انضم إلينا
اغلاق
ماوريتسيو سارّي وتشلسي الذي سيحبه الجميع

ماوريتسيو سارّي وتشلسي الذي سيحبه الجميع

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

محاولة تخيل سارّي في تشلسي خلفًا لكونتي هي أشبه بمحاولة تخيل غوارديولا في أتليتكو مدريد خلفًا لسيميوني.. طبعًا الأتليتي لم يمتلك طموحًا سابقًا في تقديم هذا الطراز من كرة القدم، على عكس تشلسي الذي حاول اجتذاب غوارديولا نفسه أكثر من مرة مدفوعًا برغبة أبراموفيتش، (1) وطبعًا كونتي ليس سيميوني وإن كان قد اقترب من ذلك كثيرًا في موسمه الثاني، ولكن هذا هو المثال الأقرب لتصوير الأمر، حتى ولو لم يكن مطابقًا 100%.

    

ماوريتسيو سارّي، مدرب تشلسي (رويترز)

  

الأمر ليس أن جمهور البريدج يعارض "متعة الأداء" أو "العروض المثيرة" من حيث المبدأ، وبالطبع لن يرفضها إن أتت رفقة البطولات والانتصارات، ولكنه ببساطة يراها تفصيلة يمكن الاستغناء عنها، ولا تثير خوفه عبارات كرويف الرنانة عن إضاعة حياتنا في مواسم مملة بلا بطولات في النهاية، الملل في ستامفورد بريدج له تعريف آخر وضعه مورينيو منذ زمن. (2) (3)

  

في كوكب كريبتون

دعنا نصيغ الأمر على النحو التالي؛ جمهور البريدج ليس متطلبًا، وفي أغلب الأحيان لن يعنيه كيف يفوز سارّي أو غيره، وإن أضاع أحدهم موسم البلوز في أداء دفاعي متحفظ ممل ولم يفز بشيء في النهاية فلا داعي للندم، فربما كان أي مدرب آخر ليضيع موسم البلوز في أداء دفاعي متحفظ ممل ولا يفوز بشيء في النهاية و يتلقى عدة هزائم ثقيلة بالإضافة لذلك،  أو لربما كان مدربًا غيره ليضيع موسم البلوز ويتلقى الهزائم الثقيلة ويتسبب في رحيل أحد نجوم الفريق أو يبقى لموسم إضافي بعدها أو أي شيء آخر، المهم أنه ما دامت القناعة راسخة فإن جمهور الكرة لا يعجز عن تأكيدها في كل مناسبة، والقناعة الراسخة في تشلسي بعد سنين من الـ "مورينيولوجي" هي أنه مهما كان الوضع سيئًا فإن هناك ما هو أسوأ دائمًا، والطريق للأسوأ هو التغيير.

    

هنا يفقد سارّي كل قواه تقريبًا، صحيح أنه يحظى بدعم مالك النادي الذي سيحقق حلمه أخيرًا بتقديم هذا الطراز من كرة القدم، ولكن في البدايات على الأقل قد يكون هذا هو كل الدعم الذي سيحظى به عمومًا، ببساطة لأنه سيحاول إقناع ثاني أنجح الأندية الإنجليزية منذ مطلع الألفية بأنه يحتاج لتغيير طريقة لعبه، ولأنه يأتي من مدينة تؤمن إيمانًا عميقًا بأن ليس هناك من هو أفضل من سارّي إلى أخرى لا تمانع التعاقد مع كونتي آخر يستطيع الفوز بالدوري والكأس في موسمين دون كثير من التعقيدات.

    

    

الخلاصة أنها بيئة معادية تمامًا، وتلك العبارة تكتسب معان جديدة عندما تعلم أن التدخين ممنوع في مقرات النادي، أي أن سارّي سيكون مطالبًا بالعمل في مكتبه وإعداد التدريبات وتجهيز الخطط ومشاهدة مقاطع الفيديو والتشاور مع مساعديه دون أن يشعل سيجارة واحدة، وهو الذي ظل يحكّ رأسه كالمجاذيب أثناء 90 دقيقة أمام السيتي في كأس الاتحاد لأن ملعب ويمبلي لم يسمح له بالتدخين. (4)

   

بعد مؤتمر تقديمه كخامس إيطالي يتولى تدريب تشلسي منذ مطلع الألفية، خرج بعض الصحفيين الإنجليز ليصفوا سارّي بـ"المرح"، ولنكن واقعيين؛ نحن لا نتذكر آخر مرة اقترن فيها اسم تشلسي بالمرح، ربما بالفاعلية أو التنظيم أو الرغبة أو الإصرار أو النجاح أو الندية أو كل ما سبق، ولكن نادرًا ما ارتبطت مباريات البلوز بالمرح في العقد الأخير، بل إن جمهور البريدج يعتز بقدرة فريقه على قتل المرح وهدم العوالم الرومانسية على رؤوس أصحابها، ويتبع شعار ألليغري لحد التقديس ويجد متعته في إرسال خصومه إلى السيرك، ويعتبر ذلك جزءًا من هوية فريقه وشخصيته. (5) (6)

  

هذا هو رأي ريتشارد جولي من Four Four Two على الأقل؛ هي حقبة جديدة قد تكتشف فيها إنجلترا تشلسي جديد، "تشلسي بإمكانها أن تحبه" على حد تعبيره، بفكر جديد ونوعية مختلفة من اللاعبين وطريقة لعب قد تزيده شعبية على شعبيته، بل وربما بكمية أقل من الدراما خارج الملعب أيضًا، على الأقل حتى تبدأ فقرة مورينيو المحببة "أنا من صنعت تشلسي" – "الشعراء لا يفوزون في كرة القدم" – "إذا فاز سارّي بثلاث بطولات دوري سأنزل الشارع عاريًا" إلخ. (5)

   

أسباب للتفاؤل

مقدمة بديهية ولكنها مهمة، لأننا بصدد لحظة تأسيسية تتبدل فيها الكثير من القواعد المعتادة بأخرى، ولأن تلك البيئة المعادية في المدرجات وخارج الملعب هي انعكاس لأخرى مماثلة داخله، أو لعل الثانية هي انعكاس الأولى، لا نعلم للدقة لأنه بعد فترة معينة تحول الأمر إلى مثال آخر على معضلة الدجاجة ولم يعد بإمكانك تحديد أيهما أتى أولًا؛ اللاعبين الذين فرضوا أسلوب لعب معين، أم أسلوب اللعب المعين الذي فرض التعاقد مع نوعية محددة من اللاعبين، ولكن ما نحن متأكدون منه أن تحييد البيئة المعادية داخل الملعب هو السبيل الوحيد لتحييد تلك التي في المدرجات.

     

أبشر إذا، نحن أتينا لإخبارك أن الأمور ليست بنصف السوء الذي تتوقعه، ولأنها لحظة تأسيسية، على غرار تلك اللحظة التي يمر بها أرسنال الآن مع اختلاف التفاصيل، فاسمح لنا باستعارة نفس الفكرة؛ البحث في سلة المهملات. (7)

        

   

كل حقبة مع كل مدرب لها سلة مهملاتها الخاصة، المساحات المهمشة التي لم يستغلها المدرب السابق ويمكن لخليفته أن يجد فيها ضالته، ومع سارّي تحديدًا فإن أول ما سيخرجه من سلة مهملات كونتي هو خط الدفاع الرباعي؛ الأمر الذي بإمكانه معالجة عدة مشاكل فيه دفعة واحدة.

  

 فمبدئيًا سيتمكن سارّي من إعادة موزيس للخط الأمامي، خاصة مع تألقه اللافت مع نيجيريا في المونديال، وحقيقة أنه أفضل جناح يمتلكه البلوز حاليًا بعد هازار، وبالتبعية فإن أزبيليكويتا سيعود للظهير الأيمن وهو ليس خبرًا سيئًا بأي حال من الأحوال، ولكن الأهم أن تقليص عدد قلوب الدفاع سيتماشى مع محدودية الخيارات الجيدة في هذا المركز أصلًا، وإذا أضفت لكل ذلك عودة لويز للواجهة بعد أن كان في سلة المهملات بدوره، وحقيقة أنه أحد أفضل مدافعي العالم في إخراج الكرة والتوغل بها وكسر الضغط، فستجد أن خط دفاع البلوز الحالي مؤهل تمامًا لأداء ما سيطلبه سارّي، حتى وإن استغرق الفريق ثلاثة أشهر لاستيعاب فلسفته كما صرح الإيطالي. (8)

   

وبمناسبة المساحات المهمشة، فإن أكثر ما يتأكد منه الجميع هو أن سارّي لا يخشى منح الشباب فرصة لإثبات نفسهم، وهو خبر سعيد لأحد أفضل أكاديميات أوروبا للناشئين والتي اقتصرت وظيفتها في العقد الأخيرة على البحث عن أفضل مواهب أوروبا وصقلها وتحويلها للاعبي كرة قدم محترفين ثم منحها للخصوم المباشرين. في الواقع فإن هاري إدواردز قدم تحليلًا في سكاوكا لأهم المواهب الشابة التي قد تحظى بمزيد من دقائق اللعب مع سارّي، وإن لم يكن إدواردز يستطيع التعهد بأن هناك دي بروينه أو لوكاكو آخر سيخرج من أكاديمة البلوز قريبًا، فالجميع يمكنه التعهد بأن سارّي لن يفوت هذا الحدث إن وقع مجددًا، وأن الكوبهام سنتر لم يعد سلة مهملات أخرى ينقب فيها مدربو الأندية الأخرى ويجد فيها الجميع ضالته إلا تشلسي. (9) (10)

    

    

مزيد من الأسباب للتفاؤل

جورجينيو وكانتي وكوفاسيتش، هذا أمر لا يحتاج كثير من الشرح لأن إمكانياتهم تتحدث عن نفسها، ولكن قبل أن نتطرق لثلاثي الوسط دعنا نخبرك أن البيئة المعادية تملك كثيرًا من أوجه التشابه مع بيئة نابولي التكتيكية، ولسبب مهم للغاية هو أن كافة عناصر منظومة نابولي الهجومية الأبرز موجودة على الجبهة اليسرى للبلوز، بل إن الديناميكية نفسها تكاد تتطابق.

      

    

فلنبدأ القصة من الخلف، بالضبط مثلما يحب الإيطالي أن يبني هجماته؛ جورجينيو هو الريجيستا أو صانع اللعب المتأخر والذي يؤمّن الاستحواذ أثناء الصعود بالكرة ليتحول خط الدفاع الرباعي إلى آخر ثلاثي بتواجده رفقة ألبيول وكوليبالي في العمق، والاستحواذ في هذه المناطق وبهذه الطريقة يسمح بفتح منافذ على الأطراف، وتحديدًا لدى الرائع فوزي غلام الذي تأثر موسم نابولي بشدة في غيابه؛ ليس فقط بسبب عرضياته وانطلاقاته، ولكن لأنه مفتاح تحرير أهم صناع لعب الفريق هامشيك وإنسيني، وبمجرد صعوده على الخط يُطلق سراح الثنائي ليعيثوا فسادًا في العمق.

  

السلوفاكي والإيطالي يشتركان في عدة صفات، أولها أنهما يجيدان التحرك في أنصاف المسافات بين مدافعي القلب والأظهرة، والتي لا تظهر إلا بسبب صعود غلام على الخط واحتجازه لمدافع الطرف في المقام الأول، والثنائي أيضًا يجيد التمرير وصناعة الفرص، لذا فهما يوفران الحلول خلف الكرة وأمامها، ويتبادلان الانطلاق خلف خطوط الخصم طوال الوقت، وبالطبع يساعدهما جناح آخر على الجهة العكسية هو كاييخون، يجيد شغل الخط بدوره ويوفر له تواجد الثلاثي هامشيك وغلام وإنسيني على جانب واحد من الملعب الإلهاء اللازم ليغافل المدافعين ويتلقى العكسيات المباشرة في مواجهة المرمى، وبالطبع كل ذلك برعاية من ميرتينز في قلب الثلث الأخير، وزيلينسكي كمحور مساند يجيد إطلاق البينيات والطوليات المباشرة.

    

    

الآن عد إلى الفقرتين السابقتين واستبدل جورجينيو بجورجينيو، وغلام بألونسو، وإنسيني بهازار، وهامشيك بكوفاسيتش، وكاييخون ببيدرو الذي كان يؤدي دورًا مشابهًا لحد التطابق مع برسا بيب، وستكتشف أن البيئة المعادية ليست معادية لهذه الدرجة. في الواقع ستكتشف أيضًا أن خط الوسط الثلاثي الذي يعتمد عليه الإيطالي سيسمح لفابريغاس باستعادة شيئًا من بريقه بعد أعوام من إجهاده في أدوار الاتكاز المساند مع مورينيو وكونتي، وأن وجود باركلي كبديل إضافي قد يمنح تشلسي خط وسط حديدي يعيد للذاكرة ثلاثيات بداية الألفية.

  

قليل من الأسباب للتشاؤم

رغم كل ذلك هناك مشكلتان رئيستان في كل ما سبق؛ الأولى هي الاعتماد على مهاجم وهمي لا يجيد التعامل وظهره للمرمى مثل ميرتينز، وهو آخر شيء يمكن لموراتا أو باتشواي تقديمه بنسختيهما الحاليتين، بل في الواقع يبدو بيدرو أو هازار نفسه أقرب لهذا الدور منهما.

 أما المشكلة الثانية فهي الافتراض بأن سارّي لا يملك أية حلول سوى إعادة إنتاج منظومة نابولي كما هي، وتحديدًا، إعادة إنتاج منظومة نابولي منذ رحل هيغوايين ودخل ميليك في دوامة الإصابات، وهو ما لا يعد منطقيًا لأن الرجل استطاع التعامل مع نوعيات مختلفة من اللاعبين عمومًا والمهاجمين خصوصًا، وإعادة توظيف ميرتينز لم تكن سوى خطة بديلة بعد رحيل الأرجنتيني ليوفنتوس، نفس الأرجنتيني الذي حاول استقدامه مجددًا في تشلسي ولكنه فشل. (11)

  

نحن نتحدث عن رجل – كأي إيطالي – يجيد التعامل مع المواقف الصعبة، وافتتانه بأسلوب لعب معين لم يمنعه سابقًا من استغلال كل الإمكانيات المتاحة تحت يديه. مجرد عودة سريعة لموسمه الأخير مع إمبولي قبل التعاقد مع نابولي ستخبرك أن الأمر لم يكن تيكي تاكا على الدوام، بل إن أكثر من ثلث أهدافه هذا الموسم (17 من أصل 46) أتت من الكرات الثابتة، وهذا هو ما أبقى إمبولي في الدوري أصلًا. (12)

     

تقسيم أهداف سارّي في موسمه الأخير مع إمبولي – سكاوكا

    

كل ما سبق لا يعني أن بإمكان المعطيات الحالية ضمان أي شيء في موسم البلوز القادم. يمكن لسارّي أن يفاجىء الجميع، ويمكن أن ينهار تحت ضغوط الإدارة المتزايدة في الفترة الأخيرة ومطالبتها الدائمة بالتتويج حتى ولو لم تنفق الأموال الكافية، أو حتى يمكنه أن يفشل لأسباب فنية أو تكتيكية أو لشراهته التدخينية،  ولكن تلك المزية الأخيرة، أي التأقلم، بالإضافة للأجواء الإيجابية التي استقرت في تشلسي مؤخرًا، هي أقصى ما كان يمكن لأي مدير فني إنجازه في الفترة الماضية.

    

في هذا الصدد، هناك ثلاثة عناوين مهمة خرجت في الفترة الماضية؛ أسلوب سارّي أقنع لويز بالبقاء، وهودسون أودوي يقول بأنه يستمتع بثقة مدربه، وسارّي يصرح بأن مستوى موراتا في تحسن مستمر بعد بداية سيئة. (13) (14) (15) نعم ندرك أنها عناوين لا تضيف قيمة فنية هائلة للفريق، ولكنها - على العكس - تعبر عن الجوع الذي يتملك أفراده في الفترة الحالية، بعد موسم من الذم العلني الذي وصل لحد الإهانات لكثير من أعضاء الفريق مع كونتي، وإن لم يمثل كل ذلك أسبابًا كافية للتفاؤل فهو لا يمنحنا أية أسباب للتشاؤم أيضًا، على الأقل يعلم جمهور البريدج الآن أن هذا التغيير لن يأتي بالأسوأ.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار