انضم إلينا
اغلاق
القتل بدم بارد.. اسمه صلاح.. محمد صلاح

القتل بدم بارد.. اسمه صلاح.. محمد صلاح

أحمد أباظة

محرر رياضة
  • ض
  • ض
من العيب أن تُطالب مدرب ما بقراءة تحليل لأحد الكُتَّاب قبل إدارة مباراته، ولكن في تلك الحالة، ربما كان اوزيبيو دي فرانشيسكو مدرب روما ليأمل بقراءة كلمات جوناثان ويلسون -صاحب كتاب الهرم المقلوب- لو عاد به الزمن لما قبل ذهاب نصف نهائي دوري الأبطال. ليفربول يسحق الذئاب بخمسة أهداف مقابل هدفين في ليلة خالدة للثنائي محمد صلاح وروبرتو فيرمينو.

  

مقارنةً بتحليل ما قبل المباراة يبدو تحليل ما بعدها أمراً في غاية السهولة، فأن تجلس بهدوء وتخبر الجماهير بما حدث هو أمر لا تُقارَن صعوبته إطلاقاً بأن تخبرهم ماذا سيحدث.. مهما كان المدربين قابلين للتوقع، ومهما كانت الفوارق الفردية والجماعية واضحة، تظل اليد العليا للسيناريو في تسيير ترتيب الأوراق أو إعادة بعثرتها، فلو نزلت كرة كولاروف للأسفل قليلاً ربما لكنا الآن نتحدث عن مباراة أخرى.

   

(تشكيل الفريقين وتقييم اللاعبين - هوسكورد)

   

اختَر سُمَّك بنفسك

دون أدنى مفاجأة حل يورغن كلوب مدرب ليفربول بتشكيله المتوقع حرفاً، ولكن لماذا كانت إجابة دي فرانشيسكو (3-4-2-1) هي الخيار الأسوأ حتى رغم نصف الساعة الأول الجيد الذي قدَّمه فريقه؟ يُخبرنا السيد ويلسون بمدى الاختلاف بين مواجهة الريدز ومواجهة برشلونة فالفيردي، حيث وفَّرت 3-5-2 التي اتبعها الذئاب رجلاً إضافياً في مواجهتي وسط وهجوم 4-4-2 الخاصة بالكتلان، لتصبح المعركة 3 ضد 2 بين الثلاثي الدفاعي من جانب وميسي وسواريز من الآخر، وبين ثلاثي وسط روما والثنائي بوسكيتس وراكيتيتش. ومع قدرة طرفي الخطة فلورنزي وكولاروف على دفع جناحي البلوغرانا روبرتو وإنييستا للوراء وإلزامهما بدعم ثنائي الوسط المضغوط، يكون فريق العاصمة الإيطالية قد حكم جميع جنبات الملعب.

 

استثماراً لتلك الوضعية يمكن لخوان جيسوس أن ينطلق إلى حيثما يقف ميسي لإزعاجه بشكل فردي، مطمئناً لكون رجل برشلونة الوحيد أمام الكرة "لويس سواريز" محاطاً بزميليه مانولاس وفازيو طوال الوقت، ويمكن أيضاً لوسط روما أن يأخذ وقته في تحديد حركته التالية لأن ميسي وسواريز لا يضغطان، تماماً كما فعل دي روسي في لقطة صناعته للهدف الأول.(1) أمور كلها لن يسمح بها ليفربول، فهجومه ثلاثي بالأصل، ووسطه ثلاثي أيضاً، وفيرمينو لن يترك أحد يتنفس على بعد 5 أمتار منه، بكلمات أخرى: كل أسرار نجاح التركيبة ثلاثية الدفاع أمام برشلونة هي نفس مواطن إخفاقها أمام الريدز.

 

نقطة وحيدة جانب فيها الصواب ويلسون إلى حد ما، وهي تخوفه من انزلاق روما في فخ التراجع الدفاعي ومن ثمَّ التعرض لخطر الانهيار تحت الضغط، ربما نجح روما في إثبات صحة وجهة نظره بأن محاولة اللعب وعدم الاعتماد على رد الفعل كانت أمراً صائباً في نصف الساعة الأول، ولكن ما تلاها ضحد الأمر تماماً وجعل التراجع في أنفيلد يبدو خياراً أفضل وأكثر أمناً بمراحل، خصوصاً في ظل اعتماد دي فرانشيسكو على الرسم الخاطئ.

 

ربما نجح مدرب روما في تقديم 30 دقيقة شبه مثالية، أنتجت أخطر فرصه من تسديدة كولاروف المرتطمة بالعارضة،  وأظهرت حقيقة أن الريدز يمكن تقييدهم في عقر دارهم "أنفيلد" إلى أن يجدوا المساحات. فعلها مانشستر سيتي من قبل مع الفارق المهول بينه وبين روما كفريق، الأمر الذي إن دل على شيء فهو أن ليفربول المُخيف تقل خطورته بشكل أكثر إخافة حين تنجح في حرمانه من المساحات التي يتغذى عليها والعكس بالعكس، فهو سيأكلك حياً بمجرد حصوله على تلك المساحة. ظهر ذلك بفرصة ماني الضائعة في فترة أفضلية روما، وظهر في تعرض مانولاس للمراوغة 3 مرات من أصل 4 محاولات للتدخل، 2 منهم في نفس نصف الساعة.

 

اسمه صلاح.. محمد صلاح

لم يكن هذا هو المشهد الوحيد المألوف، فرأينا روبرتو فيرمينو -بطل العالم في افتكاك الكرة بنصف ملعب الخصم- ينجح بـ3 من تدخلاته الخمس، ورأينا ليفربول يحقق أكثر من نصف تدخلاته الناجحة في منتصف ملعب روما بمنظومة الضغط الشرس اللانهائي، لكن الجديد حقاً كان محمد صلاح، نعم هو هداف البريميرليغ وأفضل لاعبيه في الوقت الحالي، ونعم هو من رفع سقف توقعات الجماهير إلى حدود جنونية.. المشكلة أن أغلب من يرفعون هذا السقف عادةً ما يشاهدونه يسقط فوق رؤوسهم لاحقاً، ولكن مع الأسطورة المصرية الحيَّة التي حالفنا الحظ لنشهد على ولادتها، الأمور لا تسير بتلك الطريقة.

   

(تدخلات ليفربول الناجحة: 7 في نصف ملعب روما، واحد على خط المنتصف من أصل 15 - هوسكورد)

    

لم يجد ليفربول الكثير من المساحات في أول 35 دقيقة، ولكن من نصف فُرصة خُلقت كل الفوضى اللاحقة.. كرة يرسلها فيرمينو على الطرف الأيمن لمنطقة الجزاء، يرفع صلاح أعينه ليُشاهد كيف يقف أليسون، يقرر فيسدد بمنتهى الحرفية والدقة كرة تعرف طريقها كما يعرف الكلب صاحبه.

 

10 دقائق تمر والمساحة التالية تولَد، تشتيت طولي سريع من فان دايك يمهده صلاح لفيرمينو، الأخير يراوغ مانولاس تزامناً مع اختراق صلاح للفراغ القاتل بين فازيو وجيسوس ليتلقى البينية، أليسون يندفع من مرماه لمجابهة الخطر فيضعها فوقه من جديد بكل الدقة والمهارة وبرود الدم والأعصاب.

 

 قد لا يقود الإسهاب بعد ذلك سوى للابتذال، ففيما عدا المهارة الفائقة في إحراز الهدفين، نقول لك إن صلاح سدد 4 كرات جميعهم على المرمى وسجل منها اثنتين، وخلق 5 تمريرات مفتاحية صنع منها هدفين آخرين، هي واحدة من تلك اللحظات التي قد تكون حقائقها المُجردة أعظم من أي سرد أدبي. ولكن حتى لا يضيع منَّا حق لاعب عظيم آخر، استحق فيرمينو تقييماً مساوياً بالعلامة الكاملة، فهو ناهيك عن كونه أعظم "مهاجم مدافع" في العالم، قد صنع أول هدفين من أصل 5 تمريرات مفتاحية أيضاً، كما سجل هدفين من 3 تسديدات على المرمى (من أصل 5 إجمالاً).

 

سلاماً عليك ويلسون

"شكلاً هناك فائدة صغيرة واضحة لدي فرانشيسكو من اللعب بثلاثة مدافعين، فهي ستمنحه تغطية دفاعية أكبر، وستمنح جيسوس الفرصة كثالثهم اليساري لمواجهة غارات صلاح من يمين ليفربول، ولكنها ستسبب العديد من المشاكل في أماكن أخرى.. سرعة ساديو ماني ستجعله ملائماً لاستغلال المساحة وراء ظهير الطرف، واللعب بثلاثي في الدفاع سيخاطر باضطرار الطرفين للتراجع والتحول لخماسي دفاعي وبالتالي تسليم الأطراف لظهيري ليفربول ذوي العقلية الهجومية أرنولد وروبرتسون، الأمر الذي سيخلق نوعاً من التفاوت الذي يبدو وارداً بالفعل في خط الوسط."(1) 

( جوناثان ويلسون في تحليله لما قبل المباراة بصحيفة الغارديان)

  

في ضوء تلك المعطيات توقع ويلسون أن يلعب دي فرانشيسكو بـ4-3-3 المعتادة، وأن يستخدم لاعبيه السبعة بالوراء لإزعاج هجوم ووسط وليفربول، على أن يقف دزيكو وحيداً لاقتناص الرأسيات، وتتركز أدوار الجناحين (أي اثنين من الشعراوي وفلورنزي وبيروتي وجنكيز أوندير) في إلقاء الضغط الكافي على أرنولد وروبرتسون، على الأقل ليُلزمهم الحذر الدفاعي وبالتالي يُقلص من خطورة الريدز الكاسحة على طرفي الملعب، بالانتقال للهدف الثالث كان الرجل محقاً أكثر مما يلزم..

   

(أرنولد يتسلم تمريرة لوفرين، كولاروف يندفع للأمام للضغط عليه)

     

(أرنولد يرسل الطولية -مع الاعتراف بوجود التسلل- ويكسر خط دفاع روما بأكمله، سنوات ضوئية بين تحرك صلاح واستجابة جيسوس)

     

 لهذا حذَّر ويلسون من اللعب بدفاع ثلاثي، لأن المساحة وراء ظهير الطرف قد تكون قاتلة.. هنا تخلص أرنولد من ضغط كولاروف وضرب خط دفاع الخصم بطولية تزامنت مع تحرك صلاح من وراء جيسوس، وعليه امتلك المصري مساحة شاسعة للاختراق وإرسال تمريرة الهدف إلى ماني. الأمر ذاته يتكرر في الهدف الرابع مع اختلاف الوضعية، يتسلم صلاح الكرة في المساحة وراء كولاروف مرة أخرى، وضعية جسده وتسلمه للكرة تمنح جيسوس الوقت لتعطيله ريثما يسترد الزملاء مواقعهم، ولكنه اخترق وراوغه كأنه لم يكن موجوداً في اللقطة من الأساس.

        

(صلاح يتسلم الكرة من وراء كولاروف، قبل ثوانٍ من انتصاره الكاسح على جيسوس)

    

أن تصل متأخرا

متأخراً للغاية، أفاق دي فرانشيسكو ودفع بآخر تغييرين لديه، بيروتي وغونالون على حساب جيسوس ودي روسي المُستنزَف في الدقيقة 67، متحولاً إلى 4-3-3 التي طال انتظارها، وفي سلسلة من المشاهد المقترنة ببعضها الآخر، ترك صلاح موقعه في الدقيقة 75، انطلق روما هجومياً وانهار ليفربول دفاعياً لتتلقى شباكه هدفين أولهما بطولة لوفرين كما جرت العادة.. المقدمات تؤدي إلى النتائج، ولكن بدون السياق الصحيح لن تحصل سوى على استنتاجات خاطئة على رأسها: كم كان كلوب أحمقاً في تغيير صلاح.

 

قيمة النجم المصري لم يعُد حولها أي شكوك من أي نوع، ولكن لدينا مدرب حسم الأمور عملياً ومتقدم بفارق خمسة أهداف، يحتاج لحسم مقعده بين الأربعة الكبار في البريميرليغ، وعملياً وضع قدمه في نهائي المسابقة الأغلى والغائب عنه ليفربول منذ 11 عاماً، فكيف لا يفكر بإراحة تلك القيمة في مثل هذا التوقيت؟

      

 (سجل صلاح 20 هدفاً في 18 مباراة مع ليفربول عام 2018، منهم 3 مباريات عجز فيهم عن التسجيل، خسر الريدز اثنتين منهم وتعادل في الثالثة)

     

لنجرب بطريقة أخرى، روما سدد 8 مرات في ربع الساعة الأخير الذي تلا خروج صلاح، من أصل 14 تسديدة إجمالاً في المباراة، اجتاح بيروتي وكولاروف يمين ليفربول بعد خروج المصري دون رادع، ولولا نفاذ مخزون الأخير البدني لساءت أمور الريدز أكثر، كل تلك هي حقائق ثابتة، ولكن ما الذي اقترن منها بخروجه حقاً؟ وهل يبدو لك مشهد انهيار ليفربول الدفاعي في الدقائق الأخيرة غير مألوف؟

 

بتوسيع الدائرة لتشمل الفترة بين الدقيقة 67 -لحظة تغيير دي فرانشيسكو للرسم- ونهاية المباراة، نجد 10 تسديدات لروما من أصل 14، مقابل تسديدتين لليفربول (صاحب 21 تسديدة إجمالاً)، ومع الأخذ في الاعتبار مدى الجُهد البدني الذي يتطلبه نسق كلوب واستحالة الحفاظ عليه لـ90 دقيقة، فإن هذا المشهد يكاد يكون أمراً اعتيادياً.. ترك صلاح لموقعه منح يسار روما المزيد من الأريحية، ولكنه لم يبدأ ما كان قد بدأ بالفعل، وما أخفق به كلوب هنا لم يكن قراره بإراحة نجمه، بل فشله في مجاراة تحول ذئاب العاصمة.

 

في النهاية هما هدفان يُشعلا مباراة العودة نظرياً على أمل "ريمونتادا" أخرى من روما في الأولمبيكو الذي لم يُمنى فيه مرماه بأي هدف في دوري الأبطال هذا الموسم، يُمكن القول أنهم سيحاكون ما فعلوه ببرشلونة ويسجلون ثلاثة أهداف، ولكن هل تضمن أن هجوم مثل الذي يملكه الريدز سيعجز عن زيارة الشباك؟ عادت الأمور للحياة على الورق، ولكنها قد توفيت عملياً بوضوح شديد، وما لم تحدث معجزة كبرى، فإن كل ما تبقى هو ختم شهادة الوفاة يوم الأربعاء القادم.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار