هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
هل استفاد كأس العالم من حكم الفيديو فعلا؟

هل استفاد كأس العالم من حكم الفيديو فعلا؟

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

دعنا نتفق أن حكم الفيديو سيظل قضية خاسرة حتى ينجح، بمعنى أنه سيلقى كل المقاومة الممكنة حتى يتحول لأمر واقع، وحتى تتحسن طريقة عمله، وحتى يُختصر الوقت المستهلك في تنفيذه. لسنا بحاجة لأمثلة من خارج اللعبة للتدليل على كل ذلك، فقط تخيل لو كانت تقنية خط المرمى Goal Line Technology تُدار بشكل بشري في بداياتها مثل حكم الفيديو، وأنها لم تكن تعتمد على حساس مغناطيسي تُزود به الكرة ويجعل صحة القرار غير قابلة للنقاش. تخيل لو كانت اللعبة الواحدة تستغرق عدة دقائق مثل مراجعة الفيديو، قطعًا كانت لتواجه نفس الاعتراضات رغم أهميتها الفائقة، وقطعًا كنا سنسمع نفس "الهراء" عن متعة اللعبة التي ستصبح الأهداف الوهمية جزءً منها بطريقة ما. (1)

    

أرض معادية

تقنية عمرها بضع سنوات يُقال أنها ستصلح حال لعبة عمرها قرن من الزمن، لا نحتاج لأكثر من ذلك ليتحول كأس العالم إلى أرض معادية لحكم الفيديو، ليس لأن أغلبية الجماهير رفضت التقنية أو لأن التيار المعارض نجح في الترويج لمنطقه، ولكن لأنه كأي أمر جديد كان هناك العديد من التفاصيل التي يمكنها إفشال التجربة قبل أن تبدأ، مثل حقيقة أن حكام الساحة لم يعتادوا مراجعة قراراتهم بهذا الشكل من قبل، ورغم نص القانون على أن لهم الكلمة الأخيرة في كل الحالات المختلف عليها، إلا أن تقنية الفيديو أدخلت عنصرًا جديدًا في المعادلة هو الوقت، ومع توفر الوقت أصبح من الصعب التحجج بسرعة اللعبة أو الحاجة لاتخاذ القرار في ثانية واحدة.

       

      

بهذا فقد حكام الساحة ميزة مهمة، وتلك الأخطاء التي كانت تحدد مصائر بطولات وأندية ولاعبين وتحرق مئات الملايين من الدولارات في لحظة وكأنها لم تكن، صارت قابلة للتعديل والمشاورة لتقليل حجم الأخطاء.

  

ما المشكلة إذن؟ أليست تلك وظيفة الحكم أصلًا؟ تقليل حجم الأخطاء؟ طبعًا الأمر ليس بهذه البساطة، الاعتراف بالخطأ هو سلوك يكاد يكون غير بشري، والدراسات النفسية تؤكد أن الأمر يتجاوز عزة النفس لأن التناقض بين ما نظنه وبين الحقيقة Cognitive Dissonance لا يكتفي بجرح غرورنا، بل يسبب نوعًا من الضغط العصبي، وفي حالة الـVAR فلابد وأن حجم الضغط يتناسب طرديًا مع أثر الخطأ، وأن لقطات مثل هدف متسلل أو ركلة جزاء وهمية ستؤثر على حكم الساحة أو الراية بدرجة أكبر. (2)

    

كل هذا قابل للتجاوز مع الوقت، ووظيفة الحكام كانت ولا زالت تتعرض للقسط الأكبر من الضغوط ولعنات الجماهير، ولكن النقطة الأهم التي لا يدركها الكثيرون أن أغلب حكام المونديال كانوا يعلمون أن كل مشاورة مع حكم الفيديو هي حفرة يحفرونها لأنفسهم بأنفسهم، والسبب أن المونديال سينتهي عاجلًا أم آجلًا وسيعود كل منهم إلى بلده، وكل قرار مصيري راجعه في المونديال وقام بتغييره سيكون سببًا إضافيًا للتشكيك في قراراته عندما يدير مباراة في الدوري الأرجنتيني أو الإيراني أو الدانماركي حيث لا وجود للـVAR  ليراجع أخطاءه.

  

النسخة الأولى

معضلة لا مفر منها ولكنها مهمة في فهم السياق الذي احتضن حالات الفيديو في المونديال، لأن بقاء التقنية كأمر اختياري لا تُجبر اتحادات اللعبة المحلية على تنفيذه حول روسيا إلى مصيدة كبيرة وكأنها اختبار لكشف الكذب، والنتيجة كانت الكثير من المكابرة من كثير من الحكام في محاولة يائسة لإقناع العالم أنه لا يرى ما يراه فعلًا، وفي نفس الوقت لا يمكنك مطالبة جميع دول العالم بتوفير الإمكانيات اللازمة للـVAR في وقت واحد، ببساطة لأن أكثرها لا يستطيع حتى ولو أراد.

        

    

كل ذلك لم يمنع ESPN الأمريكية والغارديان الإنجليزية من تحليل كل قرارات الفيديو في المونديال حرفيًا، بل ومنحها درجة من 10 لتقييم كفاءة التقنية في تقليل الأخطاء. الأولى منحت حكم الفيديو تقييمًا عامًا بلغ 7.26 بناءًا على إجمالي ما اتخذه من قرارات خلال البطولة، أما الثانية فرأت أن هناك 6 قرارات خاطئة أثرت بشكل واضح على مجريات المباريات والبطولة بالطبع، أولها كان احتساب ركلة جزاء لغريزمان أمام أستراليا، وثانيها كان عدم احتساب أخرى لكين أمام تونس، وثالثها كان عدم طرد ريبيتش أمام الأرجنتين بعد تعمده الاعتداء على قدم سالفيو، ورابعها كان احتساب ركلة جزاء على يوسف بولسن مهاجم الدنمارك لصالح أستراليا، وخامسها كان عدم احتساب ركلة جزاء لرونالدو أمام المغرب وعدم حصول بيبي على إنذار لادعاء الإصابة بعد قيام بن عطية بالتربيت على كتفه . (3) (4)

    

المشكلة أن منظور الصحيفتين للحالات كان ذاته محل انتقادات واسعة؛ على سبيل المثال لم تذكر الغارديان أي شيء عن هدف رونالدو في المغرب الذي صاحبه اعتداء واضح من بيبي على أحد مدافعي المغرب رغم أنها أفردت ثلاث حالات كاملة لهذه المباراة منفردة.

    

تمريرة حاسمة

"سجل بوغبا ومبابي هدفين رائعين في النهائي ضد كرواتيا ولكن المباراة كانت قد انتهت قبل ذلك، بالتحديد في الدقيقة 33 عندما أحاط لاعبو فرنسا بنيستور بيتانا، حكم النهائي الأرجنتيني، مطالبين بركلة جزاء. استمع الرجل لعدة عبارات في سماعته الخاصة ثم ذهب لإعادة مشاهدة اللقطة التي لم يراها ماتويدي أصلًا ويستحيل فيها أن يكون بيريسيتش قد حظي بالوقت الكافي لرد الفعل، وكأنه يطالبه بأن يقطع ذراعه أولًا قبل أن يلعب النهائي حتى لا يحتسب عليه ركلة جزاء في لعبة كتلك".

   

كان هذا جوناثان ويلسون في تحليل ما بعد المباراة الذي عَنوَنَه "فرنسا تحصل على مساعدة من حكم الفيديو لتهزم كرواتيا في نهائي المونديال". أفرد بعده حوالي 800 كلمة لتوضيح الخطأ الفادح الذي ارتكبه بيتانا - في تقديره - للمسة يد بيريسيتش، مستعينًا بتصريحات داليتش عن كونها "ركلة جزاء لا يمكن احتسابها في نهائي كأس عالم". (5)

      

    

القانون ينص بوضوح على عدم احتساب لمسات اليد بعد "كرات غير متوقعة" Unexpected Balls إلا في حالة واحدة فقط، أن يكون وضع جسد المدافع غريب تشريحيًا، بمعنى أنه قد تعمد إفراد ذراعيه مثل حراس المرمى ليحصل على احتمال أفضل في صد الكرة. الجزء الأول واضح، والثاني ليس بنفس الوضوح لأن الإعادة أظهرت بيريسيتش يحرك ذراعه وساقه تجاه الكرة، ولكن ما يراه ويلسون أن الشك كان لصالح الجناح الكرواتي، وهو ما قد يتفق عليه أكثر من شاهدوا اللعبة. (6)

      

المهم أن لقطة كتلك في النهائي كانت القشة التي قصمت ظهر البعير، خاصة أن صحفي بحجم ويلسون هو من تحدث عنها وبمنتهى الوضوح وبعنوان جريء للغاية لن يُقدم أغلب الصحفيين على وضعه حتى لو كان المقال بذات المحتوى.

       

    

مقال ويلسون وضعنا أمام حقيقة حتمية؛ كأس العالم لم يستفد من تقنية الفيديو في هذه النسخة، على الأقل فهو لم يستفد بالدرجة المتوقعة، ولكنه وضعنا أمام حقيقة أخرى كذلك هي أنه لم يتضرر، وأن القرارات الخاطئة رغم حساسيتها وتأثيرها في مسار البطولة قد قابلها أخرى صحيحة ساهم فيها الـVAR بالقسط الأكبر.

     

الأهم من كل ذلك أننا وبنهاية البطولة قد أدركنا أننا نطرح السؤال الخاطىء، أو بالأحرى نطرح السؤال الصحيح في السياق الخاطىء، فبالطبع وعقب تجربة أمر جديد لابد من تقييم التجربة برمتها وعرض مساوئها ومميزاتها، ولكن الخطأ الواضح في السياق هنا، هو اعتبار فشل التجربة أو نجاحها من مسوغات الاستمرار في تطبيق التقنية أو إيقافها، وكأن نملك رفاهية أن تصبح العدالة أمرًا اختياريًا. (7) (8)

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار