انضم إلينا
اغلاق
بايرن ميونيخ ومدريد.. في تعريف الحظ والفوز المسروق والمستحق

بايرن ميونيخ ومدريد.. في تعريف الحظ والفوز المسروق والمستحق

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

"لا أتذكر أنني رأيت ريال مدريد يؤدي بهذا الضعف في ميونيخ من قبل.. لو كنا قد فزنا بالمباراة بنتيجة 5-2 لما اندهش أحد بما في ذلك لاعبي ريال مدريد أنفسهم"

 (نيكلاس زوله) (1)

     

5-2 نتيجة ضخمة للغاية في نصف نهائي دوري الأبطال، خاصة عندما يكون خصمك هو ريال مدريد حامل اللقب لنسختين متتاليتين. رغم ذلك يرى جوشوا كيميتش أن النتيجة العادلة هي 7-2. الظهير الألماني الشاب لم يحص كل الفرص المحققة بحسب تعبيره، ولكنه متأكد أنها لن تقل عن ستة أو سبعة. (1)

       

استخرج من العبارة السابقة الكلمات المثيرة للجدل، بسهولة يمكنك أن تختار "ضخمة" و"عادلة" وقد تضيف إليهما "الفرص المحققة". تعبيرات نسبية للغاية تمثل وجهات نظر أكثر ما تمثل الحقائق، والمشهد كله مألوف بالطبع لأن مفهوم الاستحقاق هو أكثر ما يتعرض للعبث في هذه المناسبات، لا نتحدث هنا عن الجماهير المنفعلة وحسب بل عن أبرز محللي اللعبة كذلك، لأن الاستحقاق هو إحدى المساحات شديدة الرمادية في كرة القدم إن جاز التعبير، ومعناه قابل للتشكيل كالصلصال حسب الموقف.
    

عناوين كبيرة

هاينكيس يبدأ بتشكيل غوارديولي للغاية، وزيدان يدفع بيل دفعًا للرحيل. الإصابات المتتالية ولعنة زيدان المزعومة. أن تفوز بالمباريات شيء وأن تسيطر على البطولة فهو أمر آخر. لا أحد يحب الفرق التي تسيطر على البطولة كما تعلم، وأيًا كانت الأسباب الفعلية لهذه السيطرة.

     

تشكيل الفريقين وخطة اللعب والتقييم الرقمي - هوسكورد (مواقع التواصل الإجتماعي)

  

في تحليله لما حدث عبر بي بي سي، كان بات نيفين واضحًا ومباشرًا للغاية؛ لا شيء مميز حيال ريال مدريد. الفريق لم يقدم الكثير جماعيًا ولكنه يمتلك أفراد قادرين على الحسم. توقعنا تألق الغالاكتيكوس ولكننا حصلنا على فوز قبيح. إذا سألتني كيف فعلوها فسأقول لك إنني لا أعلم بالضبط.. ريال مدريد تخطى بايرن بشيء من الحظ، الثاني حظي بالعديد من الفرص ولكن بطريقة ما نجح الأول، ليس في النجاة من الهزيمة فحسب بل في الفوز أيضًا. (2)

  

ليس هناك الكثير مما يمكن قوله حول أداء الميرينغي فعلًا، ربما باستثناء الضغط الرائع في الشوط الأول، ونجاح خماسي الوسط في عزل مارتينيز وتياغو عن رباعي الدفاع بالتمركز بين الخطين وملاحقة حامل الكرة بلا هوادة، عدا ذلك بدا وكأن زيدان لم يلعب للفوز أصلًا بقدر ما حاول تجنب الهزيمة والخروج بالتعادل. هاينكيس قدم لنا خيميس في مركز مغاير أقرب للريجيستا، ووضعه في أغلب الوقت بجوار مارتينيز ليساعد الألمان على إخراج الكرة والتغلب على الضغط بتمريراته الذكية التي كسرت خطوط الميرينغي أكثر من مرة، ولم ينقصها إلا التعامل السليم السريع في نصف ملعب الخصم، وبالطبع اللمسة الواحدة المباشرة التي افتقدها البايرن في العديد من لحظات المباراة.

      

قضت الكرة في ثلث الريال الدفاعي مرة ونصف ما قضته في ثلث بايرن - هوسكورد 

         

 رودريغيز كان أكثر من لمس الكورة من لاعبي بايرن بعد رافينيا - هوسكورد

  

حتى التغييرات تم إفسادها مبكرًا عندما خرج روبين وبواتينغ وكارفاخال للإصابة على الترتيب، فلم يتبق لهاينكيس سوى الدفع بتوليسو العائد من الإصابة بدوره، ولم يتبق لزيدان سوى تصحيح خطأ البداية وإقحام أسينسيو على اليسار ما دام قد قرر التراجع في الشوط الثاني. بالطبع نال التغيير أكثر من حجمه لأن أسينسيو سجل. كل البدلاء الذين يسجلون يؤكدون على تغييرات عبقرية من المدرب، هذه قاعدة لا تتزعزع حتى لو أتى الهدف بهدية وضعت الريال في موقف 2 على 1 للمرة الأولى والوحيدة تقريبًا في المباراة.

   

ليس هناك الكثير من التفاصيل المعقدة فعلًا، كلها عناوين كبيرة واضحة. الأظهرة لعبت دورًا حاسمًا في الأهداف الثلاثة؛ كيميتش استغل سلسلة من الأخطاء المتتالية للتسجيل، بدأت بثغرة راموس - مارسيلو المعتادة وانتهت بسوء تقدير من نافاس، ثم قرر رافينيا اختبار زوله تحت الضغط لسبب لا يعلمه إلا رافينيا، ومنح الميرينغي هدف الفوز، ثم عاد مارسيلو ونافاس ليصححا أخطائهم بعد أن سجل الأول ومنع الثاني ثلاثة أهداف محققة على الأقل.

   

عناوين صغيرة

هل يجعل كل ذلك نيفين محقًا؟ في الواقع الاستحقاق مفهوم معقد للغاية. الفرص الستة أو السبعة التي أحصاها كيميتش موجودة فعلًا وأكثرها يسهل تسجيله، ولكن صناعة تلك الفرص لا يعني بالضرورة أن بايرن كان يستحق تحويلها لأهداف.

        

   

هنا تدخل عدة مفاهيم رمادية أخرى على الخط لتزيد الأمور تعقيدًا، وتحديدًا كل ما يمكن إدراجه تحت بند الحظ والظروف والتوفيق. الفصل بين كل ذلك مستحيل فعلًا، فالظروف يسهل اختصارها في الإصابات وكل ما هو خارج عن سيطرة البشر، والتوفيق هو أن يسجل ريال مدريد هدفين بعد أن صنع فرصة واحدة حقيقية وأهدرها، أما الحظ فهو مفهوم "خوارقي" غير محدود لا رأس له ولا ذيل، وغالبًا ما يتم الخلط بينه وبينه انعدام الكفاءة أو غياب التوفيق، والتوفيق هو أن يسجل ريال مدريد هدفين بعد أن صنع فرصة واحدة حقيقية وأهدرها وهكذا.

  

علميًا، الحظ هو أن يراوغ ريبيري دفاع الريال أكثر من مرة ثم يسدد الكرة في مساحة خالية من المرمى لا يمكن لنافاس تغطيتها، فتصطدم ب"كلب" تسلل إلى هذه المعركة، أو تهب رياح عاتية مفاجئة في تلك اللحظة تحديدًا لتطيح بها إلى خارج الملعب. لذا فالفرص الستة أو السبعة التي تحدث عنها كيميتش لا تقع تحت هذا التصنيف بالقطع. تسديد الكرة بقوة دون توجيه مناسب والتعثر أثناء الانفراد بالمرمى واللحاق بالكرة متأخرًا بأجزاء من الثانية أمام الشباك الخالية هي أمور ممكن تداركها في المستقبل، ولا يمكن تصنيفها تحت بند الحظ أبدًا، ولكن لا يمكن تصنيفها تحت بند الإجادة لريال مدريد كذلك.

     

  

بل إن هناك العديد من الدراسات التي حاولت التفرقة بين ما يعتبره الناس حظًا وبين ما هو كذلك فعلًا. في لعبات قائمة تمامًا على الحظ مثل العجلة الروسية Russian Roulette، يفاجئك العلم بأن ما يحدث فيها لا يمكن تفسيره بالصدفة فقط. نفسيًا يتأثر المراهنون بالنتائج الأولى، ومن يربحون في البدايات يتكون لديهم انطباعًا بأن الخسارة آتية لا محالة، ومن ثم يلجؤون لمراهنات أقل مخاطرة وأكثر أمانًا مع مرور الوقت، وفي النهاية يزيد ذلك من فرص فوزهم في المحاولات التالية ولو بنسبة بسيطة، ومن جهة أخرى فإن الانطباع السائد في مراهنات رمي العملة، والذي يقول بأن وقوعها على جانب واحد أكثر من مرة متتالية يقتضي أن تزيد احتمالات وقوعها على الجانب الآخر مع كل محاولة جديدة، هو اعتقاد خاطىء تمامًا، والنسبة تظل متعادلة عند 50-50 مهما كان عدد المحاولات ونتائجها. (3)

   

إستحقاق السرقة وسرقة الإستحقاق

المهم أن كل ما سبق اجتمع ليكافىء هجوم ريال مدريد الرائع بمنحه هدفين، أو هدف الفوز على الأقل، وكل ما سبق اجتمع أيضًا لينجو ريال مدريد من العقاب على دفاعه السييء، وهذا ما يعطي الانطباع السائد بأن الميرينغي لم يستحق الفوز، وهذا هو التفسير المنطقي الوحيد لإقحام لفظة الحظ في سياق مباراة كتلك، فبينما لا يمكن اعتبار إهدار الفرص سوء حظ من بايرن ميونيخ، فيمكن اعتبارها حسن حظ لريال مدريد فعلًا، ببساطة لأنه حاول منعها وفشل وما حسم تحولها لأهداف لاحقًا كان خارجًا عن إرادته.

  

قد تكون العبارة الأدق هي أن ريال مدريد لم يقدم - منفردًا - ما يجعله يفوز - منطقيًا - بالمباراة، أو حتى يتعادل. منفردًا ومنطقيًا هي عبارات إعتراضية مهمة للغاية في هذا السياق لأن الإنتصارات لا تتشابه؛ هناك مباريات تشاهدها وتدرك أن هناك فريقًا قادرًا على إجبار الخصم على الخطأ حتى ولو كان احتمال وقوعه ضعيفًا في المعتاد، وأخرى تدرك فيها أن الفائز لم يكن ليفوز لو لم يمنحه خصمه خطأ نادر الحدوث في المعتاد، ومباراة بايرن ميونيخ وريال مدريد كانت من النوع الثاني.
   

هل سرق زيدان الفوز؟ هذا يتوقف على تعريفك للكلمة، السرقة لفظة قوية توحي بأن ثمة تلاعبًا أخلاقيًا في الأمر، من ثم فإن سرقة الفوز تُعرَّف كرويًا بالفوز الذي منحته الأخطاء التحكيمية، أما أن تسجل ما يتاح لك من فرص، حتى ولو لم تصنعها، ويهدر خصمك ما أتيح له في المقابل، حتى وإن أتت نتيجة لتفوقه، فيمكننا أن نسمي ذلك فوزًا مقلقًا، أو سيئًا، أو غير مقنع، وإذا كنت محايدًا لا تنتمي لأي من الفريقين فيمكنك أن تقول حتى أنه غير منطقي. هناك طرف وحيد فقط لا يحق له أن يصفه بهذا الوصف هو لاعبي بايرن ميونيخ ومدربهم، لأن الشيء الوحيد الذي جعله منطقيًا هو ما ارتكبوه من أخطاء في الهجوم والدفاع معًا.

     

   

"الأمر بسيط..نحن لم نكن حاسمون بما يكفي أمام المرمى، لم نستحق الخسارة اليوم" 

(يوب هاينكيس)

   

هل يجعل كل ذلك هاينكيس محقًا؟ في الواقع الاستحقاق مفهوم بسيط للغاية، ولكن ما يزيده تعقيدًا هو الارتباك الواضح في تصريحات المدرب الألماني المتناقضة. بايرن ميونيخ لم يكن حاسمًا أمام المرمى فعلًا، هذه حقيقة واضحة لا تحتاج لتصريح لندركها، ولكنه إستحق الخسارة في النتيجة على العكس، حتى ولو كان قد منح ريال مدريد أهدافه على طبق من ذهب كما قال هو أيضًا. الفارق الوحيد أن حظوظه مازالت قائمة في الترشح ولا يحتاج لتغيير الكثير ليتأهل من البرنابيو، وهذا ما يوحي بأن المشكلة لم تكن في القدرة على التفوق.

   

العجلة البافارية

ما يقصده هاينكيس فعليًا هو أن بايرن ميونيخ تفوق على حامل اللقب تكتيكيًا وبوضوح، لعب على أخطائه وكشفها وصنع العديد من الفرص، وهذا هو المطلوب من المدرب بطبيعة الحال، ولا يُتوقع منه أن ينزل إلى أرض الملعب ويسجل كل تلك الفرص المهدرة أو يمنح رافينيا حصة تدريبية سريعة في كيفية تمرير الكرة في الخلف. تلك أمور لا يتعلمها اللاعبون بهذه البساطة، وربما هذا هو ما ترك طعم المرارة في حلوق البافاريين عقب المباراة.

  

تلك أمور لا يتعلمها اللاعبون بهذه البساطة ولكن تتعلمها إدارات الأندية بالتجربة والخطأ، خاصة عندما تتكرر بهذا الشكل المثير للريبة. هاينكيس تولى المسؤولية بعد مرور 11 مباراة مع أنشيلوتّي. لم يختر لاعبيه ولم يحضر إعداد الصيف، ولكن إدارة البافاري تعلم أنها ليست المرة الأولى التي تعصف فيها الإصابات بحظوظ الفريق في الأدوار النهائية للبطولة، وليست المرة الأولى التي يفشل فيها ليفاندوفسكي في مباريات الأبطال الكبيرة، وليست المرة الأولى التي تفرض فيها الإدارة لاعبين بعينهم على الفريق حتى ولو لم يعودوا قادرين على تقديم الإضافة، وبالطبع ليست المرة الأولى التي ينهار فيها الألمان بدنيًا بلا مبرر واضح. (4) (5)

   

تلك هي المشكلة الحقيقية، أن بايرن ميونيخ لا يفعل ما يكفي ليفوز بهذه البطولة، ويدخل غمارها كل موسم وهو يعاني من نفس المشاكل الرئيسة تقريبًا. بالطبع لم يخرج الألمان من السباق بعد وما سيحدث في العودة سيظل مقرونًا بأقدامهم، ولكن بطريقة ما يبدو إصرار بايرن ميونيخ على الفوز بهذه البطولة دون تقديم حلول جذرية لهذه المشاكل أشبه بالمراهنة، ولكنها مراهنة تنتظر أن تقع العملة على وجهها الآخر لمجرد أنها ظلت تقع على نفس الوجه طيلة السنوات الماضية، حتى ولو لم تكن تلك هي الحالة بالأمس.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار