انضم إلينا
اغلاق
يوفنتوس ونابولي.. الوجه الآخر للقدر

يوفنتوس ونابولي.. الوجه الآخر للقدر

أحمد أباظة

محرر رياضة
  • ض
  • ض
الكثير من المشاهد المتكررة بين قمتي الذهاب والإياب، نفس الفريق يُدافع باستماتة ولا يريد الاحتفاظ بالكرة، نفس الخصم يهاجم بكل ما أوتي في مواجهة هذا الدفاع الحديدي، واحد ينتظر هدايا المرتدات والآخر يحاول خلق ثقباً في جدران العدو لوقت طويل دون جدوى.. فارق وحيد لا أكثر، في المرة الأولى كافأت الكرة هذا المدافع بهدف مبكر، وفي الثانية عاقبته بهدف في أسوأ توقيت ممكن. 1-0 ليوفنتوس في سان باولو، 1-0 لنابولي في يوفنتوس أرينا، ولا يزال الصراع الوحيد في الدوريات الخمس الكبار على أشده.

   

(تشكيل الفريقين وتقييم اللاعبين - هوسكورد)

    

لا جديد تحت شمس تورينو؟

بطبيعة الحال حشد ماوريسيو ساري مدرب نابولي صفوفه الأساسية غير المنقوصة سوى من ظهيره الأيسر بالغ الأهمية فوزي غلام، ليأتي بحذافير تشكيله المتوقع، مُفضلاً الرهان على حركية ثلاثية كاييخون وميرتينز وإنسيني، على حساب التفوق الرأسي لأركاديوز ميليك. ربما وضع ساري أمله في مدى انسجام ماريو روي مع واجبات الجبهة اليُسرى الحاسمة بالنسبة لنابولي، واستغلاله لدفع هامشيك وإنسيني باتجاه العمق وخلق متوالية التحركات المُزعزعة لاستقرار الدفاع، ولكن الأمور كالعادة لم تسر بتلك البساطة..

  

(مناطق الهجمات: كالعادة الأزلية، حوالي نصف هجمات نابولي (بالأزرق) تأتي من الجانب الأيسر- هوسكورد))

  

على الجانب الآخر أطل علينا ماسيميليانو أليغري مدرب يوفنتوس بتشكيل صُمم خصيصاً لتلك المباراة، 4-2-3-1 يحتل لاعب الوسط بليز ماتويدي جناحها الأيسر أمام أسامواه، ربما يوحي شكل تلك الجبهة بواجبات دفاعية مُفرطة في مواجهة هيساي وكاييخون، إلا أنها الجبهة التي أنتجت 45% من هجمات يوفي. لتبقى البقية معلقة على ديبالا وكوستا ومن أمامهما هيغوايين.

 

يأتي ذلك ومن ورائه تركيبة دفاعية حديثة الصنع، يترك فيها ليشتاينر رواقه الأيمن لصالح قدرات بينديكت هوفيديس الدفاعية في مواجهة المد الأيسر عموماً وإنسيني خصوصاً. عبثاً حاول ماكس، فلن يمكننا أبداً الحكم بشكل عادل على تلك الفكرة، بعد أن أصيب كيليني في أول 10 دقائق، لينضم هوفيديس إلى جوار بنعطية ويعود ليشتاينر إلى الملعب رغماً عن أنف مدربه.

 

رغم كل تلك التحولات السريعة لم تزداد الحكاية إلا مللاً، نابولي يملك الكرة ولكنه لا يستطيع الوصول لمنطقة الجزاء سوى بالتسديد البعيد أو العرضيات، أخفقت أغلب البينيات الأرضية ولم تنتج طيلة الشوط الأول سوى هدف إنسيني الملغي بتسلل واضح لكل ذي نظر، يوفي حائر بين عدم الرغبة في الهجوم والعجز عنه، حتى كثافة عدد المحاولات التي جعلتنا نتساءل عن وجود ميليك لخطف إحداهن ذهاباً، انحصرت في 6 تسديدات واحدة منهم على مرمى بوفون في هذا الشوط، مقابل 3 خارج المرمى ليوفي اصطدمت واحدة منهن بالقائم.

   

(الخريطة الحرارية للفريقين: لمسات نادرة من نابولي المُهاجم داخل منطقة جزاء اليوفي - هوسكورد)

   

صفر من التسديدات لنابولي طيلة المباراة داخل الياردات الستة ليوفي، 42% من تلك التسديدات داخل منطقة الجزاء، والأغلبية لخارجها بـ58%. نجَح يوفي في إعاقة غزو البارتونيبي لمناطقهم وهو شيء يُحسب له، ولكن أين هو العمل الهجومي لفريق لو فاز كان ليحسم لقب الدوري عملياً؟ أين هو ولو لمجرد مرتدة صحيحة تمنحه هدفاً يُدافع عنه بطمأنينة أكبر أو حتى 7 دقائق كتلك التي لعبها أمام توتنهام؟ لا شيء، 4 تسديدات إجمالاً لم تمس إحداهما مرمى رينا. للتوضيح، اختفى باولو ديبالا طيلة الشوط الأول وحتى استبداله مع بداية الثاني.. أين كان الأرجنتيني؟ إليكم الإجابة. ملحوظة: مرمى نابولي على يمين الخريطة التالية!

   

(الخريطة الحرارية لديبالا: 5 لمسات للأرجنتيني في نصف ملعب الخصم، ولا واحدة بمنطقة الجزاء، مقابل 9 لمسات في نصف ملعب فريقه! - سكواوكا)

    

النفوذ التكتيكي

"هنا التميمة ماريك هامشيك كلاعب وسط على اليسار، شكَّل ثلاثياً مع صانع اللعب جورجينيو والظهير الأيسر ماريو روي. هامشيك بوعيه المكاني الفطري، يتحرك دائماً في المساحة التي يوفرها روي بفتحه لعرض الملعب، وهما مع المهاجم الأيسر لورينزو إنسيني قد امتلكوا أكثر من 220 لمسة للكرة. كل هذا كان تبايناً للأحداث على الجانب الآخر: ألان وخوسيه كاييخون وهيساي كانوا أكثر تركيزاً على العرض والواجبات بدون الكرة. بين هذا وذاك كان جورجينيو هو آلة التوازن في المنتصف، بـ100 تمريرة صحيحة من أصل 133."

(تحليل محمد مُعلم لسكواوكا عن أهم نقاط منظومة ساري في المباراة) (1)

    

(قرابة نصف تدخلات نابولي الناجحة حدثت في نصف ملعب يوفنتوس(6 مقابل 7)، على الجانب الآخر تميل كفة يوفنتوس لنصف ملعبه بنسبة 7 إلى 4 - هوسكورد)

    

ربما لم يكن نابولي فتاكاً في الشق الأخير من العملية الهجومية، إلا أن السطور الأخيرة تُبرز جوهر ما طبقه رجال ساري على أرض المَلعب وابتلعوا به يوفنتوس في الشق التكتيكي بشكل تام، فالتزامهم بالضغط الشرس ووأد خطورة الخصم في مهدها، مع سرعة الارتداد الزملاء الخلفيين لمجابهة خطر كسر هذا الضغط، أمران كان لهما أبلغ الأثر في ظهور البيانكونيري بهذا الشكل المهترئ هجومياً.

   

(نصف اعتراضات نابولي (3 من 6) في نصف ملعب يوفنتوس، على الجانب الآخر 10 اعتراضات من أصل 14 ليوفي في نصف ملعبه الخاص، أغلبها يرتكز أمام منطقة الجزاء - هوسكورد)

    

لم يكُن هناك عيباً فردياً في صفوف نابولي سوى كثرة التعرض للمراوغة، فقد حققوا 13 تدخلاً ناجحاً من أصل 29، كما تعرض 3 من لاعبيه على وجه التحديد للمراوغة 3 مرات، حيث انتزع ألان نصف محاولاته فقط (3 من 6)، بينما نجح ماريو روي في 2 من 5 وأخيراً لم يحصد هيساي سوى كرة واحدة من 4 محاولات.

 

بالعودة لسيناريو المباراة، اتخذ أليغري بين الشوطين قرار التحول إلى 4-3-3 بإقحام خوان كوادرادو على اليمين بدلاً من ديبالا، ناقلاً كوستا إلى الطرف الأيسر ومعيداً ماتويدي إلى الوسط كثالث يساري. استهدف هذا الأمر مجابهة ازدياد خطر ابتلاع الخصم للملعب، ومحاولة إضفاء المزيد من السرعة على الأطراف، فإن لم يسرق أحد الجناحين مرتدة استغلالاً لتقدم الظهيرين المستمر، على الأقل قد يدفع أحدهما للتراجع قليلاً، الأمر الذي يعني تخفيف شراسة الضغط على فريقه وكسر إحدى حلقات ديناميكية ساري الجنونية.

 

60 دقيقة كانت كافية ليتخلى المُدخِّن الشره عن فكرة مهاجمه الوهمي دريس ميرتينز، باحثاً عن المزيد من الإيجابية في قدم أو رأس ميليك، وهو ما أتبعه بتغيير استوجب خروج هامشيك بعد مباراته الكبيرة لصالح بيوتر زيلينسكي، وهي ضرورة بدنية لضمان استمرار النسق. أخيراً لجأ أليغري لمحطته الهجومية الدفاعية الشهيرة ماريو ماندزوكيتش على حساب كوستا، وأخيراً أيضاً على الطرف الآخر حين لم يعُد في الوقت الأصلي سوى 10 دقائق، ضحَّى ساري بألان لحساب المزيد من الهجومية في الوسط متمثلة في ماركو روغ.

  

(نابولي لم يخسر خارج ملعبه منذ 30 مباراة في الدوري الإيطالي، 24 فوزاً و 6 تعادلات، سباق اللقب مستمر)

 

الوجه الآخر للقدر
 

89 دقيقة قد مضت ولا يبدو أن شيئاً سيحدث، سيخرج يوفي بنقطة التعادل ويحافظ على فارق النقاط الأربع قبل الجولات الأربع الأخيرة من عمر المسابقة، عملياً بات الدوري في تورينو، ولكن كان لرأس كوليبالي -وإخفاق بنعطية في مراقبته- رأي مغاير تماماً.. أدار القدر ظهره ليوفنتوس مرتين في أقل من أسبوعين بفارق وحيد: كان قاسياً للغاية في الأولى أمام ريال مدريد، ولكنه كان في قمة العدل ليلة أمس.

 

الجانب الآخر لتلك المنظومات الدفاعية المُحكمة منزوعة الهجوم يكمن في اعتمادها الكبير على السيناريو والظروف، فأنت هنا تنتظر هدفاً من القدر، المحاولة لا تضمن التسجيل ولكنها ترفع من الفرص والحظوظ المنطقية لحدوثه انتظاراً للتوفيق، على العكس تماماً من عدم المحاولة، فأنت هنا لا تنتظر سوى القدر.. الشيء نفسه في العمل الدفاعي، أنت تَضَع رهاناً كبيراً على إضاعة الخصم لكل فرصه، نظراً لاستحالة منعه بشكل كامل من المحاولة والوصول، الأمر الذي لا يجعلك تنتظر شيئاً سوى نفس القدر.. القدر الذي قاد توتنهام لإضاعة الكثير من الأهداف المحققة، هو نفسه من جعل واحداً من أفضل مدافعي الموسم يخونه التقدير لتعانق رأسية كوليبالي شباك بوفون.

 

الآن بات الحُلم المنتظر منذ مطلع تسعينات القرن الماضي أكثر قرباً من ذي قبل، حُلم نابولي بانتزاع لقب الدوري من براثن يوفنتوس الذي يبغضه، وحُلم ظهور من يوقف هيمنة البيانكونيري الممتدة لـ6 ألقاب متتالية. نقطة وحيدة هي الفارق و4 مباريات تحدد كل شيء: يوفنتوس يخرج لملاقاة إنتر ميلان وروما ويستضيف بولونيا وفيرونا، بينما يعرج نابولي على محطات أسهل نسبياً خارج الديار أمام فيورنتينا وسامبدوريا وداخل الديار ضد تورينو وكروتوني، والأخير تحديداً كان من كلف يوفي نقطتين قبل بضعة أيام. صراع الصدارة الوحيد بين كبار الدوريات لا يزال مستمراً.. لنرى.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار