انضم إلينا
اغلاق
بوغبا ومورينيو.. أن تكون مدمنا على افتعال الأجواء العدائية

بوغبا ومورينيو.. أن تكون مدمنا على افتعال الأجواء العدائية

أحمد أباظة

محرر رياضة
  • ض
  • ض

في عالم كرة القدم عادةً ما يكون الحُكم والصدارة لما يحدث على أرض الملعب، يُسلَّط الضوء على مهارة اللاعبين وأفكار المدربين، اللاعب ينصب نفسه نجما بما يقدمه على هذا العُشب، ولكن أفكار المدرب ليست الطريق الوحيد للنجومية، بل لسانه. ضجة كبيرة يجب أن تحدث حين يقال إن جوزيه مورينيو مدرب مانشستر يونايتد وبول بوغبا نجم الفريق ليسا على وفاق.. نزاع لم يتورَّع اللاعب عن تفجيره، ولم يتردد المدرب في تصعيده، ولن يتوانى الإعلام عن حلبه لآخر قطرة.

 

لمورينيو قواعد وعادات راسخة، لا مقعد أساسي مضمون لمن لا يلتزم بالتعليمات، لا أمان لمن يؤدي بشكل سيء، لا مكان لمن يتمارض أو يدعي الإصابة، وبشكل أو بآخر بوغبا قد اخترق المحاذير الثلاثة جميعها. تتوقف الأمور على تصرف الرجلين وكيفية خروجهما من هذا المأزق، بكلمات أخرى: بقاء السفينة على وضعها الحالي قد يتوقف على انصياع بوغبا الكامل لمدربه العنيد.

 

سأرحل ولن تندموا

ليس غريبا على المدرب البرتغالي "تربية" لاعبيه المارقين بتلك الطريقة، فحين ألقى بسهام اللوم على إيكر كاسياس في مسألة تسريب الأخبار للصحافة، لم يُبال بكونه قائد ريال مدريد وحارسه الأسطوري وأجلسه لصالح أدان ثم أحضر له دييغو لوبيز في الشتاء، وحين اصطدم بمدافعه ومواطنه بيبي، أجلسه لصالح رافاييل فاران القادم من الدرجة الثانية الفرنسية، وقد كانت رهاناته ناجحة بشكل أو بآخر، حيث تألقت اختياراته الجديدة ولم يعُد كاسياس كالسابق أبدا، بينما تعافى بيبي إلى حد كبير لاحقا.

 

أمور مشابهة حدثت في تشيلسي ولكن لأسباب متباينة، فحين وضع ثقته في تيبو كورتوا على حساب بيتر تشيك، كان هو الرجل نفسه الذي منح لتشيك فرصة التحول لأسطورة ناديه على مر 10 سنوات مطيحا بكارلو كوديتشيني لأجله، إجراءات فنية بحتة لا تُبنى على تاريخ أو صداقة، كان هذا رهانا ناجحا في المرتين على المدى الطويل. ولكن بالانتقال إلى الإجراءات التأديبية، كانت خيارات مورينيو لمعاقبة إيدن هازارد غير ناجحة على الإطلاق، سواء روبن لوفتوس-تشيك أو روبرت كينيدي.

  

   

هناك قاسمان يجمعان بين الحالتين: استفادة النادي وتضرر المدرب نفسه. ريال مدريد حصل على أداء مميز من دييغو لوبيز في فترة اهتزاز كاسياس؛ الذي سقط فاتحا الطريق لإتمام صفقة ديفيد دي خيا التي فشلت بدورها بعد واحدة من أكثر ملاحم الميركاتو هزلا على الإطلاق(1)، كما أمَّن مستقبل دفاعه على المدى الطويل بفاران، وإجمالا ترك لهم فريقا يفوز بدوري أبطال أوروبا في العام التالي لرحيله مباشرة، أما عن تشيلسي، فعلى ما يبدو أن أزمته هيَّأت غرفة الملابس لتقبل أي شيء والتحمس لأول بادرة تغيير مقبلة، لينطلق الفريق مع أنتونيو كونتي في موسم صلب للغاية، متوّجا بلقب الدوري ومناقضا نهاية الموسم السابق في المركز العاشر.

 

على الناحية الأخرى، اتسعت رقعة صراعات مورينيو في ريال مدريد من كاسياس وبيبي لتشمل سيرجيو راموس وكريستيانو رونالدو أيضا،(2) وبالطبع حين يضع أي رئيس نادٍ الطرفين كل منهما في كفة، فمن الواضح أيهما ستميل.. بات استمراره في ريال مدريد مستحيلا، عاد إلى تشيلسي حيث توج بالدوري، قبل سقوط مدوٍ أجبره على اتهام اللاعبين بالخيانة(3). الآن هو بشكل أو بآخر يعيد القصة ذاتها مع بوغبا بلا تردد، في إصرار واضح وصريح على أفكار ومعتقدات الماضي دون أدنى ذرة تراجع، يضرب نظرية "مورينيو الذي تغير" في مقتلها. الحديث هنا ليس عن مدى صحة تلك الأفكار أو خطئها؛ بل ثباتها ونهاياتها المتشابهة.

 

كيف وصلنا إلى هنا؟

مورينيو كان صريحا أمام الإعلام في مشكلته مع بوغبا، ربما كان غاضبا أكثر من أن يخفي الأمر، أو أقل حرصا على إبقائه طي الكتمان، الأكيد أن شيئا لم يتغير.. فمن صرح بأن دييغو لوبيز أفضل من إيكر كاسياس(4)، ومن قال إن "مشكلة بيبي اسمها رافاييل فاران، لأن لاعبا في الحادية والثلاثين من عمره خسر مركزه لصالح لاعب في التاسعة عشر"(5)، هو نفسه من قال إنه لا يهتم بشأن مرض بوغبا (6)، وهو نفسه من امتدح مميزات ماكتوميناي الآتية: "قصة شعر عادية، لا وشم، لا سيارات كبيرة، لا ساعات يد كبيرة، فتى متواضع"(7)، لم يرِد في الحديث أي ذكر لاسم بوغبا، الصدفة وحدها جعلت كل تلك الأوصاف هي النقيض الكامل له لا أكثر ولا أقل..

 

علاقة الرجلين مرت بمراحل متقلبة للغاية، فقبل عام ونصف، تحديدا 19 أغسطس/آب 2016 بعد الفوز على ساوثامبتون بهدفين نظيفين قال مورينيو عن تعليماته التكتيكية لبوغبا: "قلت له العب، لا أعرف أي مركز لعب به، هو لاعب يجب أن يتمتع بالحرية، يجب أن نبني منظومة معينة حوله".(8) لم تسِر الأمور بعدها بتلك الوردية فقد انتقل بوغبا من مركزه المفضل "8" إلى ثقل عبء واجبات مركز "6" في ثنائية الارتكاز المثقلة بواجبات دفاعية ليست نقطة تفوقه، أو إلى مركز صانع الألعاب "10" والذي لم يُجِد فيه مطلقا.

   

    

"أخبَرَني ألا أُنصت لأحد، طالبني فقط بالتركيز والاستمتاع، هذا كل ما أفعله. لقد جعلني مرتاحاً وواثقاً بحديثه معي، قال لي: أنت تعرف كيف تلعب، افعل ما تريد. هذا كل ما احتجت سماعه من المدرب"(9).

(بول بوغبا عن جوزيه مورينيو - 13 يناير/كانون الثاني 2017)

 

وصلت الأزمة لبداية حقيقية في مباراة توتنهام التي خسرها يونايتد 2-0، حين سحبه في أول تغييراته لصالح خوان ماتا، بعد 63 دقيقة سيئة للغاية من جانبه، ليبقيه على الدكة في المباراة التالية أمام هدرسفيلد حتى الدقيقة 65. مرَّت العاصفة مؤقتا وعاد بوغبا للتشكيل أمام نيوكاسل، خسر يونايتد 1-0 واستشاط جوزيه غضبا من أداء لاعب الوسط مرة أخرى ليسحبه في الدقيقة 66.

 

"أريد منكم أن تخبروني أي مركز لعب فيه بوغبا أمام نيوكاسل. هل سيخبرني أحدكم؟ حسنا، في الوسط، ولكن هل لعبنا بواحد في المركز رقم 6 واثنين في المركز رقم 8 أم باثنين في المركز 6 وواحد في المركز 10؟ لعبنا بواحد في المركز 6 واثنين في 8، ماتيتش في الوسط، لينغارد على اليمين وبوغبا على اليسار. هل تعرفون ما هو التشكيل المُفضل لبوغبا؟ 4-3-3. هل تعرفون المركز المفضل له في 4-3-3؟ 8 على اليسار، لذلك من السهل علينا ومن الصدق أيضا أن نقول: بوغبا لعب بشكل سيء أمام نيوكاسل، لا تجعلوا الناس تقرأ أشياء غير حقيقية، أنتم تتقاضون رواتبكم لقراءة اللعبة وشرحها، لا تقولوا هراء."(10)

 (جوزيه مورينيو في المؤتمر الصحفي عقب مباراة نيوكاسل)

 

المشكلة ليست بالضرورة في الحرية أو المسألة التكتيكية، فحقيقة أن أداء بوغبا شهد تراجعا كبيرا خلال تلك المباراة والمباريات السابقة لها هي أمر واضح للعيان، بعض المباريات كان بها خلل واضح في تكتيك مورينيو بل وشهد البعض الآخر تفوقا واضحا للخصم (توتنهام على وجه التحديد)، لكن بوغبا نفسه كان سيئا على المستوى الفردي والجماعي. كل ذلك بالتزامن مع حديث التقارير الصحفية عن رغبته في رفع راتبه احتجاجا على ضخامة راتب أليكسيس سانشيز(11)

 

سارت الأمور ناحية العودة ومحاولة إصلاح الخلل أمام هدرسفيلد مجددا، ولكن في الكأس تلك المرة، كان بوغبا في طريقه للتشكيل الأساسي حين أعلن فجأة عن مرضه، ليخرج من القائمة ويأتي سكوت مكتوميناي على حسابه، رجل امتدحه مورينيو بذم صفات الفرنسي الذي "لا يهتم بمرضه". ببساطة مورينيو لن يصدق هذا الأمر ولو شاهد بوغبا يحتضر.

 

مفترق الطرق


   

جوزيه يبقى جوزيه أينما ذهب، "أنا جوزيه مورينيو وأنا لا أتغير، أنا آتي بكل مميزاتي وعيوبي"(12) كما وصف نفسه في مايو/أيار 2010 بعد إعلانه مدربا لريال مدريد، رجل عنيد متشبث بأفكاره كما هي، ما قاده للمجد وما أطاح به من منصبه. هو يرى في أفكاره ومعتقداته التكتيكية ما سيجعله يقلب الأمور لصالحه بشكل أو بآخر، كما يرى في أسلوبه التربوي -أحد أبرز أسباب سقوطه- طريقة لحفظ النظام والشخصية. هو أيضا يكره هؤلاء اللاعبين المهتمين بقصات الشعر والسيارات، واحد من تلك الأمور التي دفعته ليتحدّى نفوذ رونالدو في مدريد، ما الذي سيوقفه أمام رجل كل ما يميزه أنه كان أغلى لاعب في العالم حتى الصيف الماضي؟

 

يحتمل الصراع الحالي ثلاث نهايات، الأولى أن يحل السلام قريبا وينصاع بوغبا لمدربه، على أمل أن يسترد مستواه وأن يوفر مورينيو ما يحتاج نجمه إليه على أرض الملعب. الثانية أن يستغل البرتغالي لاعبه الشاب مكتوميناي لإعادة إنتاج فاران، وتلك الحالة إما ستتضمن قتالا أكبر من بوغبا لاستعادة مركزه أو ستقودنا إلى الثالثة: نزاع لا رجعة فيه يضع إدارة مانشستر يونايتد أمام التضحية بأحدهما، اللاعب ذو الـ24 عام جالب الأرباح التسويقية الذي أُنفقت 120 مليون يورو لأجله قبل موسم ونصف، أو المدرب الذي يبعد الآن 16 نقطة عن متصدر البريميرليغ، والذي جدد تعاقده لعام 2020 قبل أقل من شهر(13).

 

ترك مورينيو لريال مدريد فاران ودييغو لوبيز، ترك لتشيلسي تشيك وعلى حسابه كورتوا، ولكن ماذا ترك الملكي والبلوز له؟ إقالتين تحت مسمى الاتفاق المشترك. هل يوجد ما يمنع إدارة مانشستر يونايتد من اتخاذ القرار ذاته؟ تجديد التعاقد ليس عائقا بتلك القوة إن كان الأمر يتعلق بإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فإدارة تشيلسي -رغم اختلاف الوضعين بطبيعة الحال- قد أقالت "الاستثنائي" في ديسمبر/كانون الأول 2015(14)، بعد أربعة أشهر من تجديد تعاقده لـ2019.(15)

 

في نهاية الأمر قد تصبح لمسة مورينيو على يونايتد هي إنقاذه من دوامة الفشل وإعادته إلى دوري أبطال أوروبا، إلى جانب تعاقداته المميزة مع لاعبين بحجم نيمانيا ماتيتش وروميلو لوكاكو وأليكسيس سانشيز وقبلهم جميعا بوغبا نفسه، ولكن نتيجة ما يحدث الآن قد تحدد ما إذا كان دور مورينيو سيقتصر على تمهيد الطريق لمدرب آخر، أم سيواصل التقدم بهم ويحسن موسمه الحالي على أمل تحقيق الأفضل في الموسم المقبل، بالمناسبة يتصادف أن يكون هذا "الموسم المقبل" هو الموسم الثالث لجوزيه مورينيو في مانشستر، والمتابع بآخر رحلتين تدريبيتين للرجل يعلم جيدا ماذا يعني "الموسم الثالث لجوزيه مورينيو".

   

  (مورينيو يضع إصبعه في عين تيتو فيلانوفا مدرب برشلونة المساعد آنذاك)

 

دارت عجلة الرجل في فريقيه السابقين على النحو التالي: موسم التحضير، موسم الدوري، موسم الانهيار. لسبب ما؛ يستحيل على مورينيو العمل؛ بل العيش خارج بيئة الصراع، بقدرة خرافية على افتعال العراك مع كل شيء يتحرك. فالمشهد العدائي الذي ساد الكلاسيكو في سنوات تواجده، وإصبعه الذي ضل طريقه إلى عين الراحل تيتو فيلانوفا، هو نفسه شجار غرفة الملابس الذي شهده ديربي مانشستر(16)، والأمر لا يتوقف عند اللاعبين ولا المدربين شأن فينغر وكلوب وغوارديولا وكونتي وغيرهم، فقد يكون ما احتك به مدير رياضي مثل خورخي فالدانو(17)، أو طبيبة الفريق إيفا كارنيرو (18)

 

أغلب تلك المسائل اعتدناها بعد فوز جوزيه بلقب الدوري، أغلب تلك الوقائع تصدرت مشاهد الموسم الثالث، بعد تحقيق الدوري والبدأ في التفرغ لممارسة هوايته في خلق الأجواء العدائية، تلك هي الفترة التي بلغت خلالها مشاكل غرف الملابس ذروتها، الأولى أطاحت به في نهاية الموسم، والثانية لم تمهله حتى سوق الانتقالات الشتوية. على الجانب المعاكس، وقائع يونايتد كلها تحدث الآن في الموسم الثاني. مورينيو يدرك جيدا استحالة الفوز بالدوري في الوقت الحالي، قد يكون هذا ما أوحى له بأن إعادة شحن الأجواء هي المخرج، وقد يكون هذا ما أتى بموسمه الثالث قبل أوانه.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


آخر الأخبار