انضم إلينا
اغلاق
ريال مدريد وباريس.. كيف تحافظ على تصدر مشاهد الفشل؟

ريال مدريد وباريس.. كيف تحافظ على تصدر مشاهد الفشل؟

أحمد أباظة

محرر رياضة
  • ض
  • ض
هناك طرق عدة لدخول التاريخ الذي دائما ما تتنوع أبوابه من أوسعها لأضيقها، ربما دخله أوناي إيمري العام الماضي من أقذر تلك الأبواب على الإطلاق، مدونا اسمه كالطرف الخاسر في أكبر عودة بتاريخ دوري الأبطال من 4-0 إلى 6-1، ولكنه هذا العام عاد لينصب نفسه كبش فداء لواحد من أسوأ مواسم ريال مدريد.. الميرينغي بأقدام موفقة يخطو الخطوة الأولى ناحية تغيير مصير هذا الموسم المشؤوم على حساب ضيف شرف الأبطال الدائم.
  

كثيرة هي الأشياء التي كان يمكن إلقاء اللائمة عليها؛ ضعف الاحتكاك في الدوري الفرنسي، ضعف شخصية البطل لدى باريس سان جيرمان، المباراة المأساوية لجيوفاني لو سيلسو، الأداء المتراجع لماركو فيراتي، ولكن وإن كانت تلك العوامل لها أرضية على أرض الواقع، إلا أن إيمري لسبب ما قرر أن يتصدر المشهد، أن يحمي فريقه ويتلقى الطعنات وحده، أن يخسر بيده المعركة التكتيكية ليضيع فرصة إثبات الذات أمام النسخة الأليفة من ريال مدريد.
    

تشكيل الفريقين وتقييم اللاعبين - هوسكورد (غير معروف)

   

مناورات أولى

استعاد زين الدين زيدان سلاح 4-4-2 "داياموند" بغرض احتواء المباراة في عمق الملعب وتحقيق الانتصار المبكر في معركة الوسط الحاسمة، وبغرض إفساح المجال لإيسكو الذي وإن كان قاتلا للإيقاع، فهو ضرورة حتمية للاحتفاظ بالكرة والخروج بها والتحكم في عملية إدارتها، خاصة إن كان الهدف هو تجنب مصير محفوف بالمخاطر حال تحول تلك المباراة إلى سجال سريع. برع إيسكو في أداء الدور المطلوب منه وإن لم يُضف سوى تمريرتين مفتاحيتين، فقد أكمل 58 تمريرة من أصل 61 (بنسبة 95%) في مُختلف أرجاء الملعب.
   

مواقع تمريرات إيسكو: الإسباني يملأ الثلث الأوسط على وجه التحديد كملجأ شبه دائم للكرة، ثاني أكثر اللاعبين احتفاظا بالاستحواذ (6.6%) بعد توني كروس (7.3%) - هوسكورد (مواقع التواصل الإجتماعي)

  
على الجانب الآخر قرر إيمري عدم المخاطرة بظهيره الأيسر لايفين كورزاوا، مستعينا بالإسباني يوري بدلا منه، لاعب قدم بمساندة هجومية جيدة، ولكنها كانت عديمة الفاعلية شأنها شأن أغلب الجهود الباريسية. أيضا اضطر مدرب فريق العاصمة للدفع بالأرجنتيني جيوفاني لو سيلسو في محور الوسط بدلا من تياغو موتا المصاب. اللاعب الذي كان بالأصل صانع ألعاب، تواجد في حماية رابيو وفيراتي في قرار ظاهره الحرص على عدم الإخلال بالجانبين الدفاعي والهجومي للوسط، وفي باطنه أسوأ لاعبي المباراة على الإطلاق، هو ليس لاعبا سيئا ولكنها كانت مباراة شديدة السوء لا أكثر ولا أقل.

