انضم إلينا
اغلاق
عن رابح ماجر ونجوم قديمة في سماء أفريقيا

عن رابح ماجر ونجوم قديمة في سماء أفريقيا

أحمد مجدي رجب

محرر رياضة
  • ض
  • ض
قبل بدء موسم 2010 ظهرت دراسة [1] إحصائية من جامعتين في سويسرا حول خروج اللاعبين الأفارقة للاحتراف في أوروبا. كان عدد هؤلاء اللاعبين هو 571 لاعبا، يمثلون ألوان 528 ناديا بدوريات الدرجة الأولى في 33 بلدا من أعضاء الاتحاد الأوروبي لكرة القدم. بمعدل 1.08 لاعب لكل نادٍ. ترتفع هذه النسبة في فرنسا إلى 3.4 لاعب، وفي بلجيكا إلى 3.3 لاعب.

        

يمثل اللاعبون اللاتينيون نحو 23% من لاعبي الكرة المحترفين خارج الديار في القارة العجوز، بينما تبلغ نسبة اللاعبين الأفارقة نحو 14%. والفارق هو متوسط أعمار اللاعبين عند الخروج للاحتراف. فيبلغ المتوسط في أميركا اللاتينية 22 سنة، وينخفض في حالة أفريقيا إلى 19.4 سنة!

   

هذه الأرقام تخبر بوضوح أن أفريقيا لم تعد القارة المجهولة المظلمة، وتخبر أن دور كشافي النجوم في الدوريات المحلية تعاظم خلال السنوات الأخيرة. لكن الجانب المظلم للأمر يتمثل في تراجع الدور الذي تلعبه المنتخبات المحلية في تطور اللاعبين، وبات من المعتاد أن يتهرب[2] بعض اللاعبين من تمثيل هذه المنتخبات، وإعطاء الأولوية لأنديتهم الأوروبية. وهذا نقيض لما كان عليه الوضع في الماضي.

   

في الماضي كان التألق المحلي هو تذكرة الأفارقة من أجل الاحتراف، وهو ما كان سببا في زيادة أهمية بطولة أمم أفريقيا كفرصة تُشاهد فيها مواهب القارة السمراء. وهو ما يستدعي من الذاكرة عددا من الأسماء المهمة في تاريخ هذه القارة. أسماء كان ارتباط المشجعين المحليين بها أكبر، وربما تبقى سيرتهم على الألسنة لفترة أطول. 

     

لوران بوكو


  

بوكو من عينة الرجال[3] الممدوحين أينما حلّوا. فقد بدأ اهتمام أسيك ميموزا العاجي باللاعب وهو في سن العاشرة من عمره، لكن ظروف عمل والده وانتقاله أهدت الموهبة الناشئة إلى نادٍ محلي بمدينة اسمها بواكي، وفي عمر 16 أصبح المهاجم الرئيسي لهم. وفي عمر 19 انتقل إلى أسيك.

 

ولم يتأخر ظهوره الأفريقي كثيرا، ففي عمر 21 قاد منتخب الأفيال في بطولة أمم أفريقيا 68 بإثيوبيا وفاز بلقب هداف البطولة بـ 6 أهداف. وبعد عامين كرر الإنجاز وأحرز لقب هداف أمم 70 في السودان عقب إحرازه 8 أهداف، منهم 5 في مباراة واحدة ضد إثيوبيا في إنجاز لم يتكرر في المونديال الأفريقي إلى الآن. وظل رقم الـ 14 هدفا صامدا كرقم كقياسي للبطولة لقرابة أربعين عاما، إلى أن تجاوزه صامويل إيتو في أمم أفريقيا 2008. لكن بقي لقب بوكو: "رجل أسمارا" نسبة إلى المدينة الإثيوبية.

     

   

في عام 1973 قرر نادي ستاد رينى الفرنسي استقدام اللاعب العاجي، ولعب بألوانه 63 مباراة أحرز فيهم 44 هدفا، ليكون واحدا من أقدم وأنجح المحترفين السُمر في أوروبا. وانتقل إلى نادي نانس بعد ذلك ليزامل ميشيل بلاتيني في هجوم الفريق، وعندما شاهده بيليه وصفه[4] بخليفته! وأن الخطأ الوحيد فيه أنه ليس برازيليا.

   

والآن، بعد مرور سنوات، وبعد أن عاد بوكو ليُنهي مسيرته في أسيك، وبعد وفاته، يرى الزائر لمقر النادي بالعاصمة أبيدجان تلك اللافتة الكبيرة التي تحمل الحروف P-O-K-O-U تخليدا لذكرى ذلك العظيم الذي خرج من أفريقيا ثم عاد إليها.

 

كريم عبد الرزاق

في عام 2007 صدرت قائمة عن الاتحاد الأفريقي لكرة القدم تضم أهم 30 لاعبا أفريقيا في نصف القرن الأخير، ومن هؤلاء كان كريم عبد الرزاق، الغاني الذي تعرفه الملاعب العربية جيدا. وقبل هذا التاريخ نحو 30 عاما استحق[5] كريم عبد الرزاق لقب الـ "جولدين بوي"!

      

   

وُلد اللاعب الغاني عام 1956 في مدينة كواسي بغانا، والتحق بمدرسة ابتدائية أسوة بأخيه، لكن موهبته الواضحة في كرة القدم دفعت أحد الأندية المحلية، كوماسي كورنرستونز، إلى التعاقد معه وهو في سن 16 عاما. واللافِت هنا أن عبد الرزاق لم يكن أحد هؤلاء المهاجمين الذين تخطفهم العيون في سن مبكرة، بل كان لاعب منتصف ميدان، قادرا منذ نشأته على التأثير في إيقاع الملعب.

   

بعد ثلاثة أعوام انتقل إلى العملاق الغاني أشانتي كوتوكو، واشترك بصورة بديلة في صفوف الفِرَق إلى أن جاء ظهوره سنة 1978 في مساعدة فريقه بحصد لقب كأس غانا، ثم جاء الوصول إلى دور الثمانية ببطولة كأس أبطال أفريقيا للأندية.

    

في أمم أفريقيا 1970 المقامة بغانا، نجح كريم في تعديل النتيجة والخروج بالفوز للبلاك ستارز في مناسبتين: أولا أمام زامبيا في مرحلة المجموعات، ثم أمام تونس بعد التأخر بنتيجة 1-0. ووصفت الصحافة هدف الفوز أمام تونس بـ "الهدف الذهبي"، واستحق هو لقب الجولدن بوي خاصة بعدما قاد غانا إلى حصد اللقب الأفريقي أمام أوغندا في النهائي. وفي نهاية السنة، حصل على لقب أفضل لاعب في أفريقيا.

 

في عام 1979 انتقل اللاعب إلى نادي نيويورك كوزموس الأميركي، وزامل عظماء مثل البرازيلي كارلوس ألبرتو والقيصر الألماني فرانز بيكنباور. وصار ضمن زمرة نجوم دوري أميركا الشمالية حينها، والذي ضمّ لاعبين من عينة بيليه ويوهان كرويف.

    

    

عاد كريم إلى كوتوكو مرة أخرى في بداية الثمانينيات، وحقق معهم لقب الدوري ثم قادهم نحو نهائي دوري الأبطال 1982، لكن الجيل الذهبي للنادي الأهلي المصري حينها حرم اللاعب من لقبه الأفريقي الأول مع الفريق الغاني. لكن بعد عام واحد، انتقل صاحب الكرة الذهبية الأفريقية إلى نادي المقاولين العرب المصري، وصار ضمن مجموعة المدرب مايكل أيفرت التي تجاوزت[6] الأهلي والزمالك، وفازت بالدوري الأول والوحيد في تاريخ المقاولين.

  

اعتزل كريم عبد الرزاق في نادي أفريكا سبورت الإيفواري، وختم حياة كروية شديدة التنوع؛ فاز فيها بالدوري الغاني والأميركي والمصري والإيفواري وكأس الكؤوس الأفريقية، وقاد فيها منتخب بلاده في 70 مباراة أحرز فيهم 25 هدفا. لكن الوصف الأهم لذلك اللاعب كان: إنه لاعب يمتلك القدرة على قراءة المباراة واستيعابها، وقدرته على التحكم التام بالكرة تجعله يستطيع منح زملائه العاديين في الفريق أداء أفضل يقترب من العظمة، وهذه هي موهبته النادرة.

 

رابح ماجر

مصطفى رابح ماجر هو واحد من الأمثلة[7] التي كان تألقها المحلي هو الطريق نحو أن يُصنّف كواحد من أهم مهاجمي العالم بفترة الثمانينيات، وأفضل لاعب جزائري في القرن العشرين على الإطلاق.

   

كان رابح هو أحد هؤلاء الناشئين الذين بدأت مسيرتهم مع كرة القدم في الشارع، وصار واحدا من نجوم دورات الأطفال في شوارع حي "حسين داي" بالجزائر، وارتبطت نشأته كلاعب بالمدرب عبد القادر بلامين، ومعه انتقل من أحد الأندية المحلية إلى نادي النصر حين داي الشهير. وحتى تلك اللحظة كان اللاعب يشارك في مركز قلب الدفاع، إلى أن اقترح المدرب مانيلا الدفع به كرأس حربة في مباراة الفريق ضد اتحاد الحراش، وقَبِل رابح الهدية بإحرازه ثنائية في تلك المباراة، أمّنت له مركز رأس الحربة في بقية مسيرته بالملاعب.

     

  

بعد أن استطاع اللاعب الوصول إلى نهائي كأس الكؤوس الأفريقية سنة 1978 والفوز بالكأس المحلية مع النصر في عام 1979، تلقى الاستدعاء الأول لتمثيل ألوان محاربي الصحراء. وجاءت بدايته الحقيقية في كأس أمم أفريقيا 1980 بنيجيريا، واستطاع منتخب الخضراء أن يصل إلى المباراة النهائية رغم غياب استمر 10 سنوات عن المونديال الأفريقي. وبات واضحا أن منتخب الجزائر يمتلك جيلا فريدا من اللاعبين، منهم الأخضر بلومي وعلي فيرجاني وصلاح أسعد وبالطبع رابح ماجر. وأكد هذا الجيل كفاءته بالوصول إلى دور ربع النهائي بدورة الألعاب الأوليمبية بموسكو 1980.

 

في كأس العالم 1982 بإسبانيا، أذهلت الجزائر العالم بالفوز 2-1 على ألمانيا الغربية، وكان هدف الافتتاح لرابح ماجر، وكادت الخضراء أن تتأهل للدور الثاني، لكنها خرجت بفارق الأهداف، بعد التواطؤ[8] المخجل بين النمسا وألمانيا الغربية على التعادل! لكن ذلك الجيل قد نجح في التأهل مرة ثانية على التوالي في كأس العالم 1986، وكان أول منتخب أفريقي ينجح في ذلك.

 

عقب كأس العالم 82 تلقى رابع ماجر عرض الاحتراف الأول وكان من "PSG"، لكن تجربة الاحتراف الأولى كانت لنادي راسينج باريس الفرنسي، إذ أهلته أهداف ماجر الـ 21 للصعود إلى دوري الدرجة الأولى، وأهله ذلك الموسم للانتقال إلى بورتو البرتغالي عام 1985.

    

  

لعب ماجر مع الفريق البرتغالي 108 مباراة، أحرز فيهم 50 هدفا، وصعد معهم إلى نهائي دوري الأبطال للمرة الأولى في تاريخهم موسم 1987 أمام بايرن ميونخ، واستطاع إحراز هدف التعادل للفريق قبل أن يفوزوا متأخرين في تلك المباراة ويحرزون الكأس الأوروبية الأولى في تاريخهم، ويحقق هو لقب هداف البطولة. وبعد أشهر قليلة أحرز هدف الفوز في نهائي كأس العالم للأندية في نسخته القديمة أمام بطل أميركا اللاتينية الأورغواياني، وفي موسم 90 أحرز[9] ماجر 14 هدفا للفريق مساعدا إياهم في التتويج مرة أخرى بالدوري المحلي.

 

وفي أمم أفريقيا 1990 استطاع ماجر قيادة منتخب بلاده إلى تحقيق اللقب الأفريقي الأول والوحيد لهم حتى الآن، فكان ذلك خير ختام له كلاعب عظيم في تاريخ الجزائر. وعندما اعتزل كرة القدم في 1992 كان أفضل الهدافين في تاريخ بلاده بـ 28 هدفا في 86 مباراة، وانتقل بعدها مباشرة إلى تدريب المنتخب، ليبدأ رحلة جديدة في كرة القدم الأفريقية.

 

هذه أمثلة ثلاثة لما كان عليه الحال في الماضي، عندما كانت المنتخبات الأفريقية هي البوابة نحو أوروبا، قبل أن يتغير الوضع وتصير أفريقيا بمنزلة العبء على بعض نجومها المتألقين في دورياتهم الكبرى. وهذه الأمثلة ليست الوحيدة، والبحث عن أمثلة أخرى مثيرة للإعجاب سوف يستمر.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


آخر الأخبار