انضم إلينا
اغلاق
تشلسي وبرشلونة.. نحو المزيد من الانتهازية

تشلسي وبرشلونة.. نحو المزيد من الانتهازية

أحمد أباظة

محرر رياضة
  • ض
  • ض

مباراة منحتنا الكثير مما نتوقعه دفاعيا، وكادت ألا تمنحنا أي شيء هجوميا. صراع تاريخي يتكرر في دوري أبطال أوروبا بين تشيلسي وبرشلونة، ينتهي ذهابه هذه المرة بالتعادل الإيجابي 1-1 في ستامفورد بريدج، ليتأجل حسم هوية رابع المتأهلين عمليا لدور الثمانية -بعد مانشستر سيتي وليفربول وبايرن ميونيخ- إلى مباراة الإياب في كامب نو.

 

أنتونيو كونتي مدرب تشيلسي، هو أحد البارعين في تطويع لاعبيه لأفكاره وفقا لجودتهم وحجم المنافس؛ من خلال منظومات ثلاثية الدفاع غالب الأحيان، سواء 3-4-3 التي استعادها، أو 3-5-2 التي يحبذها، في النهاية يمكن تخيل إلى أين قد تقودنا متوالية أفكاره. بينما العكس هو الصحيح المطلق مع إرنستو فالفيردي مدرب برشلونة، الذي وبعد كم التعديلات الذي أدخله على منظومة برشلونة، اضطر لإعادة إحياء أسوأ ما فيها.. الاستحواذ السلبي.

  

(تشكيل الفريقين وتقييم اللاعبين - هوسكورد)

   

لأن فالفيردي لا يريد أن يلعب

دخل كونتي المباراة بالرسم التكتيكي الذي أهداه لقب البريميرليغ الموسم الماضي، مستدعيا نصيحة مواطنه المخضرم كارلو أنشيلوتي بالدفاع أمام ميسي كفريق، ليتفادى السقوط في فخ مغالاة زين الدين زيدان مدرب ريال مدريد بالكلاسيكو الماضي؛ حين ألصق ماتيو كوفاسيتش بظل الأرجنتيني، ليكون الثمن تلقي شباكه أول الأهداف. نوَّع كونتي أيضا عمله الدفاعي -الذي أجاد فيه بقوة- بين فترات الشوط الأول، فلم يكن الجدار المرصوص في الثلث الأخير هو العنوان الدائم، إذ تخللته بضع دقائق من الضغط العالي تبعا للموقف.

 

على الجانب الآخر، واصل فالفيردي تمسكه بـ4-4-2 كما كان متوقعا، مع تعديلات مأساوية تنقل باولينيو إلى اليمين وتُعيد راكيتيتش إلى الدائرة، فلا هذا أجاد أدواره الهجومية والضاغطة المعهودة، ولا ذاك أفلح في واجباته الدفاعية، بل كاد الأخير يتعرض للطرد، ناهيك عن فشله في 4 تدخلات من أصل خمسة! إزاء التكتل الأزرق، بات توسيع رقعة الملعب ضرورة حتمية، أمر لن يوفره باولينيو على اليمين أبدا، لتبقى جبهة روبرتو بحاجة ماسة للمدد من ليونيل، حتى الجانب الآخر الذي يُفترض امتلاكه لمن يمكنهم التصرف بنفسهم (ألبا وإنييستا)، تطلب الأمر سحب سواريز إلى طرفهم أغلب الوقت.

   

(الخريطة الحرارية لميسي وسواريز: الأول يميل لجهة اليمين رغم تسجيله من الجهة المقابلة، والثاني تشاطر الخط عدة مرات مع ألبا وإنييستا - هوسكورد)

    

أجاد كونتي إدارة شقه الدفاعي، واعتمد في الجانب الهجومي على جودة تمرير فابريغاس وقدراته التي تؤهله لبناء المرتدة، من أمامه هازارد المهاجم الوهمي الذي قضى مباراته في استكشاف المساحة وراء بوسكيتس وأمام قلبي الدفاع، وعلى الأطراف ويليان نجم المباراة الأول، وبيدرو الذي خفت بريقه الهجومي بـ20 لمسة فقط طوال 83 دقيقة؛ صفر من التسديدات وتمريرة مفتاحية واحدة ومراوغة ناجحة من أصل اثنتين، فيما برع في أداء دوره الدفاعي بتدخلين ناجحين بنسبة 100% واعتراضين للكرة.

 

الأمر هنا لا يتعلق بكون ويليان أكثر مهارة وتنوعا في الحلول من زميله الإسباني قدر تعلقه بتوزيع اللعب على الجبهات ودعم الزملاء، فلم يحظ بيدرو بمساندة جيدة من ألونسو المُجبر على التراجع، بينما كان يمين برشلونة هو الجانب الأصلب دفاعيا؛ حيث نجح روبرتو في جميع تدخلاته الأربعة إلى جانب اعتراض واحد للكرة (ثالث أكثر لاعبي الملعب تحقيقا للتدخلات الصحيحة، والأفضل في برشلونة من حيث نسبة النجاح)، وعليه، لم تأتِ أي تسديدة من هذا الجانب على الإطلاق (64% بالعمق و36% من يمين تشيلسي- يسار برشلونة). أيضا، نال ويليان دعما عظيما في الشق الدفاعي من جانب فيكتور موسيس الذي وقف بقوة في وجه ميل برشلونة النسبي إلى اليسار بـ5 تدخلات ناجحة (100%)، الأمر الذي أكسبه مزيدا من الحرية ومواقع أفضل في الارتداد.

   

(الخريطة الحرارية لأطراف تشيلسي (يسارا) وبرشلونة (يمينا) الدفاعيين، تقدم كبير من أظهرة الدفاع الرباعي، يوازيه تراجع نسبي للأطراف المجاورة للدفاع الثلاثي - هوسكورد)

    

طغى التخبط على التمرير الأمامي لرباعي وسط برشلونة بشكل واضح، فيما قدم ميسي واحدة من أسوأ مبارياته إحصائيا على الإطلاق، بصرف النظر عن هدف ليس من السهل أن يخطئه بأي حال. ليو قدم تمريرته المفتاحية الوحيدة لباولينيو في هذا الشوط، وعلى قدر نجاحه في الحفاظ على الكرة وسط تكتلات البلوز، أكمل مراوغة وحيدة ناجحة من أصل 5، فيما كان أكثر اللاعبين فقدا للاستحواذ: 6 مرات، بفارق الضعف عن أقرب ملاحقيه ويليان وكانتي. ربما هي ضريبة الاضطرار للنزول إلى الوراء والابتعاد عن منطقة الجزاء إلا فيما ندر.

 

آلت الأمور في الجانب المعاكس إلى بعض اللمحات من هازارد، وبعض الانطلاقات الرائعة من ويليان والتي كللها بتسديدتين لم يحالفهما الحظ، ووقف القائمان في طريقهما، ليُسدَل الستار على 45 دقيقة من انتظار الخطأ هنا وهناك. نعلم جميعا أن إرنستو عادة لا يريد اللعب والمخاطرة بالشوط الأول، يعتمد على كثافة وسطه العددية في ضغط الخصم أو تعطيله تبعا لمجريات المباراة نفسها، قبل أن يقلب الطاولة في الشوط الثاني، ولكن هل كان الأمر هذه المرة يتوقف على خياره الشخصي؟

 

لأن فالفيردي لا يستطيع اللعب!

بالفعل بدأ برشلونة شوطه الثاني ضاغطا، ليُسرع وتيرة اللعب بعض الشيء في الدقائق الأولى قبل أن يسترد الاستحواذ السلبي مجده القديم. لا يمكن مقارنة وضع تلك المباراة بما سبقها عام 2012، حين كان برشلونة يُقدس امتلاك الكرة مع بيب غوارديولا، خذلته المرتدات وخانه الحظ إلا أنه كان دائما الطرف الأقوى والأكثر تهديدا، والقادر دائما وأبدا على صناعة الفرص. منذ 6 سنوات صنع برشلونة 19 فرصة للتسجيل ذهابا، منها 6 على المرمى، وخلق 17 إيابا منها 5 على المرمى،  بينما تأهل تشيلسي بـ4 تسديدات على المرمى من أصل 11 محاولة في مجموع المبارتين.

 

ربما هو نفس "الباص" من تشيلسي، ولكن ما تغير هنا هو الفريق الكتالوني الذي أنتج تلك المرة 7 محاولات (2 على المرمى) مقابل 11 (2 على المرمى أيضا) للبلوز، من أصل 1093 لمسة أمام 498، و901 تمريرة مقابل 333. النتيجة أن الفريق المستحوذ بنسبة 73% كان الأكثر إرسالا للكرات الطولية (مجبرا في العديد من المواقف) بـ66 تمريرة مقابل 57 للطرف الآخر الذي يلعب بوضوح على المرتدات.

       

(الخريطة الحرارية للفريقين إجمالا: المساحات الحمراء تملأ خريطة برشلونة في الثلث الأوسط وحدود الثلث الدفاعي للبلوز، نقطة حمراء واحدة يمكن إيجادها في خريطة تشيلسي، مشهد يفترض أن يعكس تفوقا كاسحا، ولكن الحقيقة ليست كذلك أبدا - هوسكورد)

   

بوسكيتس أخطأ مرتين تقريبا في المباراة؛ واحدة سمح فيها لويليان بالتسديد في القائم أول مرة، والثانية كانت لقطة الهدف التي لا يمكن إلقاء مسؤوليتها عليه بشكل فردي، لأنه لسبب ما تواجد 8 لاعبين من برشلونة ضد 5 من تشيلسي داخل المنطقة، بينما تهادت الكرة إلى البرازيلي وحيدا على حدود المنطقة، حماقة متكاملة الأركان إن كان الحديث هنا عن لاعب ضرب القائم مرتين بالفعل في الشوط الأول من خارج المنطقة، ليتم تركه هنا للمرة الثالثة دون أدنى شبهة تضييق.

   

(لحظة تسلم ويليان لكرة الهدف: 8 ضد 5 داخل المنطقة، ويليان حر طليق)

   

ما قدمه فالفيردي واللاعبون كان إخلالا صريحا بجوهر مدرسة الاستحواذ؛ التي هي في الأصل طريقة لحرمان الخصم من التهديد قدر المستطاع، مع مواصلة التمرير لخلخلة التكتلات انتظارا لتحرك خاطئ ينتج الثغرة. في النهاية، ظل فالفيردي يراقب عجز فريقه إلى أن تلقى الهدف أملا في تصرف ميسي، وفي النهاية كان كريستينسن من تصرَّف! أول تدخل لمدرب الفريق الكتالوني أتى بعد الهدف الأول للبلوز مباشرة، حين أيقن أنه لا مفر من توسيع تلك الرقعة الضيقة بأي ثمن، ليشرك أليكس فيدال على حساب عديم الفائدة باولينيو.

 

دارت الدوائر وحان وقت هفوة قاتلة على الطرف الآخر، تمريرة من كريستنسن تجتاز فابريغاس وتخطئ محاولة أزبيليكويتا اللحاق بها، تصل إلى إنييستا فيمررها إلى ميسي ليسجل أغلى هدف ممكن في هذا التوقيت فرديا وجماعيا. ليو لم يحطم عقدته الشخصية فقط، بل ربما أهدى فريقه بطاقة التأهل من ستامفورد بريدج، ففي ظل هذا الاستحواذ السلبي المقيت الذي أرانا إياه الكتلان، لا يصعب تخيل الوضعية في كامب نو حين يكون هو المُجبر على فك تكتل البلوز، الآن تبدَّلت المقاعد وصار تشيلسي هو المضطر للتسجيل في أراضي الإقليم الانفصالي.

 

نحو المزيد من الانتهازية

اختار كونتي أن يدخل المباراة من منظور الفريق الأضعف أو الأقل حظا، وهو خيار مفهوم للغاية نظرا لنتائج الفريقين الأخيرة وصلابة برشلونة الحالية، وإن كانت جودة عناصر تشيلسي تنافيه شكلا وموضوعا. لم تُغرِه الأميال التي تركها دفاع برشلونة وراءه -مجبرا- على اقتناصها والتقدم قليلا، ولم يكن عازما على ذلك بدليل تأخره في سحب بيدرو المُعطَّل وإقحام ألفارو موراتا كمحطة إلى الدقيقة 83، أي بعد هدف التعادل بـثمان دقائق. رأى المدرب الإيطالي أن المكاسب المحتملة لفكرة الهجوم لا تستحق المخاطرة بترك المساحة ولو لمرة واحدة أمام ميسي ورفاقه، وفي وجود لاعب بحجم ليونيل يمكن تفسير تلك الأمور.

 

على الجانب الآخر، مهما كانت التكتلات الدفاعية التي يواجهها فالفيردي طوال الموسم في الليغا، إلا أنه لا يوجد من يقاربها في المستوى والجودة باستثناء أتلتيكو مدريد الذي انتهت مباراته أمامه بالتعادل 1-1 أيضا. لم يكن استحواذ فالفيردي جاهزا لاختراق جدران تشيلسي على صعيد الاختيارات الأولى، وإن أفاده إشراك فيدال إلى حد ما، فهو لم يكن الحل الجذري للمشكلة، ففي النهاية فضَّل المدرب التزام الأخير بالخط وفتح طرف الملعب رغم وجود عثمان ديمبلي القادر على المساعدة من حيث المراوغات والحلول الفردية.

 

السؤال الآن ليس عن العمل الهجومي لبرشلونة، فمن الواضح مدى رداءته، بل هو عن عمل تشيلسي في هذا الشق على الجانب الموازي، ماذا قدَّم كونتي لفريقه من أجل الفوز؟ ويليان، لا شيء سوى ويليان، ماذا يمكن أن نقول لنبرر أحقية تشيلسي بالفوز؟ ويليان ضرب القائم مرتين. الصدارة بـ4 تمريرات مفتاحية، الصدارة بـ6 مراوغات ناجحة من أصل 8، كان البرازيلي هو كل شيء في هجوم الفريق اللندني. المشهد لا يعدو كونه انتهازية متبادلة من الطرفين؛ فالفيردي يستحوذ انتظارا لفرديات ليونيل، وكونتي يدافع انتظارا لفرديات ويليان أو هازارد، ولعل وعسى.. كرة ثابتة أو شيء كذلك، تسديدة رائعة من لاعب متألق، تمريرة خاطئة من مدافع تجتاز زميلين لتصل إلى الخصم على حدود المنطقة، سنرضى بأي شيء يكافئنا به القدر!

  

(تسديدات الفريقين: تشيلسي (يمينا باللون البرتقالي) بـ3 تسديدات فقط من داخل المنطقة، تسديدتين لويليان وموسيس تم اعتراضهما، بينما أتت الثالثة من ركنية حولها روديغير إلى جوار القائم. على الجانب الأيسر برشلونة (باللون الأزرق) قد نجح في إطلاق 5 تسديدات من داخل منطقة تشيلسي المحصنة بكل تلك التكتلات الدفاعية - هوسكورد)

    

لو كان هناك ما تفوق به كونتي على فالفيردي فهو قوة بنيانه الدفاعي ونجاحه في تحفيز لاعبيه وتحضيرهم ذهنيا للمواجهة، فيما عدا ذلك، لم تكن مباراته الهجومية سوى لاعب واحد نجح بمهارات فردية بحتة في تهديد مرمى الخصم ثلاث مرات من خارج منطقة الجزاء، لتسكن واحدة من تسديداته الشباك بعد خطأ دفاعي جماعي كارثي، وإن كان الحديث هنا عن برشلونة الذي لم يسجل سوى من خطأ الدفاع هو الآخر. سيكون من الممتع مشاهدة هذا الثنائي الانتهازي يتبادل مواقعه في الإياب، حيث لا غنى لأنتونيو عن التسجيل في شباك إرنستو، الذي لن يجد بدوره أدنى غضاضة في اللعب لأجل التعادل السلبي.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار