انضم إلينا
اغلاق
إنتر ويوفنتوس.. لأن لا أحد يحب الأبيض والأسود

إنتر ويوفنتوس.. لأن لا أحد يحب الأبيض والأسود

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض
الكثيرون في إيطاليا يكرهون يوفنتوس، بالطبع لا نمتلك إحصائية موثقة ولكن يمكننا أن نقول ذلك بضمير مستريح. في الواقع أي فريق فائز مكروه بالضرورة، أي فريق يسيطر على البطولة المحلية لست سنوات مكروه بالضرورة حتى ولو كان يوزع أفضل لاعبيه مجانا على منافسيه.

     

القاعدة تقول إن ثمة علاقة طردية بين موقعك في الجدول ودرجة تركيز الخصوم على الأخطاء التحكيمية التي تستفيد منها. لن تشاهد أبدا من يتحدث عن ركلة جزاء غير مستحقة حصل عليها أتليتكو مدريد في الدوري مثلا، أو هدف من تسلل سجله موناكو في دوري الأبطال. هذه حرائق صغيرة يتم إخمادها سريعا ولا يهتم بها أحد.

  

لأن لا أحد يعلم

عقب هزيمة نابولي دخل ألليغري مؤتمره الصحفي بعصبية لم نعتدها، هو نفسه قال للصحفيين إنهم قادرون على إخراج رجل صبور مثله عن شعوره. الرجل الذي تلقى الخروج أمام ريال مدريد بمنتهى الهدوء فقد أعصابه أخيرا. اليوفي لم يتراجع لهذه الدرجة هذا الموسم، بل إن نابولي هو الذي شهد تطورا كبيرا في ترجمة أدائه إلى انتصارات، وحتى لو لم تكن تلك هي الحالة فيكفي أن تضع نفسك مكان الرجل لتدرك سبب عصبيته. لقد اعتاد على إنهاء الدوري في منتصفه تقريبا والتنزه لباقي الموسم، والآن هو يجد نفسه متفوقا بنقطة وفارق الأهداف على بُعد أربع مباريات من النهاية، ولا يعلم كيف سينتهي الموسم فعلا. (1) (2)

         

  

خط دفاع جديد تقريبا أمام إنتر، و4-3-3 صريحة ببيانيتش وماتويدي وخضيرة في الوسط، ينحصر فيها دور الثلاثي في السيطرة على منطقة الوسط بأبعادها الحرفية دون كثير من التقدم، وهو بالطبع ما يسمح لألليغري بإجراء الترحيل المعتاد؛ ساندرو وكوادرادو للأمام، وكوستا وماندزوكيتش في المناطق المتوسطة بين الخط والقلب بتغطية مزدوجة من خضيرة وبيانيتش، وبالتالي يمتلك مثلثا متحركا على كل جبهة يتبادل مواقعه بانتظام، ولكن قاعدته دائما جهة مرمى هاندانوفيتش.

          

تشكيل الفريقين وخطة اللعب والتقييم الرقمي - هوسكورد (مواقع التواصل الإجتماعي)

    

إنتر فريق مغرق في العادية لدرجة قلما نراها؛ دفاع تقليدي، ووسط تقليدي، وهجوم تقليدي، وأجنحة تقليدية، وحتى أظهرة تقليدية باستثناء بعض فترات من المباريات التي يشارك فيها كانسيلو. كل ذلك يُصهر في بوتقة 4-2-3-1 التقليدية بدورها، ثم تضيف إليه الكثير من العشوائية والارتجال، وتنزع عنه الشخصية والقائد الحقيقي، فتحصل على إنتر 2018، والشيء الوحيد غير التقليدي هو أن كل ذلك يتم برعاية سباليتّي، الرجل الذي لم ينقصه الابتكار فيما نعرف.

       

لا مفاجآت هنا؛ بيريشيتش هو أخطر لاعبي إنتر لذا ينطلق في أكثر من نصف هجماته من تلك الجبهة - هوسكورد (مواقع التواصل الإجتماعي)

   

يسير كل شيء كما كان مخططا له. ألليغري مرغم على الهجوم في البدايات كالعادة، أو على الأقل حتى تسجيل الهدف الأول، وكالعادة يناله في توقيت مثالي، وكالعادة يأتي الهدف من أحد تجليات خطته الموضوعة سابقا؛ كوستا يسجل من منطقة متوسطة بين الخط والعمق وبوجود ماتويدي في القلب وساندرو كرأس المثلث للتأمين، والسبب الوحيد أن أحدا لم يكن يشغل الخط هو أن العرضية أتت من الجهة المعاكسة، من قدم كوادرادو تحديدا، وبما بدا أنه تمريرة في منتصف الطريق من رأس ماتويدي وكوستا في موقع متسلل، أو ربما كان مجرد تمويه، لا أحد يعلم إلا أورساتو حكم المباراة الذي اضطر لمراجعة الفيديو قبل أن يحتسب الهدف.

     

خطر آمن

لم يظهر إنتر بعد، لا جمل ولا تحركات سابقة الإعداد ولا شيء إلا المجهودات الفردية أمام تنظيم ألليغري المحكم دفاعا وهجوما. خمس دقائق إضافية ثم يقرر حكم المباراة منح الجميع السبب الأول للغضب حتى ولو لم يكن الغضب منطقيا. إنذار فيتسينو يتحول إلى طرد بعد مراجعة الفيديو مجددا والجميع ينفجر في نوبة هيستيرية من الاعتراض، ليس فقط لأنه ديربي إيطاليا، وليس فقط لأن إنتر يصارع باستماتة على موقع مؤهل لدوري الأبطال، ولكن لأن الجميع دخل المباراة متحفزا في انتظار أول خطأ تحكيمي يسمح بتفريغ كل هذا الغضب.

  

شوط أول ليوفي بامتياز، ولكن ألليغري يستمر في مراهنته الخطيرة التي كثيرا ما تبدو آمنة لأنه يجيدها. الرجل يواجه فريقا مهلهلا بالمعنى الكروي والذهني للكلمة، ويلعب بعشرة لاعبين وبلا أنياب من أي نوع ومع ذلك يلجأ إلى الدفاع في انتظار أخطائه، الأمر الذي قد يكون مقبولا لو كانت النتيجة 2-0 مثلا، باعتبار أن هناك ثلاث مباريات أخرى مرهقة تنتظره ولا داعي لمزيد من الإصابات أو الإجهاد، ولكن أحد الأمور التي تتجلى فيها تناقضات اللعبة بوضوح؛ التراجع يلغي المساحات، وإلغاء المساحات يلغي السرعات، وإلغاء السرعات يلغي المفاجآت غالبا، ومع ذلك ما زلت قابلا لتلقي هدف من أكثر اللعبات بدائية وبساطة.

      

اليوفي قضى في ثلث إنتر الدفاعي مرة ونصف الوقت الذي قضاه في ثلثه الدفاعي ولكنه تلقى الهدفين أثناء التراجع - هوسكورد (مواقع التواصل الإجتماعي)

   

الأهم أن تراجع ألليغري أراح سباليتّي من صداع كاد يفتك برأسه طيلة الشوط الأول، لأن الضغط المتقدم الذي اعتمده الأول، ورغم كونه يتطلب جهدا أكبر من المعتاد، فإنه نجح في استغلال عجز النيراتزوري المعتاد عن التدرج بالكرة من الخلف. حينها كان أمام ألليغري خيارا من اثنين؛ إما الاستمرار في محاولة استخلاص الكرة في نصف ملعب إنتر واستثمار غياب فاليرو وطرد فيتسينو وفي الوقت نفسه المخاطرة بمنح بيريشيتش فرصة في المساحات خلف كوادرادو، وإما إيثار السلامة ومنح كوستا الفرصة لتجربة حظه في المساحات نفسها خلف كانسيلو، ولو كنت قد شاهدت مباراتين فقط من مسيرة ألليغري لأدركت أي خيار ذهب إليه.

    

النتيجة أن إنتر استطاع الصعود أخيرا، وللمرة الأولى رأينا رافينيا وبروزوفيتش يكملان عدة تمريرات صحيحة أمام منطقة جزاء يوفنتوس بدلا من تمريرات خاطئة أمام منطقة جزائهم، وبعد ذلك أتت محاولات الاختراق والمراوغة من على الأطراف، ثم تلتها الركلات الحرة والركنيات ومن إحداها سجلت الأفعى الأرجنتينية هدفها السابع والعشرين في 31 مباراة في الدوري. (3)

     

تمريرات إنتر ويوفي في بداية الشوط الثاني وحتى تسجيل أصحاب الأرض للهدفين - هوسكورد - (مواقع التواصل الإجتماعي)
   
أسباب للغضب

خمس دقائق أخرى شبيهة بتلك التي مرت بين هدف كوستا وطرد فيتسينو، عقبها لقطة المباراة الأبرز فيما بدا وكأنه انتقام بيانيتش الخاص من رافينيا، ربما لأنه بدأ يشكل خطورة ما، أو ربما لأن بيانيتش لا يجيد الدفاع والرقابة بحكم كونه صانع لعب، أو ربما لأن سوء حظ رافينيا قاده إلى الوجود حينها في تلك البقعة تحديدا. المهم أن بيانيتش لم ينل طردا مستحقا، والأنكى أنه لم يكن بحاجة إليه لكي يخرج من الملعب لأنه كان يمتلك إنذارا في جعبته منذ البدايات.

      

الآن نحن مضطرون للقيام بما يقوم به مشجع الكرة التقليدي بعد لقطة كتلك، والخيارات التي نمتلكها هي:

1-     التظاهر بأن هناك سببا آخر لخروج الدقائق الأخيرة من المباراة بهذا الشكل، أو ما يُعرف في علم النفس بالـ "Blame Shifting" أو تغيير وجهة اللوم، (4) ومن ثم اعتبار المشكلة في كون سباليتّي قد حاول أن يدافع بعد أن فاز وهو منقوص، أو في هاندانوفيتش لأنه اكتفى بإنقاذ هدفين محققين ولم يتوقع أن تنحرف كرة كوادرادو بهذا الشكل وهذه السرعة، ولم يتوقع أن يكون هيغوايين بلا رقابة في منطقة الياردات الست في كرة ثابتة، لدرجة أنه لم يحتج إلى القفز حتى لتسجيلها، أو الدفاع الذي سمح لهيغوايين بتسجيل هدف من الياردات الست من كرة ثابتة دون أن يحتاج حتى إلى القفز. المهم أن نصل إلى خلاصة أن إنتر يحتاج إلى الفوز وهو منقوص ولا يرتكب لاعبوه أو مدربه خطأ واحدا طيلة 90 دقيقة ليستحقوا العدل، والأهم أن عليهم تسجيل عدة أهداف في مباراة كتلك احتياطا، حتى لا تؤثر أي أخطاء على النتيجة.

   

2-     تفسير 33 بطولة دوري وعقود من التفوق المحلي بفارق يقارب ضعف أقرب منافسيه بهذه اللقطة.

   

  

الحَكَم كالحَاكِم، والتعامل معه غالبا ما يتم من ثنائية القهر المعتادة؛ إما الخضوع التام وتفريغ الغضب في أي شيء آخر، وإما التواكل التام واعتباره سببا لكل شيء بما في ذلك الاحتباس الحراري. ليست هناك أي خيارات أخرى، والجميع مصمم على تغذية هذا الوضع بانتظام لأن الجميع يراهن على أنه سيكون أكثر المستفيدين في النهاية، إما مباشرة عن طريق الأخطاء لصالحه، وإما بادعاء المظلومية الدائمة.

  

بالطبع نجحت مراهنة ألليغري الخطيرة التي كثيرا ما تبدو آمنة فقط لأنه يجيدها، وسجل يوفنتوس هدفين في آخر الدقائق عندما عاد للهجوم مجددا، ليصدّر الضغط والإحباط والانهزام النفسي لمدينة نابولي بأكملها قبل اللقاء الصعب مع فيورنتينا في الأرتيميو فرانكي، وهو خيار ثالث يمكنك أن تذهب إليه إن لم تكن تفضل أيا من الخيارين السابقين؛ أن تتعامل مع سير المباراة وكأنه كان حتميا بغض النظر عن أي تفاصيل.

  

الكثيرون في إيطاليا يكرهون يوفنتوس، وهي دائرة مفرغة في الواقع، لا يوجد بطل محلي واحد في العالم لا يعتقد مشجعوه أنه مكروه لأنه يفوز، ولا يوجد بطل محلي واحد في العالم لا يعتقد مشجعو خصمه أن التحكيم لا يساعده كي يفوز، وهي دائرة ستظل مفرغة للأبد فيما يبدو لأن أطرافها مصرون على إلغاء كل مساحات الرمادية التي غالبا ما تقع الإجابات فيها، فقط هناك أبيض وأسود، ولا أحد يحب الأبيض والأسود كما تعلم.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


آخر الأخبار