هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
كرة القدم.. أكثر من مجرد لعبة.. أليس كذلك!؟

كرة القدم.. أكثر من مجرد لعبة.. أليس كذلك!؟

أحمد مجدي رجب

محرر رياضة
  • ض
  • ض
«أكثر من مجرد لعبة!» .. «أكبر من مجرد نادي!» .. «أعظم من مجرد لاعب!» .. رغم دلالة هذه الكلمات وغيرها على التأثير الكبير للعبة كرة القدم في حياة متابعيها، إلا أنها تحمل قناعة ضمنية بنوع من التعالي على فكرة «اللعب». إذ أنها ليست مسألة حياة أو موت. والأدوار التي تلعبها أنشطة أخرى في العالم، تفوق في أهميتها دور اللعب. المعماريون مثلاً يرون أنهم مصممي الكون، ومشكلي الفراغات. الأطباء ينقذون الحيوات. المعملون هم بناة العقول. بينما يرى أريغو ساكي أن «كرة القدم هي أهم الأشياء غير الهامة».

     

ربما لا يصمد نشاط اللعب أمام تلك النشاطات الأكثر أهمية عند المقارنة، لكن المقارنة تطرح أسئلة هامة. فلو كان اللعب غير هام، فلماذا يبدأ الأطفال في استكشاف العالم عن طريق ألعابهم؟ فعند الطفل، يأتي اللعب في أهمته تاليًا للحاجات الأساسية والتي هي كنف الأهل والطعام والشراب والتنفس. وإن كان العمل أهم، فلماذا كل هذه الأموال المنفقة على الألعاب؟ لماذا يهرب الناس بعد عناء يوم طويل إلى المقاهي من أجل اللعب؟ هل تمثل ألعاب الأجهزة الإلكترونية الذكية نوعًا من التفاهة المطلقة مثلاً؟

  

الحقيقة أن اللعب هو الفارق الأهم بيننا وبين الروبوتات. هذا النشاط الذي لا طائل منه هو ما يقف حاجزًا بين روح الإنسان والحيوان وبين أسلاك الكمبيوتر الصماء. النباتات لا تلعب، والجمادات كذلك والآليون والآميبا. لكن صغار القطط والطيور والأطفال يلعبون. وكذلك البالغون يلعبون؛ الأصحاء منهم والمرضى. وكأن اللعب دلالة على وجود الروح بشكل من الأشكال. والحقيقة هي أن اللعب يمكنه أن يشبع مساحات في النفس الإنسانية، ربما لا تستطيع النشاطات (الجادة) أن تشبعها. وهذا هو موضوع كتاب «الألعاب والبشر»[1] لمؤلفه الفرنسي «روجيه كايوا» والذي تكلم فيه عن 4 أنواع للألعاب. كل نوع منها يشبع رغبة إنسانية معينة.

      

روجيه كايوا وغلاف كتاب الألعاب والبشر (مواقع التواصل)

          

والأنواع الأربعة هي:

●     Agon: وهي كلمة لاتينية تعني المنافسة. مثل الشطرنج مثلاً كلعبة يفوز فيها الأمهر والأذكى والأكثر كفاءة.

●     Alea: الحظ أو الفرصة .. وهناك العديد من الألعاب التي تقوم بالأساس على الحظوظ التي تمنحها أرقام النرد، وهناك لعبة مثل الروليت.

●     Ilinks: وهي كلمة تصف نوع من الألعاب البهلوانية التي يتحرك فيها الجسم حركات غير اعتيادية، فتصيبه بالدوار أو الدوخة. مثل ألعاب الملاهي مثلاً.

●     Mimicry: التظاهر .. كألعاب الأطفال التي يمثلون فيها أدوار الطيب والشرير .. أو أدوار الأبطال الخارقين .. أو أدوار الوظائف المختلفة .. أو لعبة الغميضة Hide-and-seek.

   

تستطيع العديد من الرياضات في مواقف معينة أن تقف في نقطة تقاطع مساحتين من هذه المساحات الأربعة. هناك مثلاً تلك الضربة الشهيرة لتايجر وودز، والتي أداها في بطولة الأساتذة عام 2005. وفيها استطاع أن يرسل الكرة، في المحاولة الثانية، في مسار شديد الإتقان ومن مسافة بعيدة ناحية الحفرة، وهذه هي المهارة التي تمكنه من التفوق في المنافسة. ثم توقفت الكرة على حافة الحفرة تمامًا لمدة ثانية ترفض السقوط، وفجأة سقطت فيها! وهنا دور الحظ. ربما لو كان العشب أطول قليلاً لتوقفت الكرة تمامًا. وربما لو كان أقصر قليلاً، لانحرفت عن مسارها!

     

   

رياضات أخرى مثل الغطس الأوليمبي، التي يقفز فيها المتنافسون من منصات بارتفاع متر واحد أو 3 أمتار أو 5، تقف في منطة تقاطع الإجادة والدوار. وكذلك تقف رياضة أخرى خطيرة مثل سباقات السيارات. السباحة[2] مثلاً رياضة مملة نوعًا، يفوز فيها صاحب الذراع الأطول والساق الأقوى، ولا مجال فيها للحظ. أما رياضة مثل رمي الرمح أو الرماية بالقوس، يلعب فيها المتنافسون أدوار المحاربون القدماء .. وفي كرة القدم يمكن لهذه الدوائر الأربعة التي وصفها روجيه كايوا أن تتحد، وتهدي العالم تلك الرياضة الأكثر شعبية ومتاعبة عبر السنين.

      

   

الحظ الذي لا يذهب دوما لمن يستحق

الحظ بالتعريف هو حدث عشوائي لا يخضع لقواعد المنطق أو الاستحقاق. وكأنه إله أسطوري لكرة القدم يمنح الأفضلية لمن يريد بلا أسباب. الحظ لا يذهب للمجتهد أو الأكثر محاولة، ولكنه يظهر علينا فجأة ويحسم كل شيء ويختفي فجأة. ويمكن لحدث واحد أن يحسم نتيجة مباراة كرة القدم. خاصة وأنها لعبة معدلات التهديف فيها منخفضة. والتقدم بهدف نظيف في بعض الأحيان يصبح صعب التعويض. والـ 1- صفر كفيلة بحصد النقاط الثلاثة أو التأهل إلى الدور القادم.

  

في كأس العالم 1978 مثلاً، وفي الظهور الأول للمهاجم الإيطالي باولو روسي، أحرز هدفه الأول[3] للأتزوري وفي مرمى منتخب فرنسا. وكان الهدف من خلال كرة ارتطمت أولاً بالعارضة ثم ارتدت منها نحو روسي فسددها نحو المرمى، فارتطمت بأحد زملائه، ثم ارتدت له مرة أخرى واصطدمت به وانتهت في الشباك. إنها سلسلة من الخبطات العشوائية أراد لها الحظ أن تتحول فتصبح الهدف الأول في مسيرة روسي.

     

   

وهذا عكس ما أراده الحظ في نهائي هذه البطولة بين هولندا والأرجنتين. وبعد أن لعب فريق التانجو كل الألعاب النفسية للتأثير على الهولنديين، وصلت المباراة إلى الدقيقة 90 بتعادل إيجابي 1 - 1. وفي لقطة واحدة استطاع روب رينسينبرينك الجناح الأيسر للبرتقالي أن يروض الكرة، وصوبها قبل 25 ثانية فقط من صافرة الحكم، فارتطمت بالقائم مرسلة المنتخبين إلى وقت إضافي حسمت فيه الأرجنتين لقبها الأول بنتيجة 3-1. ربنا هي ميلليمترات قليلة كان يمكن تتزحزح فيها الكرة، وتنجح في حسم الكأس الأول ونهائي كأس العالم الثاني في تاريخ هولندا. ولكن آلهة الحظ في كرة القدم لم تشأ ذلك!

      

     
ڤيرتيغو

ثمة لعبة طفولية تُعرف في مصر وبعض المناطق العربية بـ «دوخيني يا ليمونة». وتقترن اللعبة بأغنية ينشدها الأطفال مع حركتهم الدورانية المحمومة من أجل الحصول على الدوخة. تطورت التكنولوجيا لاحقًا، وتوقف الأطفال عن اللعب في الشارع واتجهوا إلى مدن الملاهي. وشغلت ألعاب الملاهي الدوارة ذات المساحة لاحقًا. بعض الرقصات الصوفية كذلك تقوم على فكرة الدوخة. وكأنها حاجة إنسانية كي يتحرك الجسد البشري بطريقة تخالف المألوف. ليس حركة نحو الأمام أو الخلف؛ بل حركة للأعلى وللأسفل. وحركة شقلبة لا يعتاد عليها المخ.

     

تستطيع كرة القدم أن تمنح هذا الشعور في بعض الأحيان. وتصيغ لقطات أيقونية لا ينساها المتابعون. هناك مثلاً «تصدي العقرب» الشهير للحارس الكولومبي المجنون هيغيتا. والذي يتذكرها الكثيرون في لقاء ودي جمع منتخب بلاده مع منتخب إنجلترا في ملعب ويمبلي عام 1995. وهناك كذلك احتفال جوليوس أجوهووا مهاجم المنتخب النيجيري؛ الذي يتشقلب فيه مرات عديدة متتالية حتى أصبح علامته المنتظرة. ويتذكره الكثيرون في كأس العالم 2002.

     

  

لكن اللقطة التي ينتظرها الجماهير فعلاً هي اللعبة الخلفية المزدوجة. نظرًا لأنها تتخطى حاجز الاستعراض وتصبح أحيانًا هي الوضعية المناسبة لإحراز الهدف. والمثال الأشهر بالطبع هو هدف زلاتان إبراهيموفيتش في مرمى منتخب إنجلترا وحارسه جو هارت. وكذلك هدف ريفالدو بقميص برشلونة في مرمى فالنسيا موسم 2001. أو هدف مصطفى حاجي في مرمى المنتخب المصري بأمم أفريقيا 1998. هناك كذلك ضربة الرأس التي سجلها الهولندي الطائر روبن فان بيرسي في مرمى منتخب إسبانيا بكأس العالم 2014. كل هذه اللحظات اتخذت فيها أجسام لاعبي كرة القدم وضعيات غير معتادة وانتهت بالسقوط على الأرض مشبعة رغبة الأطفال في الدوخة! .. ڤيرتيغو!

     

     

أعظم من مجرد لاعب

في مطلع موسم 1974 وقّع الهولندي الكبير يوهان كرويف عقد[4] الانتقال إلى برشلونة بقيمة وصلت إلى 2 مليون دولار حينها، وهو ما يعادل 13.9 مليون دولار الآن. في تلك الحقبة كان برشلونة في مرحلة تراجع كبيرة، في ظل تقدم لريال مدريد. إذ لم يستطع الكتلان حسم لقب الدوري منذ موسم 1960. واقتصر صعودهم إلى منصة التتويج على 3 مرات فقط منذ ذلك الحين، كانت جميعًا في كأس إسبانيا. ولم يستطع النادي أن يفوز في سنتياغو برنابيو منذ 4 سنوات!

   

وفي الزيارة الأولى[5] لمعقل المنافس التاريخي، استطاع كرويف قيادة فريقه للتغلب بخماسية نظيفة. ويومها نزل الجمهور البرشلوني إلى شوارع كاتالونيا من أجل الاحتفال بفريق شعروا أنه لن يُهزم لأن كرويف فيه. وحسموا الدوري بعد غياب طويل. وكتبت النيويورك تايمز حينها أن كرويف نجح أن يحقق في 90 دقيقة ما عجز عنه رجال السياسة طيلة أعوام.

        

يوهان كرويف مرتديًا شارة كابتن برشلونة (مواقع التواصل)

       

كرة القدم تمنح لاعبيها أحيانًا فرصة لأن يعيشوا حياة غير حياتهم ويلعبوا أدوار البطولة الملحمية. مثل طفل يرتدي زي سوبر مان بالأحمر والأزرق، ارتدى كرويف في تلك اللحظة ثوب البطل الكاتالوني في مواجهة سيادة مدريد. يرى مشجعو برشلونة أن ناديهم «أكبر من مجرد نادٍ»، ويوم التتويج استطاع كرويف أن يكون أعظم من مجرد لاعب!

    

وكرة القدم أكثر من مجرد لعبة، إنها تلك اللعبة التي تستطيع أن تشبع المساحات الأربعة المذكورة في كتاب كايواه. وهو ما يعطي تفسيرًا عن سر الشعبية الجارفة لهذه الرياضة. إذ أنها تشبه الحياة؛ للكفاءة وللحظ فيها أدوار متقاطعة. المجهود شرط أساسي للربح، والتوفيق يذهب في بعض الأحيان نحو اتجاهات لا يمكن التكهن بها. وفي النهاية هي لعبة .. واللعب كما قلنا هو أحد دلائل وجود الروح.

   

يُقال أن العالم عرف قبلها ستة فنون قديمة قبل ظهور السينما، فظهرت هي لتأخذ جزء من كل واحد منهم وتدمجهم معًا وتكون هي الفن السابع. وكذلك كرة القدم المحترفة، وهي لعبة أقل قدمًا بكثير من معظم الرياضات، ولكنها جمعت الدوائر الأريعة لتصبح هي الخامس الجديد .. أو ما يمكن أن نسميه تجاوزًا بـ «الفن الخامس»!

أكثر الأفلام ترشيحا للأوسكار

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار