هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
فرنسا بطلة العالم.. لأن النهايات ليست سعيدة دائما

فرنسا بطلة العالم.. لأن النهايات ليست سعيدة دائما

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

قبل أن تلومنا، نعلم أن العنوان متحيز، ولكن عليك أن تعترف بأن الأمر محير في أقل تقدير، كل الدراسات التي أجراها الأطباء النفسيون أثبتت بما لا يدع مجالًا للشك أن الميل للضعفاء هو طبع بشري أصيل. طبع بشري أصيل بلغت نسبته 88% تقريبًا ممن تعرضوا للتجربة. (1) (2)

 

هناك صورة طريفة انتشرت على مواقع التواصل قبل المباراة تؤكد أن الكرة الأرضية باستثناء فرنسا ستشجع كرواتيا في النهائي. هل هذا منطقي؟ بالقطع لا، على الأقل هذا ما يبدو للوهلة الأولى، وكأن فرنسا تُعاقب لأنها استقبلت المهاجرين وأدرجتهم ضمن مدارس الكرة واهتمت بقطاعات الناشئين ومن ثم كونت فريقًا خارقًا، وكأن كرواتيا، في نفس الوقت، تُكافأ لأنها لم تفعل. (3)

  

 

منطق

كالعادة تفشل كل محاولات إضفاء المنطق على العاطفة من قبل أن تبدأ، ببساطة لأن هذا قدرها، ولكن القصة لا تكون دائمًا بهذه البساطة وإلا ما كان هناك داع للحديث عن النهائي من الأصل، ولا شك أن طريقة ديشان المتحفظة كان لها دورًا كبيرًا في تقليل مؤيديه، فإن لم تكن فرنسا، بكل ما تملكه من مواهب، قادرة على تقديم أداء كبيرًا في كأس العالم، فمن سيفعل؟

 

هل قدم الكروات أداءً كبيرًا؟ هنا تدخل النسبية على الخط لتزيد الأمور تعقيدًا، فالمتوقع من فرنسا لن يكون هو نفسه المتوقع من كرواتيا بحكم فارق الإمكانيات، ثم ما هو تعريف الأداء الكبير أصلًا؟ الاستحواذ؟ صناعة اللعب؟ خلق فرص التسجيل؟ المراوغة وجُمل التمريرات؟ أم من الممكن أن يكون له عنوانًا آخر مثل التماسك الدفاعي والفاعلية الشديدة في المرتدات والكرات الثابتة التي عبرت بالديوك كل الاختبارات، الصعب منها والسهل؟

 

هنا تدخل النسبية على الخط لتزيد الأمور بساطة؛ ففي العموم، الأداء الكبير هو مفهوم نسبي مطاطي لا حدود له، ولكن يختفي كل ذلك عندما تمنحه أمثلة للتطبيق، عندما تقارن ما قدمته فرنسا مقارنة بما تملكه والمثل مع كرواتيا تكتشف أن للأداء الكبير تعريف واحد واضح؛ أن تقدم أقصى ما في وسعك، وحينها يمكنك القول بضمير مستريح أنه أمر لم تفعله فرنسا، وفعلته كرواتيا، وأن العاطفة قد تمتلك أسبابًا منطقية أحيانًا.

   

 

حينها تختفي كل التعقيدات المصاحبة للسؤال، هل المشكلة في التحفظ الدفاعي بحد ذاته؟ بالطبع لا، لأن كرواتيا دافعت باستماتة أمام الأرجنتين طيلة 90 دقيقة وكان هذا منطقيًا، حتى مع فريق مهلهل يمتلك ميسي عليك أن تخشى المساحات، هل تعلم ما ليس منطقيًا؟ أن تدافع فرنسا أمام الأرجنتين بنفس الكيفية وكأنها كرواتيا. الجميع يحب الضعفاء ولكن لا أحد يحب المتظاهرين بالضعف، لا أحد يحب المتظاهرين بأي شيء عمومًا.

 

عدالة
لذا بدت مسيرة فرنسا في المونديال وكأنها تمثيلية كبيرة، مسيرة لا تدفع الناس للسؤال عما إذا كانوا سيفوزون بالمونديال أم لا، بل دفعتهم إلى الانفصال عن تمثيلية ديشان وتخيل ما كان يمكن للفريق أن ينجزه مع مدرب آخر واقعي يلعب وفق إمكانياته فعلًا، أي مباريات ممتعة كان ليقدمها وأي أداء خيالي كان ينتظرهم، وفي الواقع لا شيء يلخص مسيرة فرنسا في المونديال مثل حقيقة أن السؤال الأبرز لم يكن مرتبطًا بالآمال في اللقب بقدر ما كان مرتبطًا في الإحباط من طريقة تحقيقه.

 

 نحن نتحدث عن العناصر الأفضل بفارق واضح عن أقرب المنافسين، نتحدث عن الفريق الأصغر عمرًا والأعلى قيمة سوقية، والأهم أنه الأكثر تنوعًا وقدرة على استيعاب وتنفيذ طرق اللعب المختلفة، رغم ذلك هو مصمم على الادعاء طيلة البطولة؛ كرات طولية يحاول جيرو التقاطها لتوفير عملية البناء المرهقة وتجنب مخاطر الضغط المبكر من الخصوم، ومرتدات كان بطلها السرعة، وكأن ديشان كان يلعب لعبة غير عادلة مع خصومه، تقضي بأن يجلس في قارعة الطريق مع المنتخبات الصغيرة ليتسول المساحات والأخطاء، وكأنه واحد منهم. (4) (5)

 

الفارق الوحيد بينه وبينهم أن مرماه يحميه أومتيتي وفاران وليس فيدا ولوفرين، وأمامهما يقبع كانتي لا بروزوفيتش، ومرتداته يقودها مبابي وغريزمان لا ريبيتش وماندزوكيتش، وكأنه يتسول في مكتب فخم بديكور رائع ويمنح المتبرعين هدايا قيمة لقاء تبرعاتهم، وفي نهاية اليوم يحصل على الكأس ثم يقود سيارته الفارهة للمنزل ليحتفل بحصوله على لقب أعظم متسول في التاريخ.

   

  

إن فكرت في الأمر فستكتشف أن أسطورة ديشان تشبه أسطورة المتسول المليونير الذي يمتلك عدة بنايات في أرقى أحياء المدينة، والذي احترف التسول لأنه الأكثر ربحًا أو لأنه أدمنه أو لأي سبب آخر. مباراة النهائي كلها ليست سوى قصة أخرى من قصص الملاكم الذي يلعب في وزن أثقل من وزنه كما أسماها ديفيد هايتنر من الغارديان. (6) ستظل تلك القصص رائعة ملهمة للأبد أيًا كانت نتيجتها تقريبًا ومادام البطل قد تمسك بالحد الأدنى من الجدية والاجتهاد، وبالمثل ستظل قصة الملاكم الذي يتظاهر بقلة الحيلة ليلعب في وزن أقل، قصة جوفاء بلا دروس ولا ذكرى تبقى سوى النتيجة.

 

استحقاق

نعم نعلم أن الدفاع له متعته، ونعلم أن المتعة غير مقصورة على الهجوم والاستحواذ والمبادرة وصناعة اللعب، يمكنك أن تشاهد كل ذلك في طريقة خروج الأتليتي بالكرة تحت الضغط أمام برشلونة مثلًا، أو استبسال دفاع بيرنلي وهو يكافح للحفاظ على نظافة شباكه أمام مانشستر يونايتد، لأن نصف المتعة في الإثارة، وكل الإثارة في الاحتمالات، والاحتمالات تبقى مفتوحة بين الأتليتي وبرشلونة أو بيرنلي ومانشستر يونايتد لأن فارق الإمكانيات قد تعوضه أفضلية المساحات، وقد لا تفعل.

 

أما أن تبني جدارًا حديديًا من أومتيتي وفاران ولوكاس وبافار وتضع أمامه كانتي وبوغبا وماتويدي فهي لعبة مملة نتائجها معروفة في 99% من الحالات، خاصة عندما تضيف لكل ذلك سباقات سرعة محسومة مسبقًا لصالح مبابي وغريزمان في المرتدات، ويتحول الأمر كله إلى نزهة لصيد البط، أو ما أسماه كلوب بمعضلة القوس والسهم والبازوكا. (7)

   

 

هل ينتقص كل ذلك من استحقاق ديشان وفريقه للقب وأحقيتهم به عن كرواتيا؟ بالقطع لا، ولا درجة واحدة، هنا يجب رسم الخط الفاصل بين ما هو منطقي وما هو قانوني، ديشان نجح في مهمته ولاعبيه كذلك، والقانون لا يعاقب على القوة المفرطة ولا على استخدام أسهل الطرق وأقصرها للمكسب، فقط الجماهير تعاقب على ذلك، إن لم تكن فرنسية بالطبع.

 

إذن ما المشكلة؟ المشكلة أن الأمر محير وعليك أن تعترف بذلك؛ العالم كله تقريبًا شجع كرواتيا ضد فرنسا، ولكنه لم يكن يعاقب فرنسا لأنها استقبلت المهاجرين وأدرجتهم في مدارس الكرة واهتمت بقطاعات الناشئين ومن ثم كونت فريقا خارقا، بل كان يعاقبها لأنها لعبت أمام كرواتيا وكأنها لم تفعل كل ذلك، وفي نفس الوقت، كان يكافئ كرواتيا لأنها لعبت أمام فرنسا وكأنها قد فعلت.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار