انضم إلينا
اغلاق
العادات السيئة لمشجعي كرة القدم في بداية كل موسم

العادات السيئة لمشجعي كرة القدم في بداية كل موسم

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

كما هو واضح، فإن هذا التقرير لن يجعلك تقع في غرام مشجعي الكرة في حال لم تكن منهم. نحن نتحدث عن عادات سيئة لذا فالأمر لا يحتاج إلى شرح، بل غالبًا ستخرج من هنا وأنت تشعر أن هناك إرتباطًا ما بين كرة القدم والمازوخية، ونحن لا نلومك، لأن العادات الواردة هنا يمارسها كل جمهور اللعبة تقريبًا، أي أننا نتحدث عن مليار ونصف شخص في أقل التقديرات، يمثلون خُمس سكان الكوكب. (1)

  

كما هو واضح أيضًا، فنحن متحيزون لجمهور الكرة لأننا منهم، وبالتالي قد لا نلومك، ولكننا سنضطر لتذكيرك أننا لا نمثل إستثناءًا في هذا الصدد، وأن العادات السيئة تحكم الكوكب، وأن عدد المدخنين ليس أقل من عددنا بكثير، وعدد الذين يتناولون الوجبات السريعة أكثر منّا ومنهم مجتمعين، وعدد زوار المواقع الإباحية يفوق كل ما سبق، لذا ربما ينبغي أن تتمهل قليلًا قبل أن تطلق حكمك. (2) (3) (4)

   

    

تميز

لماذا بداية الموسم؟ لأنها الفترة التي تشهد وصول جرعة الأمل إلى أعلى معدلاتها. ما علاقة قيمة رائعة كالأمل بتوليد العادات الكريهة؟ دعنا نحكي القصة من بداياتها. الناس على السوشيال ميديا محبطون يائسون راغبون في الإنتحار طيلة الوقت، إما لأنهم يملكون من الأسباب ما يكفي لذلك، وإما لأنهم لا يملكون من الأسباب ما يكفي لذلك، المهم أن هذه الأجواء تجعل الأمل واحدة من الكبائر، وتتطلب أسبابًا وجيهة للغاية للتفاؤل، أسباب تدعو إلى جلدك جلدًا مبرحًا إن لم تكن تمتلكها.

 

كل هذا يتركك أمام خيارت محدودة للغاية في بداية أغسطس من كل عام؛ أولها أن تصرح بآمالك في الموسم الجديد عازمًا على تحمل العواقب، والعواقب تعني حفلات "ترول" لا نهائية عندما يخيب أملك أو يخطىء توقعك، بل إن خدمة إسترجاع الذكريات التي يقدمها فيسبوك تؤكد أن الحفلات ستستمر حتى يرث الله الأرض وما عليها، ولا شك أنك تعرف صديق أو إثنين مازالوا يعانون من توابع بعض التوقعات التي صرحوا بها منذ سنين.

 

الخيار الثاني هو أن تتشاءم مثل الجميع وتنجو بنفسك. طبعًا هو الأسهل ولكنه ليس الأكثر شعبية لأن الجميع يفضل الخيار الثالث وهو إخفاء آمالهم وأحلامهم للموسم الجديد حتى إشعار آخر، ولسبب واضح هو أنه يمكنك من الاحتفاظ بإيجابيتك ويجنبك شر الحفلات في نفس الوقت.

     

   

المشكلة أن الأمل قرين الشك، والشك هو قيمة أخرى لا وجود لها على وسائل التواصل الاجتماعي؛ الجميع أيضًا متأكدون واثقون متيقنون لأن الجميع مميزون، لذا فخليط الأمل والشك يتحول لعبء رهيب مع مرور الوقت في إنتظار إنطلاقة الموسم، وكأنك تقف بسيارة سباق على خط البداية لمدة ثلاثة أشهر تنتظر انطلاق الصافرة. تردد قاتل ينتظر أي إشارة ليتحول إلى يقين واثق من ثلاثية قادمة لا محالة، أو موسم سينتهي بتحويل النادي لقاعة أفراح.

    

هيستيريا

النتيجة لكل هذا الضغط هي هيستيريا البدايات التي تنفجر مع أول هدف يحرزه فريقك أو يتلقاه، فبعد ساعتين فقط من الموسم تجد نفسك تتوقع مسار البطولة والبطل والمتأهلين لدوري الأبطال والهداف وصانع اللعب الأبرز وأفضل موهبة صاعدة وحكم ورئيس نادي وجامع كرات وتطالب بتسريح نصف اللاعبين ونحت تماثيل للنصف الآخر وتتوعد جميع الخصوم بسنوات من السيطرة أو الاضمحلال على حسب نتيجة التسعين دقيقة الأولى.

    

في إنجلترا مثلًا يبحث مشجعو أرسنال عن مدرب آخر غير إيمري لأنه خسر أولى مبارياته أمام أقوى فريق في البلاد بعد 22 سنة من سيطرة مدرب آخر على النادي، وعلى الجانب الآخر يتوقع الجميع أن يفوز غواديولا بالدوري ثلاث مرات في موسم واحد، وفي أسبانيا بدأ البكاء على الأطلال في ريال مدريدحتى من قبل خسارة السوبر أمام الأتليتي، وفي العام الماضي كان موسم الإنتقالات في بعض الأندية كافيًا للبعض ليجزموا بأن مرعب أوروبا قد عاد، لدرجة أننا تخيلنا أن هناك سبعة فرق ستفوز بدوري الأبطال في هذه السنة.

   

      

لا بأس، الأحكام الجزافية المتسرعة هي روح كرة القدم أصلًا ولولاها لإنتهت نصف نقاشاتها نهاية منطقية، والمميز في بداية الموسم أننا نمتلك بعض الأرقام والنتائج المجتزأة لتدعمها بعد شهور من فراغ الصيف، ولكن هل من الممكن أن يكون أرسنال بحاجة لمدرب آخر أو أن يكون ريال مدريد في طريقه للإنهيار بعد رونالدو؟ ربما، لا أحد يعلم، ولكن لا أحد يقول أنه لا يعلم.

  

تلك مشكلة أخرى، أن كل ما سبق يجتمع مع ظاهرة أخرى كريهة ليست مقصورة على كرة القدم فقط للأسف؛ الحاجة الدائمة لتكوين الآراء فيما يخص كل شيء وأي شيء، والحاجة الدائمة للتعاطي مع ما يحدث أيًا كان ما يحدث، الـ Pseudo – Activity أو النشاط الزائف كما أسماه سلافوي زيزيك، الحاجة لكي نفعل شيئًا حتى عندما ينبغي ألا نفعل شيئًا، وفي بداية الموسم تصل معدلات التفاعل لأقصاها رغم أن المعطيات التي تقدمها المباريات غالبًا ما تكون مشوشة بسبب نقص اللياقة الذهنية والبدنية وعدم إكتمال التأهيل وحوالي مئة سبب آخر، ولكن التفاعل قد أذل أعناق المنطق. (5)

   

     

تحليل

هذه النقطة مشتبكة للغاية وعادة ما تسبب الكثير من الإلتباس لأنها مرتبطة إرتباطًا وثيقًا بهيستيريا البدايات. السؤال هو؛ هل بداية الموسم هي الوقت الأنسب لإطلاق التحليلات؟ مرة أخرى، لا أحد يعلم ولا أحد يقول أنه لا يعلم، أكثر ما يفعله مشجعو الكرة في بداية كل موسم هو طلب التوقعات من "المحللين" أو "المختصين"، ولكن الأمر ليس بهذه البساطة طبعًا وإلا ما كان هناك داع لذكره هنا، لأن الهيستيريا والرغبة الشديدة في إنهاء حالة الشك غالبًا ما تحول هذه التوقعات إلى عملية تنجيم ورجم بالغيب.

   

هل سمعت من قبل أن أحدًا رفض الإدلاء برأيه في أمر ما؟ غالبًا لا، لذا تجد "المحللين" و"المختصين" في بداية الموسم يجاوبون على أسئلة من نوعية "هل سيفوز برشلونة بدوري الأبطال؟" و"هل سيتخطى رونالدو 50 هدفًا في الموسم مع يوفنتوس؟" و"هل تستفيق الأندية الهولندية من غفوتها؟".

    

أسئلة لا يمكن الحصول على إجاباتها حتى لو كنت تسأل برشلونة ورونالدو والأندية الهولندية نفسها، ولكن مجرد طرحها بهذه الكثافة يجعلها فرصة لزيادة عدد الزيارات والقراءات والمشاركات والإعجابات، ومرة أخرى، تُفرض على الجميع حالة طارئة من تكوين القناعات حسب الطلب، والهدف هو أي شيء يمكن تعبئته في تقرير أو مقال ويمكن تمريره على أنه نظرية متماسكة، أو على الأقل تتظاهر بأنها كذلك.

   

بالطبع يصل التنجيم إلى مستويات جديدة مع دخول الفانتازي على الخط، ولسبب ما يعتقد مشجعو الكرة أن هناك من يستطيع إخبارهم إن كان أغويرو سيسجل في الجولة القادمة أم لا، وإن كان تشيلسي قادرًا على الحفاظ على نظافة شباكه، وإن كان تريبييه سيصنع هدفًا لكين يجعل إختيارهما في التشكيل ضربة مزدوجة، وهل سيلعب بوغبا المباراة كاملة أم أنه سيخرج بسبب الإرهاق، وتستمر الحلقة المفرغة في الدوران لأن لا أحد يعلم ما الذي بدأ أولًا؛ الأسئلة التي لا إجابة لها أم الإجابات التي لا أسئلة لها.

    

    

تصفيات

ليفربول يواجه ويستهام في أولى مباريات الموسم، وبعد دقائق يسجل صلاح الهدف الأول فيمسك غاري لينيكر بهاتفه ويقرر قصف جبهة كل من قالوا أن تألق المهاجم المصري لم يكن سوى طفرة موسمية One season wonder. طبعًا غاري لينيكر أذكى بكثير من أن يرتكب مغالطة منطقية واضحة كهذه، وطبعًا هو يعلم أن الشيء الوحيد الذي سينفي هذه المزاعم هو حفاظ صلاح على مستواه – أو مستوى مقارب - طوال الموسم الجديد، ولكن لأنه مشجع كروي أصيل قبل أن يكون مهاجمًا فذًا ومقدمًا لأحد أهم البرامج التحليلية في الكرة الإنجليزية، فقد قرر ركوب الموجة لتصفية بعض الحسابات مع مخالفيه في الرأي، واحدة من أكثر العادات إنتشارًا في مثل هذه اللحظات.

     

   

مثال آخر هو عرض التذمر المستمر الذي قدمه مورينيو طيلة الصيف، في الواقع قام أحد كتاب Four Four Two بتفريغ عبارات الشكوى التي قالها البرتغالي في كل مؤتمراته الصحفية منذ بداية فترة الإعداد والنتيجة أنه حصل على تقرير طويل قوامه 2000 كلمة تقريبًا. (6) 2000 كلمة اشتكى فيها جوزيه من كأس العالم ونقص اللاعبين والإصابات والإضطرار لإشراك الشباب والإحتياطيين وإرث فان غال ونقص الصفقات، وأثناء كل ذلك كانت صفقات ليفربول المدوية المتتالية بمثابة طوق النجاة للرجل لأنه اعتبرها سببًا كافيًا لمطالبة كلوب بالفوز بالبريميرليغ.

   

مرة أخرى استغل جوزيه اللقطة لتصفية الحسابات وإعادة توجيه الضغط ناحية خصومه، واللقطة هنا تحمل تناقضًا منطقيًا يسهل إستغلاله بصراحة، لأن صفقات الريدز الطازجة هي ما سيعلق بالأذهان طول الموسم رغم احتياجها للوقت حتى تندمج، بينما صفقات يونايتد وسيتي التي مر عليها عام كامل على الأقل، لم تعد موضع تحليل أصلًا، ولا شك أن مورينيو – مثل لينيكر - أذكى من أن يقوم بمغالطة كتلك لأن إجمالي ما أنفقه ليفربول لا يتجاوز نصف ما أنفقه هو شخصيًا، وطبقًا لمنطقه فإن كان كلوب مطالبًا بالفوز مرة فهذا يجعله مطالبًا بالفوز مرتين، ولكنه ببساطة لا يرد على هذه الأسئلة. نحن لا نمزح، أحد المراسلين سأله عن حظوظه في الدوري فعلًا ورفض الإجابة. (7) (8)

  

قبل مباراة السوبر كان تعليق راموس على إتهام كلوب له بتعمد إيذاء صلاح وكاريوس هو أن الألماني الذي اعتاد خسارة النهائيات يبحث عن حجة لهزيمته، وكأن راموس كان سيعترف بفعلته ويعتذر عنها لو كان كلوب هو غوارديولا أو مورينيو أو أي مدرب آخر أكثر تتويجًا. المهم هنا أن راموس هنا لا يمثل نفسه وحسب، بل الأغلبية الكاسحة من جمهور اللعبة التي لا يهمها أن تصل للحقيقة بقدر ما يهمها أن تمتلك ردًا لاذعًا في مواجهتها، ومشجعو كرة القدم يستطيعون التسامح مع أي شيء مادمت حراقًا تجيد إستغلال اللقطات الذائعة لصالحك.

   

هذا نحن للأسف، مجموعة من الإزدواجيين الأشرار الذين سيفعلون أي شيء للدفاع عن إنتماءاتهم، وبداية كل موسم هي فرصة لا تفوت لتصفية بعض الحسابات العالقة وقطع ذيول الموسم الماضي، ناهيك عن معارك البالون دور المضنية التي تتجدد في أكتوبر ونوفمبر وديسمبر من كل عام، وكل هذا ولم نخبرك بعد أن الكثير منّا يدخن ويتناول الوجبات السريعة. الخبر السعيد الوحيد أن هناك ما هو أسوأ، فقط إنتظر حتى نهاية الموسم.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار