انضم إلينا
اغلاق
نابولي وميلان.. دخان ساري لم يغادر الجنوب

نابولي وميلان.. دخان ساري لم يغادر الجنوب

أحمد أباظة

محرر رياضة
  • ض
  • ض

للمرة الثانية على التوالي نابولي يحقق الفوز، وللمرة الثانية على التوالي يحققه بعد التأخر في النتيجة. التحدي ازداد صعوبة، فمن 0-1 إلى 2-1 أمام لاتسيو، الآن من 0-2 إلى 3-2 على حساب ميلان. بين الاستحواذ وتركه، وبين ساري وأنشيلوتي يبقى السؤال عن مستقبل الجنوب الإيطالي..

    

تشكيل الفريقين وتقييم اللاعبين - هوسكورد

      

باص غاتوزو

ليس من السهل الجزم بنوايا جينارو غاتوزو مدرب ميلان هنا، ومدى تأثرها لاحقاً بسيناريو المباراة، وتحديداً هذا الهدف المبكر في الدقيقة 15. قطرية صحيحة تصل إلى رأس بوريني على طرف منطقة الجزاء في ظل يقظة متأخرة من هيساي، بوريني يحولها إلى بونافنتورا القادم من الوراء في ظل وصول متأخر لراؤول ألبيول. عمل جماعي رائع من هجوم ميلان يقابله عمل مألوف للغاية من دفاع نابولي، ولكن عمل الروسونيري هذا لم يتكرر تقريباً طوال الشوط الأول..

    

عند الهدف كان لنابولي 4 محاولات (واحدة فقط على المرمى) مقابل تسديدة ميلان الوحيدة. بنهاية الشوط صارت محاولات أصحاب الديار 12 (3 على المرمى) مقابل 3 محاولات للضيوف، لم تصب أي منهم مرمى أوسبينا سوى نفس كرة الهدف. صحيح أن الفريقين تقاسما الاستحواذ، ما أفقد نابولي إحدى أهم صفاته المميزة مع المدرب السابق ماوريتسيو ساري، ولكنهم لم يفقدوا شراستهم الهجومية وقدرتهم على التهديد.

         

الخريطة الحرارية للفريقين - هوسكورد

سعي ميلان لتأمين الهدف بشكل جاد، ولكن دون إفراط في الإلقاء بالكرة إلى الأمام، فقط في فرصة الارتداد السانحة، لتستمر عملية البناء بين الثلثين الدفاعي والأوسط، قتلاً للإيقاع أحياناً وبهدف حرمان نابولي مما يجيدوه، فمهما كانت قوة التنظيم الدفاعي، لم يكن غاتوزو ليخاطر بتركه يتعرض للقصف طوال الدقائق الـ90. على الجانب الآخر تزداد خريطة نابولي الحرارية قوة في الثلث الأوسط، ولكن في منتصف ملعب الخصم، أمر فشل ميلان في مجابهته ليظل الخطر قريباً للغاية.

    

متوسط تمركز اللاعبين: تقدم نابولي (باللون البرتقالي) الواضح مقارنةً بتراجع ميلان (باللون الأزرق) - هوسكورد

   

كانت أمور ميلان جيدة على لوحة النتيجة ولكن ليس على أرض الملعب. خرج الروسونيري بالتقدم في الشوط الأول، وبعد 4 دقائق من انطلاق الشوط الثاني في سيناريو مثالي، سجل الهدف الثاني بنفس الطريقة حرفياً. سوسو يتلقى القطرية على طرف المنطقة ويهيئها للزميل القادم من الخلف، كان دافيدي كالابريا تلك المرة. 2-0 بمحض تسديدتين على مرمى الخصم، مجرد محاولتين، ولكن محاولتين بهذا التنظيم والإتقان أفضل من 10 محاولات تغتالها الرعونة تارة والعشوائية تارة أخرى.

  

المدرب التوافقي

سبب واحد جعل كارلو أنشيلوتي مدرباً مناسباً لنابولي على الأقل بشكل مبدئي، ليس تاريخه بل قدرته على تسلم أي طريقة لعب والتعايش معها بشكل أو بآخر. سمعته التي جعلته خياراً منطقياً لخلافة جوزيه مورينيو في ريال مدريد ثم بيب جوارديولا في بايرن ميونيخ، طرفي عصا كرة القدم. صحيح أن تجربته مع بايرن لم تكلل بالنجاح، إلا أنه لم يغتال أسلوب بيب في لحظته الأولى كما اعتقد البعض.

  

يملك أنشيلوتي أفكاره الخاصة، ولكنه ليس من النوع الذي يقوم بتحولات درامية في بداية عمله، بل يتقبل ما تسلمه ثم يعدله شيئاً فشيئاً، ويحاول الاستفادة مما يلائمه من الوضع القائم. وعليه لم يهدم الإيطالي معبد مواطنه ساري، بل ترك الكثير من الأشياء على حالها مكتفياً بلمساته المعهودة. فقد الرجل جورجينيو حين وصل، وهو يحب "أندريا بيرلو" بين غاتوزو وسيدورف، إلى الدرجة التي جعلته يضع كروس بين مودريتش وخاميس رودريغيز!

     

مواقع الهجمات: نابولي يساراً باللون البرتقالي وميلان يميناً باللون الأزرق - هوسكورد

     

عليه قرر الرجل إقحام هامشيك في وسط الدائرة ونقل زيلينسكي إلى اليسار، لينضم إلى جبهة ساري المفضلة التي لم يتراجع دورها سوى بشكل هامشي للغاية، فالـ50% المعتادة من الهجمات باتت 42% فقط. ومع الوقت الذي قضاه ماريو روي في ممارسة دور الظهير الأيسر المتقدم مع ساري، بات متوافقاً مع الأمر على غرار الجزائري فوزي غلام. شكل هذا الثلاثي على الخريطة الحرارية يبدو مألوفاً للغاية. 

       

الخريطة الحرارية للثلاثي روي وزيلينسكي وإنسيني - هوسكورد

     

صحيح أن نسبة استحواذ نابولي المعتادة قد تراجعت في تلك المباراة لتقارب الأمور قدم المساواة، ولكن جاء هذا لصالح لمسة أنشيلوتي المباشرة، ومع فريق يجيد التصرف والكرة بحوزته لا بأس من تسريع النسق قليلاً. وصولاً إلى تعديله الأخير بإسناد مركز المهاجم للاعب صريح مثل ميليك عوضاً عن الوهمي ميرتينز، طمعاً في استغلال العرضيات التي قلما نهل منها الفريق في الحقبة السابقة. تلك هي الفكرة بوجه عام ولكنها لم تلقى نجاحاً، فلم يسدد في النهاية سوى مرتين واحدة منهما على المرمى، في ظل عزلة بين دفاعات الروسونيري جعلته ثاني أقل لاعبي التشكيل الأساسي لمساً للكرة (26 مرة) بعد الحارس ديفيد أوسبينا (17).

        

مناطق الحركة: ثلث نابولي الدفاعي يساراً مقابل ثلث ميلان على اليمين - هوسكورد

     

 استمر البارتونيبي غازياً المناطق الأمامية كقاعدة لإطلاق هجماته، فقضت الكرة في ثلث ميلان الدفاعي أكثر من 3 أضعاف ما قضته في ثلثه الدفاعي، وبالفعل بدأ الضغط يؤتي ثماره حين خسر بيليا الصراع البدني لتنتهي مجموعة التمريرات بتسديدة زيلينسكي في شباك دوناروما. تقلص الفارق وبات لنابولي اليد العليا، استمر ميلان في دفاعه فاستمر نابولي في كونه الأقرب للكرات الثانية دائماً، وهو ما سيغير وجه المباراة لاحقاً..

   

نيكوتين الجنوب

عند 2-1 أدرك غاتوزو أن خط وسطه لن يصمد أمام الخصم لفترة أطول، نظر يميناً فوجد فرانك كيسي يؤكل حياً على يد جبهة نابولي الأقوى، دون أن ينجح في تدخل أو اعتراض أو حتى صراع هوائي، ولكنه وجد بالعمق مشكلة فردية أكبر كلفته الهدف الأول بالفعل، لوكاس بيليا الأكثر تعرضاً للمراوغة في 4 محاولات للتدخل من أصل 5، خرج بطل هدف نابولي الأول ليأتي بطل الهدف الثاني على حسابه: تيموتي باكايوكو.

  

على الجانب المقابل كان أنشيلوتي يجهز لمقامرته الكبرى، 4-4-2 أو بالأحرى 4-2-4، بحلول دريس ميرتينز كمهاجم ثانٍ بدلاً من هامشيك. المنطقة التي عمل بها ميرتينز كانت هي بالضبط ما يحتاجه أنشيلوتي لمواصلة زعزعة استقرار ميلان، في ظل صمود الجبهة الأخرى بشكل أفضل أمام كاليخون وهيساي. وكالعادة، في مشهد مألوف للغاية لمن تابع باكايوكو مع تشيلسي، أساء لاعب الوسط تشتيت الركنية لتصل مباشرةً إلى قدم زيلينسكي ومنها إلى الشباك. تارةً في الرقابة وتارةً في التشتيت، لاعب لا يُنصح بوجوده داخل المنقطة حال التعرض لضربات ثابتة.

       

الخريطة الحرارية لميرتينز - هوسكورد

    

بينما حاول غاتوزو تنشيط يساره بلاكسالت بدلاً من بوريني، الجناح المهاجم افتراضاً، وبطل اليسار دفاعياً بـ3 تدخلات ناجحة، لم يفكر كارلو في التراجع وتأمين التعادل، بل في منح أقدامه المتقدمة مزيداً من الثبات لأجل الفوز، وعليه قام بسحب زيلينسكي ليستفيد من تنوع قوى دياوارا فنياً وبدنياً. ليس قراراً سهلاً أن تقوم بتبديل لاعب سجل هدفي التعادل لفريقك للتو، ولكن للضرورة أحكام.

 

كان مشهد الختام تتويجاً لرهانات أنشيلوتي على حساب خصمه ولاعبه السابق.فانطلق دياورا وأرسل ألان إلى الأمام بتمريرة اخترقت وسط ميلان التائه، ليلقي الأخير بعرضيته إلى ميرتينز المتحرك حيث لا كائن حي سواه في محيط 3 أمتار. مال الملعب بأكمله جهة يمين نابولي لينهي البلجيكي كل شيء من اليسار الخالي في المرمى الخالي بدوره أيضاً.

  

كانت تجربة ساري هنا مثيرة للاهتمام حقاً، حقق نابولي معه نجاحاً كبيراً وقدم كرة ممتعة للأعين، لكن وإن كان هذا المدخن الشره أكثر شعبية بين أنصار هذا النوع من الكرة على وجه التحديد، فإن الفريق الجنوبي بات يملك مدخناً آخر، أقل شراهة وبالتأكيد أقل صخباً، ولكنه قد يقدم لنا شيئاً أكثر إثارة للاهتمام، رهناً بما سيحققه من تقدم بين طريقة سابقه الراسخة وتحولاته الشخصية.

آخر الأخبار