انضم إلينا
اغلاق
أن تلعب وأنت تضحك.. رحلة في عقل رونالدينيو غاوتشو

أن تلعب وأنت تضحك.. رحلة في عقل رونالدينيو غاوتشو

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

هناك واقعتان فقط مسجلتان في التاريخ لم يضحك فيهما رونالدينيو؛ الأولى عندما رأى دموع الإنجليزي ديفيد سيمان عقب أن أخرج منتخبه من مونديال 2002، (1) بتلك التسديدة التي لم يتأكد أحد حتى اللحظة إن كانت متعمدة أم لا، والثانية مع تسديدة مشابهة عندما كان يلعب لأتليتكو مينييرو، سجلها وانهار في نوبة من البكاء حزنًا على والد زوجته الذي توفي إثر أزمة قلبية داهمته قبلها بأيام، (2) ربما لذلك ستجد صعوبة في العثور على أي صورة غير ضاحكة لرونالدينيو على الإنترنت، وستجد بدلًا منها لقطته الكوميدية وهو يضحك بعد تلقيه بطاقة ميلان الحمراء الشهيرة.

 

يقول سِيد لو، الصحفي الإنكليزي المتخصص في شئون الليغا ومراسل الغارديان في مدريد منذ 2001، أنه عايش مجيء رونالدينيو إلى برشلونة لحظة بلحظة. كانت شخصيته وطباعه هي ما أوحى للكتلان بفكرة بارسا تونز Barca Toons؛ تجسيد لاعبي النادي على هيئة شخصيات كارتونية وإنتاج حلقات لعرضها على جماهير الكرة في العالم، وفي القلب منها الشخصية التي قال عنها رونالدينيو إنها تعبر عنه بدقة ودون مبالغة؛ "روني" الذي لا يكف عن الضحك أبدًا ولا يردد إلا كلمة واحدة مهما كانت المناسبة..Fiesta!..حفلة! (3)

 

"38 عامًا ولم أفهمكم بعد.. رأسي خفيف لا يتحمل أثقال إحصاءاتكم وحساباتكم وتِركة التاريخ"

 

فييستا!

هي فعلًا تعبر عنه بدقة ودون مبالغة، لا أدل على ذلك سوى أن الحفلات كانت هي ما قضى على مسيرته في النهاية، وهي ما كاد يقضي عليها قبل أن تبدأ عندما كان في باريس، (4) وهي أكثر ما جعل الناس لا يتعاملون مع مسيرته بالجدية الكافية. الجميع يتحدث عن رونالدينيو الذي أحبه الجميع، ولكن هذا لا يعني أن الرجل لم يخض حروبًا في حياته، فقط خاضها وهو يضحك.

  

  

كيف تحارب شخصية كارتونية؟ الأمر مستحيل عمليًا. سِيد لو يستمر في روايته عن المعركة الأولى في حياة غاوتشو الاحترافية؛ الواقعة التي يعلمها الجميع عندما أخبره أحد مسئولي ريال مدريد أن رونالدينيو "أكثر قبحًا من أن ينضم للغالاكتيكوس"، (3) وأن التعاقد معه سيوجه ضربة قاصمة لمبيعات النادي وأرباحه، ولهذا كله بدا انضمام بيكام أكثر واقعية وقتها، وهي نفس المعركة التي فاز  بها رونالدينيو باكتساح بعد أن أقام برشلونة حملة دعائية ترتكز بالكامل على فكرة اللعبة الجميلة Jogo Bonito التي يقدمها الساحر البرازيلي الجديد، وتحول معها إلى أيقونة لكتالونيا وفلسفتها في الكرة حول العالم.

 

"38 عامًا ولم أفهم خططكم وتعقيداتكم التكتيكية.. هل أبدو كرجل يضع خطة لأي شيء؟"

 

جوغو بونيتو وبارسا تونز  وفييستا، من يستطيع الوقوف أمام كل ذلك؟ أنت لا تستطيع قتل شخصيات الكارتون، لا تستطيع إعلان الحرب على البهجة لأنها "أكثر قبحًا مما يجب"، وإن فعلت فستخسر تلك الحرب قبل أن تبدأ، وبأقل مجهود ممكن ودون عناء يذكر، لأنها مازالت أحد الأجزاء التي لم تتغير في فطرة البشر؛ استجابتهم العفوية للسعادة المُعدية والضحكات التلقائية تحت أي ظرف، ومهما كان قبحها في نظر البعض، وأيًا كان معنى تلك الجملة اللعينة والمقصود منها.

 

دينيو لم يفز بالمعركة لأنه كان أمهر من رأيناهم، في الواقع كل الحركات التي أداها في مسيرته لم تكن من ابتكاره أصلًا وبقليل من البحث على اليوتيوب ستكتشف أن روماريو ورونالدو دي ليما قد أدوها من قبله بنفس المهارة، وربما لو كان هناك يوتيوب في أيام غارينشا لاكتشفنا غيرها. دينيو فاز بالمعركة بسبب الشعور الذي كان ينتابنا ونحن نشاهده، المرح والفرحة والحرية. تعبيرات طفولية للغاية ولكن لا أنسب منها لشخصية كارتونية تمثل كرة القدم في أبسط وأمتع صورها، بعد أن تخلصت من كل ما علق بها من شوائب عبر المئة عام الأولى وتحللت إلى أبسط مكوناتها، إلى مادتها الخام.

 

"أشير بالإيجاب في المران وأهز رأسي كلما وجه أحدهم ملحوظة ما، أسمع لكني لا أصغي، لا أعي. أهز رأسي لكني لا أهتم، أهزها لأني أحب أن يتراقص شعري"

 

من أراد المتعة

معركة أخرى هي الأهم في مسيرته، صحيح أنه لم يخضها من الأصل بل فرضت نفسها عليه، ولكن لا يمكنك تجاهل المفارقة هنا، هذا الرجل أتى وحقق كل شيء ورحل في عالم التاريخ الذي لا يتذكر إلا النتائج، في عالم يُحقر من شأن المتعة ويطالب راغبيها بأن يبحثوا عن شيء آخر ليشاهدوه غير كرة القدم. (5)

    

   

القصة مألوفة بالطبع ولا بد منها مع كل بطل مثل رونالدينيو، هناك دائمًا المدرب الذي يقول للبطل أنه لن يحقق أحلامه وأن الطريق الوحيد للنجاح هو أن يغير فلسفته وشخصيته ويتحول لمجرد نسخة أخرى من أقرانه. لا تندهش، هذا ليس فيلمًا عن الحالم المثالي الأبله الذي ساد العالم بابتسامته، هذا هو ما حدث فعلًا. (3)

 

" لا أعلم كيف سنتخطى دفاع تشيلسي ولا متى سنواجه الريال، في رأسي كرة وقوس قزح ودينيو صغير ضاحك، أهزها كالبلورة وتمنحني جوابًا مختلفًا في كل مرة، ولكن دينيو يظل يُضحك في كل مرة"

 

قرر غاوتشو الاستماع لوالده بدلًا من ذلك، الرجل الذي يعمل سبعة أيام في الأسبوع، إما كعامل بناء في بورتو أليغري - "الميناء السعيد" للصدفة - أو كعامل في نادي الكرة الذي يعشقه والذي بدأ فيه رونالدينيو مسيرته؛ غريميو. (4)

 

"لا تتغير يا رونالدو.. العب كما تريد أن تلعب، لم الجدية؟ دورك كلاعب كرة هو أن تنشر البهجة". رسالة أبيه التي حملها دينيو الصغير طيلة حياته. لاحقًا طُلب منه أن يوجه رسالة لنفسه وهو صغير، فكتب لنفسه ورقة كاملة كرر فيها شعاره في الحياة.."الإبداع قبل الحسابات.. الإبداع قبل الحسابات".

 

"دينيو يحب أن يضعها في الشباك دون أن يصرخ أحد، ويحب أن يرقص قبل أن يفعل، وبعد أن يفعل، وأحيانًا يحلو له الرقص بين هذا وذاك"

    

 (وأحيانًا يحلو له الرقص بين هذا وذاك)

    

مثل المتعة، تم تحقير هذا الجانب في حياة رونالدينيو والتقليل منه دون فهم، سُودت المقالات فيما كان بإمكانه تحقيقه لو لم يكن بهذا الاستهتار، لو كان قابلًا للانخراط في حياة المحترفين المنتظمة كالساعة، لو كان قابلًا للميكنة مثل مواهب أوروبا، لو لم يكن بهذا التمرد وهذه الحرية، لو لم يكن رونالدينيو.

 

لا يعلمون ما يتطلبه أن تكون مستهترًا في هذا العالم، أن تدرك أن قدرًا لا بأس به من العبثية يحكمه أحيانًا، وأن التعامل معه بجدية طول الوقت به قدر كبير من المخاطرة. أن تشاهد الأرقام والإحصائيات تحول لعبتك إلى جداول عديمة الروح والعقل وتظل ثابتًا على موقفك. الحقيقة أن خلف كل هذه الانتقادات المشروعة إحساس دفين بالحسد، كلنا نتمنى أن نكون رونالدينيو ولو لبضع سنوات؛ أن نجرب الرقص أمام 100 ألف متفرج دون خجل، تلك اللحظات القليلة التي نتحرر فيها من الخوف والحقد والكراهية. كلنا نريد أن نحقق ما نشاء، كيف نشاء، ثم نرحل والجميع يتمنون لو بقينا لمدة أطول.

 

"دينيو ليس مهرجًا ولا يعيبه أن يكون كذلك، دينيو يحب الرقص لأنه يحرره، يُشعره بأن الجميع يحبه وهو كذلك يحب الجميع. دينيو لا يخجل من عيون العالم ولا يهتم بما ستكتبه الصحف في اليوم التالي"

 

ابتسم


  

"رونالدينيو.. أرأيت؟ لقد جعلتك تبتسم بمجرد ذكر اسمه"
 (سِيد لو، رونالدينيو الرائع الذي جعلنا نبتسم.)

لو كان كل لاعبي الكرة رونالدينيو لفسدت اللعبة ولأصابنا الملل بأسرع مما نتخيل. رغم كل شيء فلا غنى عن المواهب الميكانيكية التي تستمر في العمل حتى ينتهي عمرها الافتراضي، لأنها هي ما منحه المسرح الذي لمع عليه، ولكننا نحتاج إلى رونالدينيو بين الحين والآخر ليذكرنا بأصل اللعبة والهدف منها، الأصل الذي ننساه في زحام البطولات والتنافس وسباقات الهداف والبالون دور، وليذكرنا بأن هناك طريقة أخرى لتحقيق كل ذلك.

 

الأهم هو أن تلك الطريقة عبقرية على بساطتها، فطرية رغم استثنائيتها. في شوارع البرازيل مئات الآلاف من الرونالدينيو بإمكانهم ضرب الكرة في العارضة ثلاث أو أربع مرات متتالية لمجرد الاستعراض، وفي أوروبا عشرات الآلاف غيرهم يستطيعون مراوغة لاعبين وثلاثة عندما يقررون ذلك، فقط كلهم يفقدون جزءًا من ذواتهم عبر الرحلة، يستبدلون البهجة بالقلق والثقة الطفولية الساذجة بالرهبة، ويستحيل عليهم تكرار ما يفعلونه في التدريبات عندما يجدون أنفسهم في ملاعب مكتظة بالجماهير، يتحولون حينها إلى كبار بالغين وينسون طفولتهم الكارتونية، أما رونالدينيو فلم ينس أبدًا، ظل واحدًا صحيحًا من بداية الرحلة لنهايتها.

 

قليلون وجدوا صورًا لا يضحك فيها رونالدينيو، وأقل منهم يعلمون كم هدفًا سجل وكم صنع. ليس السبب أن الإحصائيات لم تلحق به في عصره، بل لأن هناك تناقضا صارخا بين اسمه ومصطلحات مثل دقة التسديد ومعدل استغلال الفرص والخرائط الحرارية، ربما يتوصل العلم في المستقبل إلى خريطة حرارية تعبر عن أربع سنوات من البهجة الخالصة قدمها رونالدينيو عندما رغب في ذلك، وحتى يحدث ذلك سنكتفي برقصة شعره وقوس قزح ودينيو الصغير الضاحك.

 

"عذرًا لأنني لا أشبهكم. أنا من أنا. أتيت للعالم راقصًا وقضيت وقتي فيه راقصًا وسأغادره كذلك. لم أقصد سخريةً أو استهزاءًا، لم أقصد العبث بثوابتكم ومشاعركم فأنا لا أفهمها، لم أفشل في الالتزام بقوانينكم وقواعدكم لأنني لم أحاول من الأصل. كنت مشغولًا بالرقص والاستمتاع بوقتي، وفزت بكل جوائزكم وألقابكم أثناء ذلك".

----------------------------------------------------------------------------------------------

* العبارات المقتبسة في التقرير هي عبارات تخيلية على لسان رونالدينيو ولم يتفوه بها فعليًا.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار