انضم إلينا
اغلاق
النهاية.. عن الوداع الذي يستحقه أرسين فينغر

النهاية.. عن الوداع الذي يستحقه أرسين فينغر

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض
قبل أي شيء دعنا نعقد اتفاقا، ما سنفعله هو أننا سنذكرك بكل إنجازات أرسين فينغر مع أرسنال للمرة الألف. ما ستفعله هو أنك ستردد كل العبارات التي أشبعها فينغر تكرارا حتى صارت بلا قيمة. سنقول لك إنه غيّر وجه اللعبة في إنجلترا، فستتظاهر بأنك لم تقضِ الأعوام الأخيرة في تذكير نفسك بهذا الأمر مع كل فشل. سنحاول جاهدين أن نعثر على معلومة جديدة لم تسمع عنها من قبل، وغالبا لن نجدها.

  

بدلا من ذلك سنحكي لك عن معايشته لفريق جلادباخ التاريخي، وسنخبرك بأن كبار أوروبا كانوا يتصارعون للحصول على توقيعه. سنخرج لك إحصائيات الانتقالات في التسعينيات، وسنقول إن الرجل كوّن جيل اللاهزيمة منفقا 35 مليون باوند فقط بينما كان غريمه فيرغسون يتخطى ضعف هذا الرقم، وأنت -مشكورا- ستشعر بارتباك عاطفي لأنك اعتدت وجود الرجل ولم تعرف مدربا غيره للمدفعجية، ثم ستخبرنا أنك كنت تظن أن أرسنال قد سُمّي على اسمه أو العكس، وسنضحك على مزحتك للمرة المئة، وسينتهي الأمر وكأننا كنا نختار المقهى الذي سنلتقي فيه مساء أو وجهة الإجازة القادمة. المهم أننا سنلتزم باتفاقنا ولن نخوض نقاشا فعليا يضع الحقائق في مواجهة العواطف، هذا هو أسوأ نوع من النقاشات كما تعلم ولا يُفضي إلى خير أبدا. (1) (2) (3) (4)

    

التاريخ لا يتذكر إلا 2004

إذا لم تكن قد قضيت الأيام الماضية في كهف فلا بد أنك قد لاحظت أن هذا هو ما فعلته الصحافة العالمية بمجرد أن أعلن الرجل رحيله. في الواقع أحدهم نجح في العثور على معلومة جديدة فعلا. هل كنت تعلم أن فينغر منع لاعبيه من شرب الشاي الإنجليزي الشهير بالسكر؟ وإذا أصر أحدهم على تناوله بالسكر كان فينغر يجبره على تقليبه بطريقة معينة حتى يضمن ذوبانه. من المؤكد أن لهذا الأمر سببا علميا ما بما أن الرجل يمتلك عدة شهادات دكتوراه. (5)

   

الآن أنت غاضب. تلك هي مشكلة المقاربات العاطفية البحتة، أنها كثيرا ما تنتج أثرا عكسيا. في الواقع لا شيء يقلل من فينغر مثل التفاني في البحث عن أسباب جديدة لعظمة الماضي، مثل التظاهر بأن مشجعي أرسنال لا يستحقون إجابة وافية بعد كل هذا الصبر، وأن عليهم أن يتقبلوا أن الرجل بقي ورحل لمجرد أنه قرر ذلك. بل وعندما رحل لم يكن السبب أنه لم يعد يملك ما يقدمه، ولا أن الوضع صار أسوأ مما يُحتمل، ولكن لأنه شعر بأن الانقسام بين الجماهير ومشهد المدرجات الخالية أصبحا يضران بسمعة النادي في العالم. (6)

    

  

فينغر غيّر وجه اللعبة في إنجلترا فعلا، فينغر قدم أفضل كرة قدم شهدها مهد كرة القدم فعلا، فينغر صنع فريقا من العدم فعلا، ولكن لا شيء يمحي كل ذلك مثل التعامل مع إخفاقاته على أنها ضريبة واجبة الدفع، والتظاهر بأن هناك التزاما أخلاقيا ما جهة ماضيه الرائع، يجعل من التطرق لحاضره المخزي وقاحة لا تُغتفر.

  

ربما كان ذلك ليصح لو رحل الرجل في 2006، أو في 2013، أو حتى لو كان قد جرب حظه بمجرد انقضاء الديون ثم رحل في 2015. وقتها كنا لنقول إن الرجل حاول وفشل ورحل بعد أن مر بأرسنال من فترة عصيبة ربما لم يكن ليمررها غيره، ولكن ما حدث أن فينغر قرر مقايضة الجماهير على سنوات الماضي، واعتبرها قابلة للاستبدال بسنوات أخرى من الفشل والعناد والمكابرة واللامبالاة.

    
ما الفارق؟ ثلاث سنوات؟ تلك مشكلة أخرى، مع فينغر يمر الوقت وكأن السنوات لا تعني شيئا. ثلاث سنوات في الدوري الذي يبلغ متوسط فترات مدربيه عامين فقط لا غير. (5) ثلاث سنوات هي أكثر مما يحظى به أي مدرب مع أي فريق ليُحْدِث تأثيرا ما، ولكن أرسنال على كوكب آخر يمر فيه الوقت أسرع من هنا.

    

  

كل الأساطير الراحلة تنال معاملة خاصة. فيرغسون كان يتقاضى أحد أعلى الرواتب في العالم مع مانشستر يونايتد، وجيرارد أضاع الدوري بخطأ بشع قبل خطوات من النهاية، وحاليا ينال ميسي ورونالدو من الأموال ما لم ينله أي لاعب في التاريخ. كل الأساطير تخطئ وتفشل وتسيء التقدير، كلهم تقريبا يخسرون الألقاب أكثر مما يفوزون بها، وعند رحيلهم لا يتذكر أحد كم ربحوا من مال وكم نالوا من شهرة لأن التفاني والإيثار لا يقدر بمال فعلا. (7)

 

تلك القاعدة تنكسر رغما عنها عندما تعامل النجاح على أنه قرض يجب استرداده لاحقا. عندما تقرر أنت أن ما شيدته هو ملكك وحدك ومن ثم يحق لك التصرف فيه كما شئت. حينها تبقى وحدك فعلا، وتأتي اللحظة السخيفة التي يذكرك فيها أحدهم بأنك لم تعمل متبرعا، بل إنك تتقاضى خامس أعلى راتب بين مدربي العالم حتى اللحظة، وحتى لو كان دورك هو الأكبر فإن تلك الإنجازات قد شارك فيها الجميع وأولهم الجماهير. تلك اللحظة السخيفة التي يُقاس فيها عملك بالمال لأنك لم تمنحنا خيارا آخر. (8)

  

التاريخ لا يتذكر 2013

ما سنفعله هو أننا لن نقع في المغالطة الشهيرة، لن نقول بأن أقصى ما فعله فينغر هو أنه حصل على ثلاث بطولات دوري في 22 عاما. نحن نعلم وأنت تعلم أن ما فعله فينغر لا يُقاس بهذه الطريقة. ربما لم تكن تلك المعلومة دارجة منذ عدة سنوات، ولكن الجميع صار يعلم عن عشرية الديون السوداء الآن. الجميع صار يعلم عن اتفاقه مع الإدارة على بيع أفضل اللاعبين لتسديد مستحقات ملعب الإمارات، والجميع صار يعلم أنه لا يُسأل حتى 2013.

   

ما لا يعلمه الجميع أن 2013 مضى عليها 5 سنوات كاملة. روبي فاولر يرى أن المشكلة لم تكن في فينغر، بل في النظام المالي الجديد. نجم ليفربول السابق يرى أن الوقت قد تغير، ولم يعد هناك مجال للفوز بالدوري والحفاظ على اقتصاد قوي للنادي ومعدل ربح جيد في الوقت نفسه. الآن أصبح بإمكاننا أن نخبرك بموقعك في الجدول بناء على ما أنفقته في الصيف، وبناء عليه فإن كل من انتقدوا أرسين فينغر أغبياء -طبقا لفاولر-، ببساطة لأن المشكلة ليست فيه، بل في النظام. (9)

     

   

تحليل رائع ينم عن نظرة ثاقبة لمهاجم إنجلترا السابق، والأهم أنه يمهد للرواية الرومانسية التي ينتظرها الجميع لينسوا الأمر برمته ويكنسوه تحت السجاد كما يقول الإنجليز، فينغر لم يفشل، فينغر كان يجدف عكس التيار، فينغر كان الأمل الأخير للمكافحين في وجه الرأسمالية الجشعة التي غزت البريميرليغ من روسيا والخليج. هذه الحكاية أفضل وأكثر قابلية للتصديق من غيرها لأنها تلبي الحاجة العاطفية اللحظية لتجنب المناقشات الفعلية، تلك التي تواجه العواطف بالحقائق ولا تُفضي إلى خير أبدا.

 

لذا نحن بحاجة إلى اتفاق آخر الآن، سنتظاهر بأن ليستر لم يفز بالدوري للتو، ثم نتجاهل حقيقة أن توتنهام وليفربول أنهيا الموسم الماضي في مركز أعلى من اليونايتد رغم فارق الإنفاق المهول، وبالطبع ستمنعنا حساسية اللحظة من التنويه إلى أن الفارق بين أرسنال والمتصدر 33 نقطة بينما الفارق بينه وبين مراكز الهبوط 18 نقطة فقط، وأخيرا لن نقول إن في آخر 5 سنوات أنفق أرسنال فينغر على الانتقالات ضعف ما أنفقه تشيلسي تقريبا. ها قد عثرنا على معلومة جديدة لم تسمعها من قبل فعلا، ولكنك -مشكورا- ستتجاهلها حتى تكتمل الصورة الرومانسية غصبا. (3) (10)

  

تلك هي المشكلة. فينغر ناله من السخرية الكثير، أكثر مما يستحق أحيانا، ولكنه في الوقت نفسه لم ينل حصته من النقد أبدا. الجميع يتحدث عن مبادئ الرجل وقيمه التي لا تتزعزع، وهو حديث كان له وجاهة عند نقطة معينة من الزمن، ولكن الجميع تناسى أن كل تلك المبادئ انهارت بسرعة بعد 2013، وعلى مدار خمسة أعوام اكتشفنا أن حال الرجل كان أفضل أثناء عشرية الديون لأنها منحته سببا منطقيا للابتعاد عن المنافسة، ولو استمرت حتى اللحظة لما علمنا أن المشكلة لم تكن في الأموال.

  

التاريخ يكتبه الراحلون

فينغر لم يرحل. تلك هي وجهة نظر عدد من المقربين للنادي على الأقل، الرجل أُجبر على الرحيل لأنها المرة الأولى التي يمر أرسنال بحدث بهذا الحجم دون تسريبات سابقة.  الحقيقة أنها تبدو المرة الأولى التي يمر فيها أرسنال بحدث بهذا الحجم أصلا. إيان رايت يؤكد بأن الرجل يقدس العقود ولن يفسخ تعاقده مع المدفعجية وهو في كامل قواه العقلية أبدا. الحقيقة كذلك أن المؤشرات كانت موجودة ولكنّ أحدا لم يصدقها. سلطة فينغر الإلهية في أرسنال اقتُطعت بتعيين سانليهي وميسلنتات، القراران اللذان لم يتقبلهما فينغر بالشكل الأمثل. (11) (12) (13)

  

سواء صحّت تلك الرواية أو لم تصح، وبغض النظر عن أن فينغر نفسه أكدها لاحقا، فإننا أمام خمس سنوات كاملة على الأقل من الانتهازية والتواطؤ. خمس سنوات كاملة من استغلال الوضع القائم لمجرد أنه قائم. في قرارة نفسه كان فينغر يعلم يقينا أن مجلس الإدارة لا يعبأ بطموحات الجماهير ولا قيمة النادي، ومهما ردد أعضاؤه تلك العبارات في كل مؤتمر صحفي كالعرائس الصينية الرديئة، يعلم يقينا أن أفكارا مثل "سيبقى ما دام يريد البقاء" و"عقده مع أرسنال أبدي" لا يمكنها أن تنتج بيئة عمل ناجحة أبدا. كان يدخل المباريات الكبيرة والصغيرة متأكدا أن الهزيمة بأي عدد من الأهداف أو الفوز بها لن يغير شيئا، وسواء نجح أو أخفق فلن يحاسبه أحد سوى الجماهير، والجماهير ليست سببا كافيا للرحيل، ولذلك استمر رغما عن أنفهم وعن أنف المنطق. (14) (17)

       

   

المشكلة أن صفات مثل انتهازي ومتواطئ ومتآمر لا تبدو وكأنها تنطبق على فينغر. في الواقع فينغر كان مثالا أخلاقيا يُحتذى به بين مدربي العالم عموما ومدربي إنجلترا بالأخص، ولا نتذكر له فعلة قد تثبت تلك التهم عليه أو حتى تمنحنا مؤشرا على أنه قد يفعلها. الحقيقة أن تلك التعبيرات وإن وصفت الوضع من الخارج فهي قد لا تصف ما كان يدور في عقل الرجل فعليا.

   

فينغر كان خائفا، أو بالأحرى مرعوبا. كان يعلم أنه لم يعد قادرا على التطور ومواكبة التغيرات، والأهم أنه كان متأكدا أنه عاجز عن التحسن حتى. نحن لا نتحدث هنا عن عدد ألقاب الدوري بعد 2013، بل عن التحسن في المطلق، لأن النجاح لا يقاس بالألقاب فقط حتى وإن أحب خصومه أن يقيسوه كذلك. حتى لفظة خصومه تبدو غير واقعية الآن، لأن عليك أن تكون قادرا على الإيذاء -بالمعنى الكروي- لتمتلك خصوما.

     

شرير الفيلم

ربما يكون هذا هو التفسير المنطقي الوحيد. يصعب تخيل فينغر كشرير الفيلم لأن الأشرار لا يخافون، أو هكذا نعتقد، بل غالبا هذا هو ما يفسر موجة التعاطف العالمية التي حظي بها بمجرد إعلان رحيله. فيرغسون تحدث عن أن قدرة فينغر على البقاء طول هذه المدة هو دليل على احترافية الرجل وقدراته الكبيرة، رغم أن فيرغسون -دونا عن كل الناس- يعلم أن هذا ليس صحيحا بالضرورة، وأنه مع مالك جشع مثل كرونكي كان بإمكان فينغر أن يبقى لخمس سنوات إضافية دون أن يقدم شيئا يذكر، فقط لو لم يكن مشهد المدرجات الخالية يجرح جيب الملياردير الأميركي. (15)

  

الخوف من خوض تجربة جديدة، والخوف من جماهير تطالب بالنتائج جنبا إلى جنب مع الأداء ولا تفهم الحديث الدائم عن الجودة والنوعية. الخوف من تحمل مسؤولية التعاقدات الضخمة مع كل ما يصاحبها من ضغط وقلة صبر ومطالبات بالنجاح الفوري، والخوف من إدارة ترفض الهزيمة بالعشرة من بايرن ميونيخ وبالثمانية من مانشستر يونايتد، أو حتى الخوف من إدارة قد تقبل الهزيمة بالعشرة من بايرن ميونيخ ولكنها قد ترفض الثمانية من مانشستر يونايتد. قارن كل ذلك بما امتلكه فينغر في أرسنال في السنوات الأخيرة من سلطة وسطوة لا ينازعه فيها أحد وستدرك أن الخوف كان مفهوما حتى ولو لم يكن مبررا.

    

  

إن لم تكن قد قضيت الأيام الماضية في كهف فأنت تعلم أن أكثر عبارة ترددت هي "الوداع الذي يستحقه أرسين فينغر"، والحقيقة أنها عبارة مربكة للغاية لأنها تترك الباب مفتوحا على تفسير كل شخص للوداع المستحق نيك هورنبي، أحد أشهر الصحفيين غير المشهورين في اللعبة يتذكر ذلك العدد من الإيفينينغ ستاندارد، العدد الذي صدر عند تعاقد أرسنال مع فينغر في 1996 وصمم هو غلافه الذي زينته عبارته الشهيرة "فينغر من؟" أو "Wenger Who?". بالطبع ناله من السخرية ما ناله لاحقا بسبب تلك العبارة، قبل أن يتحول إلى أحد المدافعين عن الرجل طيلة مسيرته. (16)

  

هورنبي يقول إن الوداع الذي يستحقه أرسين فينغر هو التغاضي عن أخطائه، ولكنه لم يكن ليستحقه لو لم يقرر الرحيل. عبارة مراوغة للغاية ومعبرة جدا في الوقت نفسه، والأهم أنها تحمل مفارقة حزينة أيضا، مفادها أن تقدير ما فعله الرجل مقرون بالتخلص منه، وهي مفارقة لا يُلام عليها إلا فينغر نفسه.

  

الآن سنعقد اتفاقا أخيرا، فينغر سيرحل. هذا الأمر منتهٍ. كل شيء يتضاءل أمام تلك الحقيقة، حتى رغبتنا في إثبات صحة آرائنا أو خطئها، ليس لأنها غير مهمة بل لأن أرسنال -وللمرة الأولى منذ زمن بعيد- صار بإمكانه التطلع للمستقبل. فينغر سيظل بطلا للكرة الإنجليزية لأنها استفادت من عبقريته في البدايات ولم يضرها خوفه وجُبنه في النهايات، أما عن أرسنال فقد يظل الوداع الذي يستحقه أرسين فينغر كيانا مبهما مختَلَفا عليه. ما نعلمه فقط أن الجُبن ليس من سمات الأشرار، ولا الأبطال كذلك.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


آخر الأخبار