هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
هل دمَّر بايرن ميونيخ الكرة الألمانية؟

هل دمَّر بايرن ميونيخ الكرة الألمانية؟

أحمد أباظة

محرر رياضة
  • ض
  • ض

بايرن ميونيخ لا يملك منافساً في ألمانيا سوى بوروسيا دورتموند، إنه الكلاسيكو الألماني، وأهم مباراة في البوندسليغا، بايرن أفضل وسيفوز، لكن دورتموند لن يكون أبداً بالخصم الهين.. هي أقوال اقتبست في ضوء فترة يورغن كلوب حين بلغ أسود الفيستيفاليا ذروتهم، أو في بدايات توماس توخيل الجيدة، أو ربما في الترنح النسبي الذي شهده البافاري مع كارلو أنشيلوتي، ولكن الحقيقة التي أظهرتها المباراة الأخيرة هي: 6-0 دون مجهود يذكر..
      

كل منافسةً محتدمة وكل ديربي أو كلاسيكو كبير يظل مباراة كرة قدم في نهاية الأمر، بكلمات أخرى يظل عرضةً لحدوث مثل تلك النتائج الكبيرة، ولكن الواقع يقول إنه في آخر 15 مباراة على مر آخر 4 مواسم بجميع المسابقات، بوروسيا دورتموند انتصر 4 مرات (منها واحدة بركلات الترجيح)، مقابل 10 انتصارات للبافاري (2 بركلات الترجيح) وتعادل وحيد. هذا ما يمكن تسميته بـ"مُناطح بايرن ميونيخ".

      

       
أكثر من مجرد سداسية

فاز يوب هاينكس بثلاثية 2013 الشهيرة ثم اعتزل، مر الفريق بتجربة جديدة مع بيب غوارديولا لـ3 مواسم أسفرت عن 3 ألقاب سهلة للبوندسليغا و3 إقصاءات من المربع الذهبي لدوري أبطال أوروبا، رحل الفيلسوف الإسباني وحل الإيطالي كارلو أنشيلوتي بدلاً منه، لتتراجع الحصيلة إلى ربع النهائي ونفس لقب الدوري الأزلي مع بزوغ منافسةً جديدة غير متوقعة من جانب لايبزيغ(1)، ترنحت النتائج مطلع هذا الموسم إلى أن بلغت الأمور ذروتها بالخسارة 3-0 على يد باريس سان جيرمان في دور المجموعات الأوروبي، فسقط دون كارلو(2) ليعود هاينكس من جديد. خرج الرجل من الثلاجة ليحسم الدوري عملياً ويضع الفريق -نظرياً- على أعتاب نصف نهائي دوري الأبطال، وكأن الأمر بتلك السهولة حقاً..

   

على الجانب الآخر في دورتموند، تسلم النمساوي بيتر شتوغر تركة مهترئة من الهولندي بيتر بوش في العاشر من ديسمبر الماضي، فريق في المركز السابع بـ22 نقطة من 15 مباراة، لم يحقق أي انتصار في آخر 8 مباريات بالدوري، ودع دوري الأبطال وانتقل للدوري الأوروبي من مجموعته التي ضمت ريال مدريد وتوتنهام، ولكن شتوغر حسَّن تلك الأمور نسبياً، ليجمع 26 نقطة في 13 مباراة لاحقة ويقفز بالفريق إلى المركز الثالث، في موقف جيد نسبياً بصراع المربع الذهبي المؤهل للأميرة الأوروبية.

  

بصرف النظر عن الفشل المريع في الدوري الأوروبي، بتوديع دور الـ16 على يد فريق مثل سالزبورغ، إلا أن الاختبار الحقيقي لتلك الصحوة لا يكون إلا أمام فريق بحجم البافاري، يملك الرجل أعذاراً مقنعة للخسارة بشكل مبدئي، فغيابات بحجم رويس وكاغاوا ودورم وروده وتوبراك ويارمولينكو كفيلة بعرقلة أي فريق، ولكنها ليست كافية أبداً ليظهر بوركي وبيتشسك وسوكراتيس وشملزر وكاسترو وغوتزه وشورله كمجموعة من أطفال المدارس.

        

     

إن كان هناك ما يمكن إلقاء الضوء عليه في مباراة فاز بها بايرن من الوضع واقفاً، فهو أدوار الثنائي توماس مولر وخاميس رودريغيز كلاعبي وسط أمام خافي مارتينيز، قدم الأول لاعب وسط ومهاجم ثاني في لاعب واحد، وقدم الآخر مستوى عظيم على صعيد التحركات واللمسات كصانع لعب متأخر، المشكلة أن هذا ليس مركزهما الأساسي، وأن هذا المركز -الذي يغيب عنه أرتورو فيدال للإصابة- يضم تياغو ألكانترا وكورنتين توليسو وسيباستيان رودي، وينضم إليهم جميعاً ليون غوريتسكا في الصيف! في حقيقة الأمر باتت الفجوة أعمق من أن تُلصق في غيابات دورتموند..

   

لأجل المصلحة العامة

أول انطباع قد تأخذه عن الدوري الألماني هو نظرية القطب الواحد غير القابل للمنافسة، كونه الفائز بآخر 5 ألقاب وعلى بعد نقاط قليلة من السادس، عادةً ما تكون الصورة النمطية خادعة، ولتحطيمها قد تستدعي دورتموند "كلوب" أو فولفسبورغ "ماغاث" أو شتوتجارت "أرمين فيه"، ولكن حين تقول الحقائق أنه في آخر 40 عاماً فاز بايرن بالدوري 22 مرة (من أصل 27 في تاريخه) مقابل 18 للفرق الأخرى مجتمعة، فلا يوجد ما هو أصدق منها الآن.

   

الفارق واضح، فحتى وإن عاش يوفنتوس في إيطاليا أو ريال مدريد وبرشلونة في إسبانيا أو مانشستر يونايتد في إنجلترا فترات مشابهة في السيطرة على بطولة الدوري المحلي، ولكن أحدهم لم يفرض سطوة مشابهة في العصر الحديث على أي من الأصعدة، سواء عدد الألقاب المحلية أو الاحتكار الشامل لأي موهبة يريدها في أي نادٍ مجاور، هذه حقيقة، لا أحد في ألمانيا يمكنه أن يقول لا لبايرن ميونيخ بشكل قاطع، هو فقط سيحصل على من يريده ولو بعد حين.

   

ولكن وفقاً لتقرير صحيفة "إيكونومست"(3)، فإن نشوء مثل تلك الحالة من الاحتكار هو أمر يُعَد مفاجئاً في ظل القوانين الألمانية الحالية والتي صدرت في التسعينات، حين أصبحت ملكية أندية البوندسليغا -جبرياً- في يد المشجعين بشكل حصري، حتى تعديلات تلك القوانين عام 1998 التي شهدت إجازة بيع الأسهم للأفراد والمؤسسات، اشترطت قاعدة (50+1) لتضمن بقاء الحصة الأكبر من تلك الأسهم في يد المشجعين.

    

مناخ يحمي الأندية بوضوح من الاستثمارات الخارجية ولكنه في طياته يحمل أثراً عكسياً خالصاً، إذ أنه وببساطة يُمكِّن أي نادٍ يملك مصادر كبرى للدخل من محو منافسيه بسرعة قياسية. وهذا ما يُرجعه التقرير إلى منتصف السبعينات، فبوجود بايرن في بافاريا الصناعية وهي واحدة من أغنى مناطق ألمانيا، وبملعب -الملعب الأولمبي في ميونيخ آنذاك قبل إنشاء أليانز أرينا عام 2006- تبلغ سعته ضعف سعة أقرب المنافسين وقتها بوروسيا مونشنغلادباخ، لم يكن الأمر حقاً سوى مسألة وقت.

   

حصل بايرن على الثلاثي فرانز بيكنباور وأولي هونيس وجيرد مولر، ثلاثة من ألمع مواهب ألمانيا الشابة من ناشئ  الأندية الأخرى، قادوا منتخب بلادهم لكأس العالم 1974 رفقة ثلاثي آخر من لاعبي بايرن، بالإضافة لثلاثية دوري الأبطال المتتالية بين عامي 1974 و1976. ومنذ ذلك الحين فاز بايرن بأربع أضعاف ما حققه أي نادٍ آخر من البطولات المحلية. يعود الأمر ذاته ليطل علينا من جديد في كأس العالم 2014، فبانتقال ماتس هوميلس مدافع بوروسيا إلى صفوف العملاق البافاري، يصبح هو اللاعب رقم 8 من التشكيل الأساسي المتوج بالمونديال الذي يلعب في صفوف بايرن، وبالفعل كان 6 منهم يلعبون لبايرن وقت التتويج.

  

تشكيل ألمانيا المتوج بكأس العالم 2014: اللاعبون باللون الأصفر لعبوا لبايرن لحظة النهائي، اللاعبان باللون البرتقالي سبق لهما أو لعبا له لاحقاً، اللاعبون باللون الأبيض هم من لم يلعبوا في بايرن (الجزيرة)

        

قد يكون هذا مفيداً للكرة الألمانية على الصعيد الدولي، شأنها شأن إسبانيا حين توجت بكأس العالم 2010 في حضور 7 أساسيين من برشلونة، بالإضافة لحصولها على ممثل قوي ودائم بدوري أبطال أوروبا، ولكن هل يفيدها محلياً؟ في الداخل لا يبدو الأمر مشكلة حقيقية، فبقية الأندية متكيفة مع الوضع، كما بلغ متوسط الحضور الجماهيري لمباريات البطولة 43 ألف متفرجاً -الأعلى بين الدوريات- في موسم 2015-2016، المشكلة الحقيقية -بحسب التقرير ذاته- هي في الخارج، فقد أفادت فوكس سبورتس -الناقل الرسمي في الأمريكتين- أن معدلات المشاهدة أتت محبطة للغاية، وهو ما يعكس مدى ضآلة القيمة التسويقية للبوندسليغا خارج الحدود المحلية، إن قورنت بتلك المبالغ التي تُدفع لأجل البريميرليغ.

   

بين ثنايا المستقبل

حقق بايرن تلك السيادة المحلية بفارق مريح في الوقت الحالي، دون أن تسديه المنظومة أي خدمات مباشرة تقريباً، فعلى العكس تماماً يتبع الدوري الألماني نظاماً عادلاً في توزيع عوائد البث التليفزيوني المحلي، بفوارق أقل بين فرق الدوري شأنه شأن البريميرليغ، وعلى النقيض الكامل من الليغا التي ينال فيها ريال مدريد وبرشلونة نصيب الأسد.

      

على سبيل المثال يوزع الدوري الإنجليزي أمواله يجعل الفارق بين الأول والأخير (1.6:1)، بناءً على التوزيع المتساوي لـ50% من الحقوق المحلية، و25% على أساس المركز الذي أنهى فيه موسم واحد هو موضع التقييم، و25% بناءً على عدد المباريات التي تم بثها لكل فريق دون تفرقة، فيما يتم توزيع العوائد الدولية كلها بالتساوي.(4)

  

أما عن البوندسليغا فإن الوضع يسير بشكل جيد على الصعيد المحلي في ظل الخطة الجديدة ذات المعايير الأربعة: 70% بناءً على أداء المواسم الخمسة الأخيرة (وهو ما يفسر حلول لايبزيغ وصيف المسابقة في ذيل قائمة الأرباح)، و23% للتواجد في منطقة معينة من المراكز (ينطبق الأمر على الدرجتين الأولى والثانية لكل 6 مراكز متتالية، فمن الأول للسادس وهكذا وصولاً للفريق رقم 36)، بالإضافة إلى 5% بناءً على الاستمرارية على مر آخر 20 عاماً وهو ما قد يستفيد منه شتوتغارت مثلاً بطل الدوري عام 2007، وأخيراً 2% لإشراك الشباب الألمان تحت سن 23 عاماً.(5)

   

  

تكمن المشكلة في العوائد الأوروبية والتي يتم توزيعها في المقام الأول على الفرق المشاركة في البطولات الأوروبية، ما يجعل فارق المعدل في نهاية الأمر يبلغ (3.2:1) كما حدث في نهاية الموسم الماضي، معدل أقرب لليغا منه إلى البريميرليغ، ولكنه ليس مرشحاً للاستمرار في ظل منح مميزات أخرى للأندية الأصغر بخطة التوزيع الجديدة.

  

اختصاراً، حتى لو تم تعديل هذا التوزيع أيضاً، بل وحتى لو نال الجميع أموالاً متساوية، سيظل بايرن الأقوى دخلاً وتاريخاً وسيظل الأكثر اجتذاباً لكل نجوم المسابقة، بكلمات أخرى.. لا يمكن إسقاط بايرن ميونيخ قبل أن يسقط هو من الداخل. حين يبلغ البافاري ذروة قوته لا يوجد من يمكنه الوقوف أمامه، بينما يقدر هو على سحق أي منافس يصل لقمة قوته الممكنة داخل الملعب وخارجه، وها هو دورتموند وغيره أمامنا الآن، غوتزه وليفاندوفسكي وهوميلس، زوله ورودي وغوريتسكا، والقائمة لن تنتهي.

    

سيتطلب الأمر تعاملاً جيداً مع الزحام الكبير في خط الوسط، والذي سيعني حتماً التضحية إما بصفقات الموسم الماضي مثل رودي وتوليسو

يكفي أنه وفي ظل هذا التخبط الذي عاشه مطلع الموسم، وبدون أفضل حارس في العالم مانويل نوير طوال المسابقة، لا زالوا هنا دون أن تشعر بحجم هكذا غياب. على بعد مجرد نقطتين من حسم اللقب رسمياً والتفرغ لنزهة ربع نهائي الأبطال أمام إشبيلية ثم نهائي الكأس أمام ليفركوزن، لا تبدو ثلاثية جديدة مع هاينكس أمراً مستبعداً على الإطلاق، ولكن على النقيض وفي ظل إصرار الألماني العجوز على الاعتزال، سيحدد اسم المدرب القادم الكثير بشأن المرحلة المقبلة، وما سيمكنه تحقيقه مع القائمة الحالية وكيفية تعامله مع مشكلاتها.

   

ربما وفَّر هاينكس مهاجماً بديلاً بتعاقده مع ساندرو فاغنر في يناير، ليسدل الستار على فترات الحيرة حال إصابة ليفاندوفسكي، لكن لا تزال أعمار الجناحين الأساسيين آريين روبن وفرانك ريبيري -ناهيك عن تاريخهم مع الإصابات- أمراً مقلقاً، بجانب تمتعهم بنفوذ قوي أمام الإدارة وفي غرفة الملابس، ولكن شئنا أم أبينا فإن نهاية تلك الرحلة باتت أقرب مما مضى، وهما قيمتان لن يسهل تعويضهما بأي حال.

   

أيضاً سيتطلب الأمر تعاملاً جيداً مع الزحام الكبير في خط الوسط، والذي سيعني حتماً التضحية إما بصفقات الموسم الماضي مثل رودي وتوليسو، وإما بأحد الكبيرين إفساحاً للمجال أمام غوريتسكا، تياغو أليكانترا أو أرتورو فيدال، في تلك الحالة قد يكفل بايرن خياراً مستقبلياً جيداً، ولكنه سيتخلى في الوقت الحالي عن واحد من أفضل لاعبي الوسط بالعالم. على الرجل الجديد أياً كان أن يأخذ هذا الأمر في حسبانه، وإذا حدث فإنه لا يبدو سقوطاً قريباً للبافاري أو أي أمل في عودة المنافسة للحياة في ألمانيا، فمهما كانت قوة من يحاول مقارعة الطوفان الأحمر، لا سبيل للإطاحة به دون أن يبدأ هو في الترنح، فقط علينا أن نتذكر دائماً.. "بايرن فان خال" هو أحد أهم شروط حدوث "دورتموند كلوب".

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار