لارتكاب الأخطاء ثم اقتناصها! كتب بيريرا هذه الكلمات وانقطع في السنوات اللاحقة عن كرة القدم خاصة بعد تقدمه في العمر، وتفرغ لعائلته وأصدقائه بعد أن تجاوز السبعين، وفي عام 1992 لقي مصرعه في حادث سيارة مؤسف.

 

لا أحد يعلم هل مات الرجل غاضبا أم لا، ولكن الأكيد هو أنه لم يكن راضيا عن ساكي الذي وصل إلى نهائي كأس العالم 1994 مع إيطاليا من دون "ليبرو". والليبرو يصل بنا إلى الفقرة الأخيرة من هذا التقرير، ويصل بنا إلى أهم الأدوار التي لعبها بيريرا في الصحافة الرياضية.

 

كاتب أم صحافيّ؟

حتى عام 1871 لم تكن إيطاليا بلدا متوحدا كالذي نعرفه الآن، بل كانت أقرب إلى مقاطعات كُبرى في الشمال والجنوب، يتحدث أهل كل مقاطعة بلهجة خاصة، وكانت كل لهجة بمنزلة نسخة مختلفة من اللغة الإيطالية. بعبارة أخرى، يمكن القول بأن اللغة الإيطالية الحالية هي لغة حديثة النشأة، لم يكن يتكلم بها إلا 10% فقط من سكان البلاد وقت توحيدها. وفي القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين كانت الكتابات الإيطالية تُعاني من الانفصال بين كلماتها وبين الكلمات التي يتحدث بها الناس في الحياة، لذلك كان الكُتّاب يجدون صعوبة في دمج كل تلك اللهجات في لغة واحدة يفهمها الجميع، ويجدون صعوبة أصلا في الكتابة بأسلوب يفهمه الناس.

   

   

وهنا جاء دور جياني بيريرا الذي اختار الرياضة كمجال لكتابته، لأنه أولا أحب أن يتحدث عن كرة القدم، لا كحكايات يرويها للناس، ولكن كحالة ولعبة لها أسرار وقواعد يحب هو أن يكتب عنها. وثانيا، فقد كان يرى أن كرة القدم هي المجال الذي يهم جميع أهل البلاد، ومن ثم فإن الكتابة فيه تعني الوصول إلى الجميع. وطالما اعتبر بيريرا نفسه كاتبا يريد الوصول للناس فيدّعي أنه صحافي!

 

لقد نجح بيريرا في أن يستخدم كلمات من لهجات أهل الشمال ولهجات أهل الجنوب في تقاريره الصحفية وحديثه عن المباريات، ونجح في أن يكتب روايات بلغة سهلة مفهومة، حتى إن أمبرتو إيكو الأديب الإيطالي اللامع وصف بيريرا وكتاباته بأنها مثل أعمال "كارلو جادا" الأديب الإيطالي الكلاسيكي، وأن بيريرا، مثله مثل جادا، يكتب بلغة يفهمها الناس.

 

الكتابة عند بيريرا كانت لعبة بالكلمات، فهو من اخترع كلمات جديدة لم يكن يستخدمها أحد من قبله، وثار على شكل الكتابة الرياضية التي كانت تستخدم مصطلحات عسكرية متأثرة بفترة الحكم الفاشي، وبدأ في صك مصطلحات جديدة أكثر رومانسية، منها مثلا كلمة "جوليادور" (Goleador) وتعني اللاعب الهدّاف، ومنها كذلك كلمة "سينتروكامبيستا" (Centrocampista) وتعني لاعب الوسط، وكلمته الأشهر هي بالطبع "ليبرو" (Libro) وهو الظهير القشاش والمدافع الأخير في الملعب.[8]

 

تختلف اتجاهات كرة القدم بين الدفاع والهجوم، ويختلف موقف المتابعين تجاه فلسفة بيريرا، ولكن لا أحد يستطيع أن يُنكر دور الرجل الذي جعل الإيطاليين يقرأون. ربما تحب الكاتيناتشو أو تفضل كرة أكثر تحررا، وربما تعترض على انقراض مركز الليبرو من كرة القدم الحديثة أو تحن إليه، ولكن من الصعب ألا تشعر بكلمات الرجل الذي قال:

"تلعب الصحافة الرياضية دورا اجتماعيا مهما؛ ومن دونها فإن كل إيطالي سيصبح جاهلا. لقد ساعدنا الناس أن يقرأوا"[9]

تقارير متصدرة


آخر الأخبار