    
زيدان أتى إلى تلك المباراة بغرض رئيسي: الضغط من الأمام ومحاولة حرمان الخصم من اللعب بأريحية، ليمر باريس بعدة انزعاجات كلما حاول الخروج بالكرة، ويضطر لسحب بقية الخطوط بالتبعية إلى الوراء، وتنحصر العملية الهجومية بشكل رئيسي في التجليات الفردية، بكلمات أخرى: في 13 مراوغة صحيحة من أصل 15 للاعب واحد دون أدنى جدوى! المفاجأة ليست في ضخامة الرقم بقدر عدم ترجمته لأي نفع، فإسهامات نيمار الحقيقية أظهرتها محاولات التمرير؛ 3 كرات مفتاحية وتهيئة كرة الهدف الوحيد، بينما انتهت أغلب مراوغاته بتسديدة ليست بنصف كفاءة المهارة السابقة لها.

   

في مشاهد منتظرة من الرسمين المتعارضين، نجح الميرينغي في تعطيل الوسط بل وانتزاع اليد العليا منه لأغلب الفترات في العمق، ليبقى الميدان المتبقي على الأطراف، أو ما وراء البرازيليين داني ألفيس هنا ومارسيلو هناك، نظرا لقلة الآمال المعلقة على يمين ريال مدريد هجوميا، الأمر الذي ترتب عليه التزام ناتشو بتحديد إقامته اتقاء لشر نيمار، وهو ما منح يوري بدوره حرية للتقدم.
     

الخريطة الحرارية للأظهرة الأربعة: ناتشو الأكثر تراجعا ومارسيلو الطليق يسارا، داني ألفيس ويوري ينعمان بتقدم نسبي علما بأن الأول شارك كجناح أيمن منذ الدقيقة 66 - هوسكورد (مواقع التواصل الإجتماعي)

  
الحصيلة في النهاية هي التقاط رابيو لعرضية مبابي الضالة دون أن يراه أحد في مشهد يُظهر مدى قابلية دفاع ريال مدريد للاستباحة، وهو الدفاع الذي كان يحاول زيدان إبعاد المعركة عنه قدر المستطاع، بينما تبرع المتخبط لو سيلسو بإعادة ريال مدريد إلى الأجواء عن طريق ركلة جزاء ارتكبها بجميع أطرافه تقريبا. 1-1 في نهاية شوط أول أقل من التوقعات ولكن لا يزال يعد بالكثير.

  
عض الأصابع
بات الوضع أشبه بوجود إصبع لكلا المدربين تحت فك الآخر، من يخطئ أولا سيعاقب، ومن يحاول العض دون تأمين وضعه من براثن الفك الآخر سيفقد إصبعه لا محالة.. استمر الحذر المتبادل ولكن كان إيمري أول من يتقدم خطوات للأمام، ليميل العرض نسبيا إلى كفة باريس، ويستمر طرقه لأبواب دفاعات ريال مدريد غير محكمة الإغلاق بدورها، ولكن بين الرعونة وسوء التسديد ومستوى طيب من نافاس ذهبت تلك المحاولات سُدى، وهي ذاتها أسباب ضياع محاولات ريال مدريد الأكثر عددا في المباراة.

   
على الصعيد الدفاعي في الوسط، ورغم خسارته للكثير من الصراعات البدنية إلا أن ماركو فيراتي قد أكمل تدخلاته الأربعة بنجاح إلى جانب اعتراضين للكرة، نسب أقل من زميليه لو سيلسو (تدخلان من 3 وصفر من الاعتراضات) ورابيو (تدخلان من 4 واعتراض واحد). في الجهة المقابلة، تعرض لوكا مودريتش للمراوغة في جميع تدخلاته الثلاثة، ولكنها ضريبة ملاقاة نيمار، حيث ساهم الكرواتي كعادته في إغلاق تلك الجبهة التي شهدت 48% من محاولات باريس الهجومية، إلى جانب وصول دقة تمريره إلى 95% منها تمريرتان مفتاحيتان.
 
على ذكر التمريرات المفتاحية، فشل وسط باريس في إمداد الهجوم بالفرص الخطرة إثر جدار ضغط ريال مدريد غير المنقطع، لتكون الحصيلة تمريرة وحيدة من نصيب رابيو، مقابل 7 من الثلاثي كروس وإيسكو ومودريتش (3 للأول و2 لكل من الباقيين)، ليظهر وسط الميرينغي ككتلة متلاحمة مع الخط الأمامي بعكس الخصم، يحميها أداء دفاعي كاسح من كاسيميرو؛ بـ7 تدخلات ناجحة من أصل 11 (أغلبها في مناطق نفوذ نيمار) بالإضافة لإسهام رائع في الضغط الأمامي بـ6 اعتراضات للكرة، كما تُظهر مواقعها..
     

اعتراضات كاسيميرو الستة: ثلثا الاعتراضات في وسط ملعب الخصم، منها اثنان في الثلث الأخير- هوسكورد (غير معروف)

  
لم يطل انتظار الحركة الأولى لأكثر من 66 دقيقة؛ قرر مدرب باريس سان جيرمان أن لديه مشكلة اسمها مارسيلو، تؤرق دفاعاته وتحاول اللعب وراء ألفيس كثيرا، وبالتالي يجب السعي نحو تحجيمه، فإن لم يتراجع صار الفريق أكثر قدرة على اللعب وراءه، وفي الحالتين باريس المستفيد. نوايا نبيلة للغاية، ولكن كم من تلك النوايا أودت بصاحبها إلى الدرك الأسفل من النار؟ على الأرجح لم نكن نعرف مدربا سيستخلص من تلك المعطيات إقحام ظهير على حساب مهاجم، ولكننا الآن نعرف له اسما ووجها.. لسبب ما -وإيمري مدين بتوضيح هذا السبب للتاريخ والأجيال القادمة- حل توماس مونييه على حساب إدينسون كافاني.
  
ربما جنى إيمري ثمار حركته الغريبة في تهدئة وتيرة جبهة مارسيلو بشكل مؤقت، بعد امتلاك ألفيس حرية هجومية أكثر صراحة أجبرت مواطنه على العودة للدفاع، ولكن ألم يكن من الأولى إشراك أنخيل دي ماريا لزيادة التهديد الهجومي بشكل فعلي بدلا من زيادة فرص إلقاء الكرات العرضية، خاصة وأن دفاع ريال مدريد كان مستباحا أرضا وليس هواء؟ راموس انتصر في 5 صراعات هوائية من أصل 8 هجوما ودفاعا، وفاران فاز بصراعيه الدفاعيين، علما بأن خروج كافاني المعزول نسبيا (11 لمسة فقط طوال المباراة) قد خفف من العبء الملقى على قلبي الدفاع، كل ذلك فقط لأجل فرضية أن مونييه سيوفر الإضافة اللازمة لتلك الجبهة وهو ما أثبت عكسه تماما؛ مجموعة متراكمة من الكوارث في انتظار من يطرق بابها..
 

"الوداع يا سيِّدي"
ليس من المؤكد إن كان زيدان فهم ما الذي يفعله خصمه على وجه التحديد، ولكن الأكيد أنه لم يخطئ الفرصة التي أتيحت له، بعد أن فتح له الخصم طواعية إحدى جبهاته ليأتي منها أغلى هدفين! بتزامن عبقري مع انكسار حدة التهديد الهجومي بخروج غير مبرر على الإطلاق لرأس الحربة. ربما استبق إيمري التعامل مع انقضاض ريال مدريد المتوقع في الدقائق الأخيرة، ولكن هل كان حقا جاهزا لمواجهته؟

  
شرع المدرب الفرنسي في حركته الثانية الكاسحة قبل النهاية بـ10 دقائق، مشركا لوكاس فازكيز وماركو أسينسيو بدلا من إيسكو وكاسيميرو، لتتحول الطريقة إلى 4-4-2 كلاسيكية، ولكنها المطلوب بعينه لفتح الملعب على مصراعيه بعد طول استهداف احتوائه بالوسط. لسبب ما تواصل الكرة إخراج لسانها لنظرية الجبهة ثنائية الأظهرة، ليكون موقع مونييه شاهدا على هدف الانتصار ثم هدف تعميقه، حين بدأ كل شيء بأسينسيو تحديدا، وما هي إلا لحظات قبل عودة كابوس مارسيلو من جديد، في صورة هدف على أنقاض حيلة إيمري البائسة.

بين الهدفين حل جوليان دراكسلر بدلا من لو سيلسو، في محاولة لاسترداد التعادل تركتنا في حيرة عن أي أولى بالسؤال؛ لماذا بقي لو سيلسو في الملعب إلى الدقيقة 84؟ أم لماذا تأخر إشراك جوليان دراكسلر إلى الدقيقة 84؟ أم لماذا تطلب الأمر أصلا 84 دقيقة منها 5 دقائق تحت قصف زيدان؟ سقط باريس في 7 دقائق وتخبطت الأقدام، وضاعت مباراة كيمبيمبي الجيدة، تفضيل إيمري لسرعة المدافع الشاب على خبرة تياغو سيلفا ذهب أدراج الرياح حين فقد تركيزه شأنه شأن الجميع تقريبا.

من المؤسف للغاية أن تنفق كل تلك الأموال؛ 400 مليون يورو في سوق انتقالات واحدة لضم نجم برشلونة وموهبة أوروبا الواعدة رقم 1، لتبني فريقا تظن أنك مقارع به ريال مدريد، لتكتشف في النهاية أن شخصيته أضعف من شخصية ماركو أسينسيو وحده! بـ4 تمريرات صحيحة من أصل 8 فقط، حل في 14 دقيقة ليقدم تمريرتين مفتاحيتين ويتسبب في هدفين. أسينسيو لم يظهر فجأة حين أوجد لنفسه المساحة وأرسل عرضيته أمام مونييه، لتجد طريقها بشكل أو بآخر إلى ركبة رونالدو. أسينسيو لم يظهر فجأة أيضا حين أوجد نفس المساحة وأرسل عرضية أخرى تحت أنف نفس المونييه، والسؤال تلك المرة ليس عن دور اصطدام الكرة بماركينيوس، بل عما كان يفعله مارسيلو وحده على حدود الياردات الست مباشرة.
  

الخريطة الحرارية لأسينسيو: 11 لمسة أضرمت النيران في يمين ضيوف البيرنابيو - هوسكورد (مواقع التواصل الإجتماعي)

  
سيكون من الظلم تجاهل الأداء الرائع لتوني كروس، 3 تمريرات مفتاحية وتمريرة وحيدة خاطئة من أصل 65 (دقة التمرير 98%)، وصفر على قائمة فقد الاستحواذ (التي يتصدرها نيمار يليه رابيو يليه ألفيس بـ6 و5 و4 مرات على الترتيب)، ولكن على ذكر الألماني هناك ملحوظة هامشية بسيطة: هل سيتضرر أحد لو ترك رونالدو واحدة من تلك الركلات الحرة لتوني كروس مثلا ولو على سبيل التجربة؟

من المبكر للغاية الجزم بهوية المتأهل رغم الأفضلية الواضحة لريال مدريد، فهشاشته الدفاعية قد تُكلفه الكثير، وكل المطلوب 2-0 لا أكثر ولا أقل، ولكن هل يمكن لتلك النسخة المهزوزة من باريس تحت القيادة المرتعشة لأوناي إيمري أن تنجز تلك المهمة؟ ريال مدريد على أعتاب صحوة قد تجعله مرشحا لنيل اللقب الثالث عشر والثالث على التوالي، إلا أنه لا يزال في المتناول، الأمر يتطلب ما هو أكثر من الفوارق الفنية التي قد تميل لصالح باريس، الأمر يتطلب شخصية، تلك التي يملكها لاعب في الثانية والعشرين من عمره، ولا يملكها فريق بمدربه.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار