انضم إلينا
اغلاق
تدمير الرياضة.. كيف ستنهي لعبة "فيفا" كرة القدم الواقعية؟

تدمير الرياضة.. كيف ستنهي لعبة "فيفا" كرة القدم الواقعية؟

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

لا تدع العنوان يخدعك، الأمر خطير فعلا، وأحد أسباب خطورته أن الكثيرين لا يدركون مدى خطورته، ولا يدركون خطورته لأن آخر ما يتذكرونه هو محاولات فيفا و"Pro Evolution" المستمرة الدؤوبة لجعل اللعبة أكثر واقعية؛ المحاولات التي بدأت بمجسات على أجساد اللاعبين الحقيقيين لمحاكاة حركاتهم، وانتهت بتوصيل اللعبة إلى قاعدة بيانات مُحدثة باستمرار لتنقل تفاوت مستوياتهم من أسبوع لآخر. بالطبع كان هذا في الأيام الخوالي، حينما كانت أقصى أحلام العالم الافتراضي أن يشبه العالم الفعلي قدر الإمكان.

عودة إلى المستقبل
دعنا نخبرك أولا أنها لم تعد "ألعاب فيديو" أو "ألعابا إلكترونية"، بل "رياضات إلكترونية" (Esports)، وإن كنت تسأل كيف يُعتبر الجلوس أمام الحاسوب رياضة؛ فسنخبرك أيضا أن هناك مناظرة حامية الوطيس تجري في أنحاء العالم الآن في هذا الشأن، والحقيقة أن لكل من الطرفين رأيا على قدر من الوجاهة؛ الرياضيون الفعليون يعتقدون أنه لا يمكن تسميتها رياضة ما دامت لا تتضمن الحد الأدنى من المجهود العضلي، ولاعبو الفيديو يرون أن بإمكانهم تسميتها أي شيء يخطر على بالهم ما دام عددهم كافيا لفرض هذا الرأي. (1)
  

   
هذا ثاني ما سنخبرك به، جمهور الـ "Esports" يصل إلى مئات الملايين سنويا، والمقصود بالجمهور هنا هو الناس الذين يجتمعون في ملاعب ضخمة لمشاهدة مجموعة من المتسابقين يجلسون إلى حواسبهم بينما يُعرض كل ما يقومون به على شاشات ضخمة. هناك رُعاة أيضا والعديد من الإعلانات لكل شيء وأي شيء. باختصار، الرياضات الإلكترونية تمتلك كل ما تمتلكه الرياضات الفعلية؛ من لاعبين وفِرق وملاعب ورعاة وجماهير ومسابقات محلية وقارية ودولية بجوائز ضخمة، كل شيء باستثناء التفصيلة التي لا يبدو أنها تهم الكثيرين، وهي أنها ليست رياضة من الأصل. (2)
  

كل هذا جميل ومعروف للجميع تقريبا، ولكن قابل هذا النشاط طيلة السنوات الماضية حالة من الإنكار والتجاهل الساخر، أولا لأنها ألعاب فيديو، وهذا المصطلح قد ارتبط في الأذهان بالترفيه والهزل والتفاهة، وثانيا لأننا كلنا تقريبا لم ندرك تفصيلة أخرى مهمة للغاية، وهي أن طريقة تعرف الأجيال الجديدة على كرة القدم أو غيرها من الرياضات اختلفت كثيرا عما سبق.
  

لا بد أنك قد رأيت هذا المنشور من قبل على فيسبوك أو تويتر، صورة لمجموعة من الأطفال بالأبيض والأسود يلعبون كرة القدم في الشارع، وأخرى لمجموعة مختلفة تحدق في هواتفها المحمولة، في إشارة إلى الفارق بين الطفولة التفاعلية التي حظيت بها أجيال الثمانينيات والتسعينيات وما قبلها، وتلك التي يحظى بها كل من وُلد بعد بداية الألفية.

  

     

كليشيه مُنفر مغرق في التقليدية، لأنه غالبا ما تصحبه الحسرة على التكنولوجيا التي أفسدت الأجيال الجديدة وعزلتها عن العالم الواقعي، في تجاهل تام لكل الفوائد الضخمة التي حصدتها نفس الأجيال من نفس التكنولوجيا، بالإضافة إلى لمحة أبوية سلطوية كفيلة بدفعك للاستغراق في التكنولوجيا نكاية فيها لا أكثر، ولكن هذا الكليشيه يصف ما حدث هنا بدقة؛ هناك أجيال كاملة من الأطفال تعرفت على كرة القدم وغيرها من الرياضات عبر ألعاب الفيديو أولا قبل أن تحظى بفرصة ممارستها فعليا أو حتى مشاهدتها على الحقيقة، وهؤلاء الأطفال تحولوا إلى مراهقين لاحقا، وبعض هؤلاء المراهقين تحول إلى لاعبي كرة قدم بطبيعة الحال، وكل هذا بدأ يعكس اتجاه المعادلة، ومع الوقت أدركنا أن العالم الواقعي صار يحاول التشبه بالعالم الافتراضي لا العكس، لسبب بسيط وواضح هو أن العالم الافتراضي صار هو الأصل، وقد صار الأصل لسبب بسيط وواضح هو أنه أول ما يتعرف عليه أطفال هذا الجيل، وهكذا في دائرة مفرغة لا يبدو أنها ستنكسر قريبا.

يسقط الواقع
هذا هو ما أكّده روجيه بروزيل مدير المحتوى والبرمجة في الليغا في مقابلة حديثة، طبعا بعد أن فاجأنا بأن هناك ما يُدعى بقطاع المحتوى والبرمجة في الليغا أصلا وأن له مديرا، أخبرنا أن أطفاله تعرفوا على كرة القدم عن طريق فيفا أولا، والسبب الفعلي هو أنه، بطريقة ما، صار الحصول على هاتف ذكي أو جهاز حاسوب أسهل بكثير من ممارسة الرياضة أو متابعتها على الطبيعة. (3) (4) (5)

 هذه عبارة غريبة للغاية ولكنها حقيقية للغاية أيضا، ولكن هناك أسباب أخرى منطقية لهذه الحالة، مثل حقيقة أن مواقع التورنت وقدرة العالم على اختراق أي ملكية فكرية جعلت تكلفة ألعاب الفيديو أقل بكثير من المطلوب لمشاهدة كرة القدم في الملاعب. هناك دراسة أعدّتها النيويورك تايمز منذ عدة سنوات تؤكد أن متوسط سعر التذكرة الحالي لأندية البريميرليغ قابل للتخفيض للنصف تقريبا دون أن يؤثر على الأرباح، وأنه لا مبرر لأسعار التذاكر الحالية سوى الجشع، وهذا الجشع سيقضي على اللعبة يوما ما. (6)


بالطبع يبدو كل هذا سخيفا ومنفصلا عن الواقع إذا نظرت إلى ملاعب البريميرليغ المكدسة المزدحمة طوال الوقت، ولكن طبقا لاستطلاع أعدّته "بي بي سي" فإن 4 من 5 مشجعين شباب في إنجلترا واسكتلندا وويلز قد توقفوا عن الذهاب للملاعب لمشاهدة المباريات، أو على الأقل صاروا يحضرون عددا أقل مما اعتادوا عليه بسبب أسعار التذاكر، وفي إنجلترا تحديدا انخفضت نسبة أصحاب التذاكر الموسمية من الشباب إلى 4%، ومنذ 2015 ارتفع متوسط سن رواد المباريات إلى 41 سنة على الرغم من أن أغلب أندية إنجلترا صارت تمنح الشباب تسهيلات وتخفيضات على أسعار التذاكر. (7)

كل هذا دفع المسؤولين عن المسابقات المحلية والإعلام الرياضي في أوروبا إلى تغييرات جذرية، هدفها الأساسي نقل الشعور بالأُلفة لهؤلاء الشباب في المباريات المذاعة، وهذا هو ما أدخل تقنيات جديدة مثل عين الصقر وخط المرمى وإمكانية الدوران حول أي لقطة لـ360 درجة ومحاكاتها افتراضيا من أي موقع في الملعب حتى لو كان رأس اللاعب المستحوذ على الكرة، وكل ذلك تم باستخدام تكنولوجيا الألعاب بالأساس، حتى إستوديوهات سكاي صارت تستعين بمبرمجي الألعاب لتمنح ضيوفها إمكانيات مشابهة أثناء تحليل المباريات. (3)
   


في الماضي كنا نشاهد كل ذلك ونتخيل أن اللعبة تتطور، وهي تتطور فعلا، ولكن لسبب مختلف تماما عما كنا نظنه؛ اللعبة تتطور لترضي مستخدمي ألعاب الفيديو بالأساس التي يتزايد جمهورها سنويا ومن المتوقع أن يتجاوز جماهير الملاعب عددا في المستقبل القريب، والمشكلة الأكبر أن هذه التعديلات ليست أكثر من مجرد شكليات في التصوير والإخراج تقتصر على التجربة البصرية للعبة فقط، ولم تمس بعد أهم سماتها الذهنية والعقلية، مثل الآنية (Immediacy) التي اعتادها لاعبو الفيديو بمباريات أكثر سرعة لا تتجاوز مدتها ربع الساعة، ناهيك بقدرتهم على التحكم في اللاعبين أصلا، وكلها أمور من المرعب تخيلها في كرة القدم الحقيقية إن تحققت. الأمر خطير فعلا، وأحد أسباب خطورته أن الكثيرين لا يدركون مدى خطورته.

 

تلعيب الرياضة

كل شيء يظل مجهولا حتى يحصل على اسمه، وهذه الحالة الغريبة من استخدام التكنولوجيا لنقل الواقع إلى العالم الافتراضي بدلا من العكس قد حصلت على اسمها أخيرا. يطلقون عليها "تلعيب الرياضة" أو (Gamification of Sports)، والمرعب والمثير في ذات الوقت أن كل ما سبق لا يُعبّر عن جديتها ومدى تطورها حتى اللحظة. (3)

دعك من تصريح بيرلو عن أن البلاي ستيشن هو أفضل اختراع في تاريخ البشرية بعد الدرّاجة، ودعك من حقيقة أن كل لاعبي كرة القدم يستخدمون ألعاب الفيديو بشراهة في هذه الأيام، لأن الأمور تنتقل إلى مستوى آخر تماما عندما تعلم أن فيفا صارت مرجعا كرويا للعديد من اللاعبين. بمعنى أن قبل كل مباراة، وبعد أن يعلم إيوبي اسم اللاعب الذي سيواجهه في الملعب، يلجأ صانع ألعاب أرسنال النيجيري لفيفا حتى يتعرف على إمكانياته في حال لم يكن قد واجهه من قبل، والأرقام التي تظهرها له اللعبة لم تعد تُقدر جزافا مثل النسخ الأولى، بل أصبحت مرتبطة بدورها بشبكات إحصائية متخصصة مثل أوبتا وبروزون، أي إنها -على الأغلب- ستكون الأرقام نفسها والملاحظات التي سينالها إيوبي من مساعدي إيمري إن طلب تقريرا مفصلا عن اللاعب! (8) (9)

في الواقع، العديد من اللاعبين يؤكدون أن لعب فيفا يساعدهم على إيجاد حلول قد تغيب عن أذهانهم في الملعب، أحدهم هو هوملز الذي يؤكد بأنه كثيرا ما يستخدم ما تعلمه في اللعبة لتطبيقه على أرض الواقع، وهو أمر مشابه لما صرح به زلاتان سابقا، وفي 2008 أكّد ماركو أميليا حارس بارما أنه شعر بدهشة شديدة وهو يشاهد رونالدينيو يركض بطريقة البلاي ستيشن نفسها قبل تنفيذه لركلة جزاء، وأن هذا الشعور بأنه قد شاهد الركلة من قبل ساعده على التصدي لها ولو بنسبة بسيطة، لاحظ أننا نتحدث عن واقعة حدثت منذ 10 سنوات! (10)


الواقعة الأغرب على الإطلاق حدثت في 2009 في دوري كرة القدم الأميركي، أو بمعنى أصح في دوري كرة اليد الأميركية التي تتظاهر بأنها كرة قدم، عندما قام براندون ستوكلي بخطف الكرة والركض جهة خط النهاية (Touchline) لإحراز هدف الفوز، وعندما وصل هناك اكتشف أنه ما زال هناك 17 ثانية متبقية على النهاية، فركض بعرض الملعب بمحاذاة الخط ليهدر المزيد من الثواني ويضمن التسجيل عند الثانية الأخيرة في لقطة درامية تقليدية للغاية أثارت إعجاب الجمهور، ثم خرج بعدها ليؤكد أنه استوحى كل هذا من ألعاب الفيديو، وأنه كرر هذا الأمر مئات المرات على البلاي ستيشن ليحرم الخصم من الفرصة للعودة في المباراة. الغريب هنا ليس الفعل ذاته، ليس الرغبة في إهدار الوقت لأنها طريقة مُمارسة منذ أولمبياد الإغريق، ولكن الغريب هو أنه رغم كل ذلك فإن ما أوحى لستوكلي بتصرفه كان ألعاب الفيديو. (11)
  

الخطوة التالية طبعا كانت أن يبدأ اللاعبون في منح تقديرات فيفا و"Pro Evolution" أو الـ "Ratings" اهتماما أكبر من المتوقع والمعتاد، لماذا؟ لأنها -مرة أخرى- الطريقة التي يتعرف بها الكثير من الشباب على هؤلاء اللاعبين أصلا. لهذا السبب يغضب باتشواي من دقة تمريراته لدرجة توجيه رسالة إلى صناع فيفا، ويضغط وكلاء اللاعبين على صُنّاع الألعاب للحصول على تقييمات أفضل، وللسبب نفسه يغرد لوكاكو بأنه لم يعد يهتم بأرقامه في اللعبة ما دام قادرا على التطور في "الحياة الواقعية". حقا؟ هل ما زلنا قادرين على تحديد ما هو واقعي وما هو افتراضي عند هذه النقطة؟

   

            
   
أذرع التحكم

بشيء من الصراحة والتجرد قد تدرك أن الأمر كله نسبي للغاية، ما يعتبره جيل الثمانينيات مصيبة ستحل على اللعبة سيصبح قريبا هو اللعبة، وهناك الملايين من الشباب والأطفال الذين سينشأون وهم لا يعلمون شكلا آخر لكرة القدم غيره، وهذه الملايين ستمر بمرحلة أخرى مشابهة في المستقبل، تواجه فيها الأجيال الأصغر سنا مشاكل أخرى استحدثها التطور الدائم، مثل تعطل الهوائي المثبت على رأس مبابي فجأة أثناء انفراده بالمرمى، أو الحسرة على عدم امتلاك غوارديولا لمزيد من الأزرار على جهاز التحكم الخاص به، أو الهجوم على راموس لأنه نزع بطاريات حارس مرمى الخصم أثناء ركنية خطيرة.


مشكلة النسبية أنها تفسر الكثير من الأشياء، ولكنها تُلغي أغلب المعايير والقواعد بينما تفعل ذلك، لذا ستعجز أي محاولة لإيقاف الموجة القادمة أمام الأسئلة التقليدية التي تتكرر مع كل نقلة تكنولوجية جديدة؛ من قال إن هناك شكلا محددا لكرة القدم يجب أن نحافظ عليه؟ بأي حق سيتم إقصاء لاعبي الفيديو من الرياضة لسبب واهٍ مثل كونهم لا يمارسون أي رياضة؟ ولماذا لم يعترض أحد عندما تم تعديل قانون التسلل، أو عندما تم إدخال الإعادات التلفزيونية، أو حتى عندما تم تطبيق تقنية حكم الفيديو؟ وقبل أن تعلم ستجد نفسك غارقا في السفسطة حتى أذنيك، سفسطة مفادها أنه لا شيء يحكم أي شيء، وأنه من الممكن عند لحظة ما استبدال الكرة نفسها ببطيخة لو كان عدد من يؤيدون هذا الأمر كافيا.
 

منذ أيام قليلة نشرت آس الإسبانية خبرا مفاده أن برشلونة قد تعرّف أخيرا على السبب خلف مشاكل ديمبيليه، وتحديدا عجزه عن اللحاق بمواعيد التدريبات والتركيز في المباريات، وهو أن الشاب الموهوب الذي يلعب في أحد أكبر أندية العالم وهو في الحادية والعشرين من عمره يعاني من "اضطراب ألعاب الفيديو". هذا مرض حقيقي تماما مُصنف ضمن الأمراض النفسية المعترف بها دوليا، وبمقتضاه يقوم المريض بتحجيم باقي نشاطات حياته لصالح ألعاب الفيديو، وفي حالة ديمبيليه كان هذا على هيئة سهرات طويلة مع أصدقائه أمام أجهزة البلاي ستيشن. (12)

هذه حالة واضحة لا لبس فيها من تفضيل كرة القدم الافتراضية على الواقعية، والفارق المرعب هنا أن من يقوم بهذا التفضيل ليس شخصا تعذر عليه ممارسة اللعبة بسبب افتقاده للإمكانيات اللازمة، بل واحد من أهم المواهب الشابة في العالم بعد أن وصل إلى المكان الذي قد يساعده على تحقيق كل أحلامه، وحتى لو كان يمر بفترة سيئة تحت قيادة مدرب عجز عن إضافة الكثير للفريق، لذا فإن أفضل ما يمكن فعله الآن هو أن نحاول الاستمتاع بمباريات كرة القدم المتاحة قبل أن نصحو ذات يوم لنجد إنفانتينو قد قرر تخفيض مدتها إلى عشر دقائق واستبدال المدرجات بلوحات إعلانية.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار