انضم إلينا
اغلاق
ديوكوفيتش وويليامز وديل بوترو.. أبطال خارقون في صحراء كاليفورنيا

ديوكوفيتش وويليامز وديل بوترو.. أبطال خارقون في صحراء كاليفورنيا

طه محمد

محرر رياضة
  • ض
  • ض

لا يبدو أن الأمر يحتاج أي قوة خارقة، فكل ما عليك فعله، في نهاية المطاف، هو أن تلعب الكرة بالمضرب لارتفاع لا يقل عن 91 سنتيمترا ونصف، وفي مساحة تبلغ 97.85 متر مربع هي إجمالي ملعب المنافس(1)، لكن الأمر ليس بهذه البساطة، فعدم تجاوز الكرة أبعاد الملعب هي قمة الجبل الجليدي التي تطفو على السطح، النتيجة النهائية لعمليات معقدة تتضمن الكثير من المتغيرات التي يجب عليك التعامل معها بصورة شبة آنية على النحو الأمثل للوصول إلى هذه النتيجة البسيطة.

 

الاحتمالات لا محدودة، فقد تحتك كرة المنافس بالطرف العلوي من الشبكة في نقطة فاصلة لتغير اتجاهها، في أفضل الأحوال، أو تسلبها إرادة المنافس لتسقط بالقرب من الشبكة بصورة تجعل العالم يتوقف للحظات ويظل مقصورا على الكرة التي تسقط ببطء شديد رغم أن ذلك يحدث في أجزاء من الثانية، تماما كما يحدث في مشهد سقوط الشاحنة البيضاء من أعلى الجسر في فيلم "انسيبشن".

 

خلال اللحظات التي تستغرقها الكرة في السقوط والارتداد يكون هناك زخم من الأحداث، فعليك إعادة ترتيب أوراقك ووضع تصور جديد لمجريات النقطة لتكون متقدما على منافسك بخطوة، تماما كما يحدث في أفلام الجاسوسية، الفارق الأهم هو أنك تقوم بكل هذا بينما تركض بسرعة أو تقوم بتعديل وضعية جسدك للتعامل مع المعطيات الجديدة مع رفع النظر في جزء من الثانية لتحديد تمركز المنافس، وهو ما قد يرغمك على تغيير كل ما سبق، ناهيك عن التغيرات الخططية المستمرة التي ينتهجها المنافس ليحتفظ دائما بالسلاح الأهم في لعبة التنس: عنصر المفاجأة.

 

الأمر لا يتعلق بالمنافس فحسب، فقد لا تتعدى هذه المتغيرات حيزك الشخصي، كأن تخذلك قدماك المثقلتان بالأمتار التي ركضتها، أو يتعذر على ذراعيك تلبية أوامرك بدقة بعدما خارت قواها، أو ببساطة يخونك مضربك على نحو مثير للسخرية كما حدث مع البلغاري "جريجور ديميتروف" خلال مباراته ببطولة إنديان ويلز المقامة في صحراء كاليفورنيا لتتابع الكرة بشيء من الحسرة.

   

   

في المقابل، فإن حركة واحدة من يدك كفيلة بأن تُثير جنون الآلاف الذين جاءوا من كل حدب وصوب لمتابعة أقل إيماءة تقوم بها ليهتفوا باسمك بصوت كفيل بأن يطلق ألسنة الحماس في عروقك، التي قد تدفعك في الكثير من الأحيان إلى القيام بأمور شبه مستحيلة.

 

ثور

ولكن ماذا لو أن نفس هذه اليد التي اعتادت أن تختطف الآهات من حناجر المتابعين إعجابا بتلك الضربات القوية واللمسات الفنية، باتت تنتزع الأنّات من بين ضلوعك، أسير أوتار معصم يده اليسرى، ظل الأرجنتيني "خوان مارتن ديل بوترو" بين مطرقة المنافسين وسندان مشارط الأطباء الذين لم يجدوا بُدًّا من إجراء عدة عمليات جراحية في محاولة لمداواة الآلام التي يشعر بها اللاعب العملاق الذي يقارب طوله المترين (2)، صحيح أن "ديل بوترو" أيمن، ولكنه يستخدم كلتا يديه في الضربة الخلفية، وبدونها يصبح أشبه بعصفور مكسور الجناح في عالم الاحتراف الذي يحكمه قانون الغاب الأكثر بدائية، مؤطرا بالطبع بالقواعد والروح الرياضية، ولكن يظل البقاء في نهاية المطاف للأقوى.

 

والحديث عن القوة هنا لا يقتصر على الجانب البدني، وإنما النفسي والذهني، فدائما ما يكون ترك المعركة هو الخيار الأقرب في أكثر اللحظات الحالكة عندما تشعر أنك بدأت تستسلم من الداخل، تفقد أي رغبة في القتال حتى وإن كنت قاب قوسين أو أدنى من الانتصار، فببساطة استنزف اليأس قواك على الاحتمال، ولكن هذا ليس من شيم الأبطال.

 

كشف "ديل بوترو" في أكثر من مناسبة أنه كان على شفا إنهاء مسيرته الرياضية بعد محاولات غير مرضية للعودة إلى الملاعب، أو بعبارة أدق العودة إلى سابق عهده داخل الملاعب، ولكنه تحسس طريق الرجوع الذي لم يكن معبدا، ولكنه كان موجودا، دائما ما كان، بعدما أن كانت مسيرته على وشك الانتهاء، تمكن "ديل بوترو" من الفوز بالفضية في أولمبياد ريو دي جانيرو، بفضل أداء قوي مكنه من التغلب على لاعبين بحجم الصربي "نوفاك ديوكوفيتش" في الدور الأول، والإسباني "رفائيل نادال" في الدور قبل النهائي (3).

   

الاعب الأرجنتيني خوان مارتن ديل بوترو (رويترز)

   

الخسارة في أربع مجموعات في المباراة النهائية أمام البريطاني "آندي موراي" بعد يوم واحد من المعركة الشرسة أمام "نادال" ليس بالنتيجة السيئة خاصة بالنسبة للاعب كادت الإصابة أن تُنهي مسيرته قبلها بأشهر.

 

تواصل بعد النجاح الأولمبي تذبذب المستوى كما كان الحال قبله، ولكن على الأقل دون مزيد من العمليات الجراحية، وهو في حد ذاته نبأ جيد بالنسبة للاعب الأرجنتيني وعشاقه على حد سواء، ولكنه ليس كافيا لكليهما، خاصة وأن "ديل بوترو" يمتلك من المهارات ما يمكنه من الفوز بألقاب كبرى مثلما حدث في 2009 عندما فاز ببطولة أميركا المفتوحة (4).

 

على المسرح نفسه في "فلاشينج ميدوز" ولكن بعد ثماني سنوات، بدا أن اللاعب الأرجنتيني قد استعاد بريقه ليهزم السويسري "روجر فيدرر" في مباراة ملحمية من أربع مجموعات في الدور ربع النهائي، لكن شبحها لازمه في مواجهة "نادال" في نصف النهائي، إذ بدا خائر القوى ليتلاعب به اللاعب الإسباني ويمضي الأخير في طريقه لحصد اللقب (5).

 

ربما كانت هزيمة ثقيلة معنويا بالنسبة لجماهير "ديل بوترو" الذي بدا في أغلب فترات المباراة أشبه بغول جريح مقيد، لكنه قدم خلال البطولة أداء قويا، خاصة وأن ضربته الأمامية "فورهاند" استعادت بريقها بصورة دفعت الجماهير إلى مقارنتها بمطرقة "ثور" البطل الخارق الأسطوري الذي يجسد شخصيته كريس هيمسوورث.

 

لم يفوّت هيمسوورث الفرصة، ونشر مقطعا مصورا عبر "إنستجرام" يقول فيه مازحا إنه فقد مطرقته ولكنه لا يمانع في أن يستردها من اللاعب الأرجنتيني بعد البطولة، وذلك في ترويج لأحدث أجزاء السلسلة الشهيرة التي تحمل اسم البطل.

    

  

ولكن يبدو أن "ديل بوترو" توصل إلى تسوية ما مع الممثل الأسترالي، إذ إن ضرباته الأمامية القوية استمرت في بطولة إنديان ويلز أولى بطولات الأساتذة لهذا الموسم، لتحلق به كما تفعل مطرقة ثور إلى النهائي، حيث وجد نفسه وجها لوجه أمام "فيدرر" حامل اللقب والمصنف الأول عالميا، والذي تغلب على الأرجنتيني في المواجهتين التاليتين لموقعة أميركا المفتوحة.

 

بدا "ديل بوترو" أنه في طريقه لتغيير هذا الواقع عندما فاز بالمجموعة الأولى، عاد "فيدرر" ليؤكد أنه ليس لقمة سائغة ودفع بالمباراة إلى مجموعة حاسمة حصل فيها على ثلاث نقاط لحسم اللقاء، ولكن شجاعة "ثور" ملاعب التنس إضافة إلى سوء حظ اللاعب السويسري أطالتا عمر المواجهة لعدة أشواط أخرى تمكن بعدها اللاعب الأرجنتيني من الفوز بأول ألقابه في بطولات الأساتذة (6).

 

سوبر ماما

قد لا يكون للأبطال الخارقين وجود على أرض الواقع، على الأقل بصورتهم السينمائية وأزيائهم الغريبة وقدراتهم التي تتخطى الحدود البشرية التي وصل علمنا لإدراكها، ولكن هناك نخبة من البشر الذين تمكنوا من إيجاد الحلقة المفقودة التي ربما تساعد يوما ما في الوصول إلى هذه القوى الخارقة، وبالتأكيد تنتمي الأميركية "سيرينا وليامز" إلى الفئة التي أوجدت هذه الحلقة المفقودة التي يأمل معتنقو نظرية التطور في أن تكون أولى مراحل الوصول بقدرات البعض إلى الأبطال الخارقين، فقد تخطت صعابا عديدة بينها مشكلة صحية كادت ليس فقط أن تكتب كلمة النهاية في مسيرتها وإنما أن تُنهي حياتها.

 

الفوز بثلاثة وعشرين لقبا في البطولات الأربع الكبرى يبدو في حد ذاته أشبه بالمستحيل في عصر الاحتراف، فما بالك بأن تفوز بآخر تلك الألقاب وهي حبلى؟ (7) الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، بل إن اللاعبة الأميركية عادت للملاعب في بطولة مبادلة الاستعراضية التي أقيمت في أبو ظبي في ديسمبر/كانون الأول الماضي، أي بعد ثلاثة أشهر فقط من ولادة ابنتها "أليكسيس أوليمبيا أوهانيان جونيور" (8).

    

لاعبة التنس الأميركية سيرينا ويليمز (رويترز)

  

رغم أن الطفلة ولدت دون مشكلات، فإن تلك الفترة لم تخل من تعقيدات، إذ إن "سيرينا" استشعرت بقواها "الخارقة" أن أعراض مشكلة تجلط الدم في الرئة التي كادت تودي بحياتها قبل سنوات تجددت أثناء وجودها بالمستشفى بعد ولادة ابنتها، وفي ظل دهشة طاقم التمريض طلبت اللاعبة الأميركية إجراء فحوصات كشفت بالفعل عن بوادر عودة المشكلة إلى السطح من جديد. بعد ثلاثة أشهر فقط من كل هذا، عادت إلى ملاعب التنس (9).

 

حقيقي أن "سيرينا" خسرت أمام اللاتفية يلينا أوستابينكو ذات العشرين ربيعا الفائزة بلقب بطولة فرنسا المفتوحة 2017، ولكن هذا لا يقلل من روعة الزمن القياسي الذي عادت فيه إلى الملاعب، حتى وإن أدركت اللاعبة الأميركية، هي قبل عشاقها، أنها ليست جاهزة للمنافسة على الألقاب (10).

 

قررت النسخة النسائية من "كابتن أميركا" العودة إلى منافسات رابطة لاعبات التنس المحترفات من بوابة إنديان ويلز، لتتخطى مباراتيها الأوليين بصعوبة متوقعة نظرا لابتعادها عن المعترك منذ فوزها ببطولة أستراليا المفتوحة 2017، باستثناء ظهورها في أبو ظبي، ولقاء زوجي خاضته في بطولة كأس الاتحاد.

 

خسرت "سيرينا" في الدور الثالث على يد شقيقتها "فينوس" وذهب اللقب إلى اليابانية "ناعومي أوساكا" (11)، لكنها لم تخرج خالية الوفاض، إذ إنها حصلت على لقب "أعظم أم على مر العصور"، أو على الأقل هكذا يرى زوجها "أليكس أوهانيان" الذي وضع ملصقات ضخمة في طريق بالم سبرينجز السريع لتراها وهي في طريقها إلى كاليفورنيا.

     

     

إعصار في مهب الريح

قد يكون الفوز بلقب أو اثنين أو حتى ثلاثة من قبيل المصادفة، ولكن أن تهيمن على مجريات رياضة بأكملها لأكثر من أربع سنوات في ظل منافسة قوية من منافسين بحجم "نادال" و"موراي" و"فافرينكا"، فإن هذا يتطلب قوة خارقة.

 

منذ 2011، بدا "ديوكوفيتش" أشبه بالإعصار الذي يكتسح المنافسين بطولة تلو الأخرى، ليرفع رصيده من البطولات الكبرى إلى 12 لقبا، دون أن يستعصي عليه سوى لقب بطولة فرنسا المفتوحة، الذي كان مشجعوه يتمنون الفوز به ليكمل عقد البطولات الكبرى (12).

 

ولكن كما يقول المثل الإنجليزي: "احترس مما تتمناه"، فقد فاز "ديوكوفيتش" أخيرا باللقب في عام 2016، ليصبح ليس فقط تتمة عقد البطولات الكبرى وإنما آخرها، لتبدأ بعدها مرحلة غير مفهومة من السقوط الحر، قد تكون إصابة المرفق، التي أبعدته عن المنافسات منذ منتصف الموسم الماضي، جزءا من أسبابها، ولكنها ليست الصورة بأكملها.

 

مع عودته إلى المنافسات، وكما يحدث في أفلام الخيال العلمي، وجد "ديوكوفيتش" نفسه أمام نسخة مصغرة منه، هو الكوري الجنوبي "هيون تشانج"، الذي يتحلى بالمرونة والقدرة على التحول بسهولة من أصعب الأوضاع الدفاعية إلى الهجوم، وهو ما ميز اللاعب الصربي ليتذوق من الكأس التي تجرع منها منافسوه وينتهي مشواره في البطولة في الدور الرابع (13).

 

بدا أن "ديوكوفيتش" بات في مهب الريح عندما سقط في صحراء كاليفورنيا أمام آسيوي آخر، هذه المرة الياباني تارو دانيل في الدور الثاني ببطولة إنديان ويلز، لتتجه الأنظار إلى ميامي (14)، حيث يأمل مشجعوه في أن يعود هذا البطل الخارق الذي فشل في أن يستعيد روحه في صحراء كاليفورنيا.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار