انضم إلينا
اغلاق
النسوية في كرة القدم.. هل يمكن للنساء هزيمة الرجال؟

النسوية في كرة القدم.. هل يمكن للنساء هزيمة الرجال؟

أحمد أباظة

محرر رياضة
  • ض
  • ض

مباشرةً إلى السؤال: هل ظلم المجتمع الرياضي المرأة؟ تحديداً مجتمع كرة القدم.. هل وضع عالم الكرة فارقاً كبيراً بين العوائد المادية التي ينالها الرجال وتلك التي تتقاضاها المرأة، عن تمييز عنصري جنسي بحت؟ قد نجزم ببساطة بأن كرة الذكور أكثر جذباً من نظيرتها الأنثوية، ولكن لماذا؟ هل حُرمت المرأة من حق ممارسة اللعبة في بادئ الأمر لتتراجع إلى الصفوف الخلفية؟

 

في بلدان تقاتل المرأة في بعضها لنيل حقوق بدائية، بينما ينتقل الصراع في بعضها الآخر من مفاهيم الحرية الشخصية إلى مفاهيم النظافة الشخصية، قد تبدو مناقشة هذا الجانب من المسألة النسوية إفراطاً في الرفاهية، ولكن تلك الرفاهية هي ما تحظى به نسويات المجتمع الدولي، بعد أن فرغن من أغلب معاركهن الرئيسية، وبات من المنطقي أن تتواجد أمامهن مساحة التنظير في ذكورية بقية جوانب الكوكب ومن ضمنها الرياضة.

 

لماذا نحن هنا؟

"الفريق الفائز بكأس العالم للسيدات عام 2015 يحصل على 2 مليون دولار من الفيفا. الخاسر في ربع نهائي كأس العالم للرجال 2018 يحصل على 16 مليون دولار من فيفا. الرجال بخسارتهم لربع النهائي يحصلون على 8 أضعاف ما تناله النساء للفوز بالشيء كله".

  

  

كان هذا نص تغريدة السيدة تشارلوت كلايمر، والتي لخصت حقيقة رقمية واضحة بمنتهى البساطة والسطحية والاختزال والاقتطاع من السياق، وكل الصفات التي لا يجب أن تتواجد في أطروحتك إن أردت لها شيئاً من الموضوعية أو المصداقية أو على الأقل بعض المنطق. لأن الخيار الأسهل هنا هو إلقاء كل شيء على المجتمع الذكوري العالمي المتعفن، بدلاً من توجيه السؤال الصحيح.. لماذا؟

   

لنتخيل أحد الأفلام، جمع الطاقم الأفضل من الممثلين حول البلاد واستعد لاقتحام موسم العرض، في منافسة مع فيلم آخر قام ببطولته مجموعة من الهواة أو الأسماء المغمورة، وبحساب ما جرى أمام شباك التذاكر بنهاية الموسم أتت النتيجة الحتمية، فارقاً خرافياً بين أرباح هذا وذاك.. ما سيكون شعوركم لو خرج صناع الفيلم الثاني يهاجمونكم لأنكم لم تمنحوا عملهم إيرادات مساوية للعمل الآخر؟ أو طالبوكم بحضوره رغم إرادتكم لأن المساواة تنص على ذلك؟

  

بالضبط، إن بحثنا عن المُلام الحقيقي في تلك التغريدة، يتضح أن السيدة كلايمر تخاطبكم أنتم، لا الفيفا.. إنها تخاطب الجماهير، المستهلك، العامل الأساسي في أي صناعة أو تجارة، المتحكم الأول والأخير في قيمة السلعة وفقاً لبديهية العرض والطلب، فصاحبة التغريدة هنا -وكل من وافقها الرأي- يريدون شيئاً من اثنين: إما أن تساوي الفيفا بين السلعة الأكثر رواجاً ونظيرتها الأقل في المكافآت المالية، وإما أن نتحول جميعاً لمشاهدة الكرة النسائية كما نشاهد الرجالية حتى تصبح بنفس القيمة.

  

لهواة جمع الأرقام..

استند الطرح في المقام الأول على الأرقام، ولكن لأن الاعتماد على الأرقام تحديداً يستوجب الإلمام بالأرقام المتداخلة في نفس المعادلة، فإن "فوربس" قد تكفلت بإحضار البعض..

    

 

110 دولارات، ثمن أرخص تذكرة في نهائي كأس العالم، متاحة فقط لمواطني البلد المضيف روسيا، بينما الحد الأقصى يصل إلى 1100 دولار. 1.18 مليون دولار، ثمن أغلى إعلان أذيع في الولايات المتحدة خلال نهائي كأس العالم 2014 في البرازيل. 2.4 مليون، عدد التذاكر التي تم بيعها قبل بداية البطولة! 3.4 مليون، إجمالي عدد الحضور في كأس العالم 2014، بمتوسط 53,593 في المباراة الواحدة. هذا ليس أقصى ما وصلت إليه تكنولوجيا التسويق الذكوري للأسف، فالرقم القياسي لا يزال بحوزة كأس العالم 1994 في الولايات المتحدة، بإجمالي 3.6 مليون متفرج.

  

8 ملايين قميص للمنتخبات باعتهم شركة أديداس الراعي الرسمي لكأس العالم في 2014، 18.2 مليون متفرج عبر ESPN لمباراة الدور الأول بين الولايات المتحدة والبرتغال، أعلى مباريات كرة القدم مشاهدة في تاريخ الولايات. 177 مليون دولار تحصلت عليها القنوات من الإعلانات فقط في نسخة 2014. 425 مليون دولار أنفقتهم قنوات فوكس لتنال حقوق بث نسختي 2018 و2022، بينما تدفع تيليموندو 600 مليون لأجل الحقوق في الدول الناطقة بالإسبانية. دعنا من الماضي، وحتى الحاضر، إلى المستقبل: 14 مليار دولار، هي العوائد المتوقعة لملف أمريكا الشمالية المشترك لتنظيم كأس العالم 2026، ومن المنتظر أن يحقق فيفا منه أرباح تقدر قيمتها بـ11 مليار دولار.(1)

 

للوهلة الأولى قد تشعر بعمق الفجوة بين كرة الجنسين، ولكن الكرة النسائية قد حققت تقدماً كبيراً على مر آخر نسختي من المونديال، فمثلاً كان إجمالي الحضور في ملاعب كندا عام 2015 هو مليون و278 ألف، ثلث حضور الرجال في روسيا تقريباً. بينما كان لنهائي نسخة ألمانيا 2011 بين أمريكا واليابان، الرقم القياسي السابق في المشاهدات داخل الولايات المتحدة، بـ14.1 مليون مشاهد.. (2) (3)

 

نقطة جيدة، ولكن إذا كان الفارق بين مباراة في دور المجموعات الرجالي، والنهائي النسائي، في واحد من أكثر البلدان تفتحاً وأقلهم ذكورية، وأقلهم شغفاً بتلك الرياضة على وجه التحديد، هو 4 مليون متفرج بأكملهم، فكيف يكون الحال في البلدان الأكثر شغفاً وذكورية؟ نُخبركِ أن إعلاناً واحداً بقناة كل ما فعلته هو عرض نهائي الرجال، كان ثمنه 1.18 مليون دولار، هل يبدو 35 مليون دولار رقماً مبالغاً فيه للفائز بهذا النهائي؟

  

كيف بدأت الكرة؟

 

لا زال القياس هنا منحصراً على المجتمعات الغربية، أولاً لصعوبة إيجاد معلومات بنفس الدقة والمصداقية في عالمنا العربي، وثانياً، لأن جولة واحدة في أي شارع عشوائي بين مشجعي الكرة ستوفر لك الإجابة.. لا تيأس، هناك احتمالية للعثور على شخص يتابع الكرة النسائية مرة على الأقل في كل 20 مقهى. وثالثاً لأنه كما أسلفنا، لقضايا المرأة العربية في الوقت الحالي أولويات أكثر عمقاً وإلحاحاً من الحديث عن الاهتمام بالكرة النسائية سواء من الجماهير أو الدولة، الذكور هنا لا يلقون الاهتمام أصلاً حتى يصلوا إلى دوريات الدرجة الأولى في أفضل الأحوال!

  

خرجنا أخيراً إلى مرحلة الاعتراف بالتفوق الواضح لكرة الرجال على نظيرتها النسائية، ربما لأسباب بدنية جعلت الرجال أقوى جسمانياً من النساء في الحالات الاعتيادية، ربما لأن الشغف تجاهها ينمو أسرع وبانتشار أوسع بين الذكور مقارنةً بالإناث، لكن هناك طرحاً مغايراً قد يملك جانباً من الحقيقة: السيدات لم يمارسن الكرة لنفس المدة التي مارسها الرجال لنحكم على المنتج النهائي.

  

صحيح، كأس العالم للرجال بدأ عام 1930 بينما بدأ نظيره النسائي بعدها بـ61 عاماً، ولكن هل كانت تلك هي البداية؟ هل تخلف ركب النساء عن الانطلاق حتى عام 1991؟ إلى إنجلترا مهد كرة القدم، حيث تخبرنا BBC بتاريخ قديم لظهور الكرة النسائية: 1917 في ليلة الكريسماس وتحت أنظار 10 آلاف متفرج..

  

تقول المؤسسة الإعلامية البريطانية أن مباريات السيدات حظيت برواج كبير في تلك الفترة، لم تساو الرجال فقط بل تفوقت عليهم، حيث حضر 53 ألف متفرج في ملعب إيفرتون (غوديسون بارك) لمشاهدة إحدى المباريات النسائية عام 1920، بينما كان أعلى حضور لمباريات فريق إيفرتون الرجالي نفسه، هو 39 ألف في موسم 2014-2015! حوالي 150 فريقاً للكرة النسائية في عشرينات القرن الماضي في إنجلترا وحدها، إذاً ماذا حدث؟

  

  

للمرة الأولى هنا كان صوت الحركة النسوية على حق. فبعد ازدهار اللعبة بين السيدات في خضم الحرب العالمية الأولى،  صدر قرار الإتحاد الإنجليزي في الخامس من ديسمبر 1921، بمنع النساء من لعب الكرة على الملاعب المرتبطة بالاتحاد، الأمر الذي عنى أن نجوم الكرة النسائية في ذلك الوقت لن يتمكنوا من من اللعب على ملاعب قابلة لاستقبال الجماهير! والسبب؟ وصاية ذكورية لا أكثر ولا أقل، "لعبة كرة القدم ليست مناسبة للسيدات ولا يجب تشجيعهن على لعبها"، كما قال الاتحاد آنذاك.

   

نحن نتحدث عن إنجلترا هنا، البلد الذي استعمر العالم أجمع تقريباً، أليس فيكم رجل متفتح؟ إنه مجرد قرار رجعي وسيتم التراجع عنه في القريب العاجل، العاجل حقاً.. مرحباً بكم في عام 1971، حيث تخلت إنجلترا عن غالبية مستعمراتها وتخلت أيضاً عن قرار الحظر النسائي بعد محض 50 عام! تسارعت الأحداث في الفترة التالية، ومقارنةً بطول الانتظار السابق فإنها كانت سريعة للغاية..

  

1973: تم تأسيس الاتحاد الإنجليزي للكرة النسائية (WFA). 1975: ظهر قانون يجرم التمييز بين الجنسين، وهو ما منح المرأة فرصة العمل بالتحكيم بعد أعوام طويلة. في السبعينات كانت بمثابة المأساة إن حاولت التعرف على ما يجري في الكرة النسائية عبر التلفاز، ولكن عام 1989 تدخلت القناة الرابعة وبدأت تقدم تغطية ثابتة لتلك الكرة المُهملة. وأخيراً أظهر الاتحاد الذكوري خطته لنقل الكرة النسائية إلى أعلى المستويات، عام 1997، بعد 76 عاماً من جريمته الكبرى في حق نفس الكرة.(4)

   

إلى أين؟

بالعودة إلى شجار العائد المادي، حتى تلك الكوارث التي ارتكبتها الذكورية بالكرة النسائية الوليدة في الماضي، لا تمنحها الحق في مساواة العوائد بالوضع الحالي، ربما تقليل الفجوة قليلاً، ولكن وهم المساواة الكاملة الذي لم ينتهجه سوى النرويج ونيوزيلاند حتى الآن، ربما يعكس الواقع في بلدانهم، ولكنه لن يعكس واقع الساحة العالمية أبداً..(5) (6)

   

 

حتى وإن سجلنا للكرة النسائية الإنجليزية إنجازاً تاريخاً على صعيد المنتخبات، حين باعت مباراة السيدات أمام ألمانيا على ملعب ويمبلي أكثر من 55 ألف تذكرة عام 2014، بفارق 15 ألفاً عن مباراة الرجال السابقة لها مباشرةً! هذا رقم كبير حين يقترن بجانب كنا نعتبره هامشياً للغاية في بداية تلك الرحلة، ولكن إن فازت المرأة بجولة المنتخبات لمرة، فماذا عن الأندية؟(7)

  

هل تملك الكرة النسائية قاعدة شعبية شغوفة كتلك التي يملكها الرجال؟ هل تملك الكرة النسائية ميسي أو رونالدو أو حتى نيمار؟ والحديث هنا ليس عن مجرد القيمة الفنية للاعب موهوب، بل عن أطراف رئيسية في معادلة التسويق الرياضي، بتعبير أكثر اختصاراً: تملك صفحة كأس العالم للرجال عبر "فيسبوك" قرابة 46 مليون متابعاً، وتملك صفحة المونديال النسائي 970 ألف فقط، بينما يملك كريستيانو وحده 122 مليوناً.(8) (9) (10)

  

البرازيلية مارتا التي يعرفها أغلبنا من حفلات توزيع جوائز فيفا، كانت أعلى اللاعبات أجراً عام 2016 بمجموع 500 ألف دولار.. في العام. لا ميسي ولا رونالدو تلك المرة، أليكسيس سانشيز يتلقى مبلغاً مشابهاً كل أسبوع! الأمر ليس وكأن ناديها السويدي "روزنغارد" يبخس حقها، فهذا كان الراتب الأعلى بذاك الوقت، كل ما في الأمر أنه لا يمكنه إنفاق أكثر من ذلك على الكرة النسائية حتى يصبح لها أرباح أكبر، وهذا لن يحدث إلا بالمزيد من الوقت والتطوير في صناعة المنتج وتسويقه معاً. ولكن.. هل يمكن للمنتج النسائي نفسه أن ينافس نظيره الرجالي بجدية إن توفر لهما نفس الدعم والبيئة المحيطة؟(11)

   

اللاعبة البرازيلية "مارتا" (رويترز)

    

ماذا لو؟

في البداية أثبتت الأرقام أن خطاب النسويات على خطأ، ثم أثبت التاريخ أن به جزء كبير من الحقيقة، فماذا عن الواقع؟ هل يمكن للرجل والمرأة أن يمارسا كرة القدم في مستويات متقاربة؟ الأمر لا يمكن قياسه بإقامة مباراة بين الرجال والنساء، لا يوجد فرصة، منتخب النساء الأمريكي -بطل العالم- قد خسر بنتيجة 5-2 على يد مجموعة من المراهقين تحت 15 عاماً! السؤال هو.. هل يمكن قياس المسألة على الرياضة بوجه عام؟ لنأخذ مثالاً من الواقع، أو بالأحرى من رياضة تواجدت بها المرأة منذ البداية، وفقاً لتقرير الصحفية الأمريكية إيما كويتو.(12) (13)

  

عام 1973 وفي الخامسة والخمسين من عمره، خاض الراحل بوبي ريغز مباراة ضد مارغاريت كورت، المصنفة الأولى آنذاك والفائزة بـ3 من الألقاب الكبرى في هذا العام. النتيجة كانت انتصار الرجل بالمجموعتين 6-2 و6-1 فيما عرف إعلامياً بـ"مذبحة عيد الأم". بسبب تلك المباراة ازداد ريغز غروراً وقرر تحدي بيلي جين كينغ (29 عاماً)، ولكن تلك المرة انهار الكهل الخمسيني على يد فتاة تصغره بـ26 عاماً عبر 3 مجموعات (6-4، 6-3، 6-3).

  

وفقاً لتصريحاتها عقب المباراة، حملت كينغ مشاعر بنات جنسها على عاتقها وبالتالي كان عليها الفوز انتصاراً للمرأة وإظهاراً لقدرتها أمام الرجل.. الأفكار ذاتها حملتها الشقيقتان ويليامز، الوحش الكاسر سيرينا وأختها فينوس، بعد 25 عاماً من موقعة "بريغز - كينغ"، خرجت كلمات الأختين لتؤكد أنه "لا يوجد لاعب بين الذكور خارج أول 200 في التصنيف يمكنه هزيمتهما..

  

تلك الكلمات لم ترضي أسماع رجل ألماني يُدعى كارستن براش، المصنف رقم 203 في ذلك الوقت، ليهزم سيرينا (6-1) ثم فينوس (6-2). احتفظ براش بما يسموه حقوق التبجح، مؤكداً أن آل ويليامز لا يملكون فرصة ضد أي من الـ500 الأوائل لأنه "لعب كما لو كان تصنيفه رقم 600 ليحافظ على المتعة"! بينما قالت سيرينا:"لم أعرف أن الأمر سيكون بتلك الصعوبة، لقد لعبت كرات كانت لتضمن الفوز في منافسات السيدات ولكنه تصدى لها بمنتهى السهولة".(14)

 

    

الحلقة المفقودة

المرأة ليست أقل عقلاً من الرجل، بالتأكيد إن وضعت كل تركيزها على فهم تفاصيل وتكتيك اللعبة ستلم بكل جوانبه، في هذا المجال لديها الفرصة لمقارعة الذكور مستقبلاً بل والتفوق عليهم. بالفعل كانت لدينا هيلينا كوستا، أول مدربة تقود فريقاً للرجال في صيف 2014 وتحديداً بنادي كليرمون فوت الفرنسي، ولكن سرعان ما استقالت بعد بضعة أيام بسبب "قلة الاحترام وانعدام الاحترافية"، بعد أن تعاقد المدير الرياضي مع لاعبين بدون موافقتها وتجاهل رسائلها لـ5 أيام متواصلة.(15)

  

لم يكن هناك ما يثبت أن تلك المضايقات "ذكورية" بالضرورة، فتلك الأمور يتعرض لها المدربين الرجال أنفسهم. وعليه واصل النادي إخلاصه لفكرة إقحام العنصر النسائي في عالم تدريب الرجال، معيناً كورين دياكر بدلاً منها، وبالفعل قادت الفريق لـ3 مواسم جيدة في الدرجة الثانية، حتى انتقلت لتدريب منتخب فرنسا للسيدات في 2017. هذا عن الجانب التكتيكي، فماذا عن البدني؟ (16)

   

فتحت صحيفة "غارديان" الأبواب أمام قراءها لمناقشة هذا السؤال "هل هناك رقم أولمبي للسيدات أكبر من نظيره للرجال"؟ وكانت بعض الإجابات مثيرة للاهتمام حقاً.. أحدهم قال أن السيدات -على حد علمه- لا تتفوق سوى في السباحة لمسافات طويلة، وهو ما أيده رأي آخر يرى أن النساء قادرات على مقارعة الرجال في ما يتعلق بطول النفس وقوة التحمل، بينما يتفوق الذكور في سرعة الانطلاق، ولهذا تتقلص الفوارق في الماراثون عكس تضخمها في سباقات 100 متر.

   

استمر تدفق الآراء، ليؤكد أحدهم -وتؤيده الأرقام- أن الهوامش الأقرب والتي تميل لصالح المرأة هي سباقات الخيل، أما عن الأرقام نفسها فتميل كفتها أيضاً في الرماية، إضافةً إلى مسافات رمي القرص، علماً بأن وزن قرص المرأة (1 كجم) هو نصف وزن نظيره في منافسات الرجال. رقم قياسي عالمي للمرأة في حبس الأنفاس تحت الماء، سباق دراجات عام 1967 استمرت فيه امرأة لوقت أطول من وقت الرجال بـ12 ساعة، وهكذا، الشيء الوحيد الذي يخص كرة القدم كان ميليني رودريغيز، الزوجة السابقة لرونالدو "الظاهرة"، حاملة الرقم القياسي في الاحتفاظ بالكرة في الهواء بـ55 ألفاً و198 لمسة! (17) (18)

     

 

تؤكد تلك المعطيات قدرة المرأة على منافسة الرجل في العديد من المجالات الرياضية، ولكن بالقياس على كرة القدم، فإنها تفتقر للجانب البدني الجاف في اللعبة الشعبية الأولى، لا يوجد ما يثبت قدرتها على مجاراة -أو حتى محاكاة- النسق البدني المرتفع لتلك اللعبة لدى الرجال، أو الالتحامات القوية، أو السرعة بالكرة وبدونها وغيرها من تلك الجوانب، وهو ما يقودنا لتحليل الباحث الرياضي ديفيد بيشوب، عن "قدرة المرأة على مواجهة الرجال في المنافسات الأولمبية".

  

تبدأ الرحلة من ورقة بحثية ظهرت عام 1992، تستند على التطور الخرافي لسرعة المرأة الرياضية منذ العشرينات وحتى ذلك الوقت، وتستنتج أنه بمرور الوقت سيتفوق العنصر النسائي في هذا الميدان مستقبلاً، الأمر الذي لقي رواجاً شعبياً وفقاً لاستفتاء عام 1996، والذي اعتقد به ثلثي الأمريكان أن يوم انتصار المرأة الرياضي على الرجل قادم لا محالة.

   

استناداً على تلك الورقة، كان الموعد المحدد لتفوق المرأة في الأرقام القياسية للماراثون هو عام 1998. ولكن بحلول هذا العام كان الفارق لصالح الرجال بأكثر من 10 دقائق، وعلى عكس المتوقع أن يستمر المنحنى التصاعدي للمرأة على حساب الرجل، اتسعت الفجوة عام 2016 إلى أكثر من 12 دقيقة.

  

يرى بيشوب أن الخطأ قد وقع في لحظة الافتراض بأن معدلات التطور في الماضي ستستمر في المستقبل بنفس القوة، مبرهناً على شيوع هذا الخطأ في الأوساط البحثية بمجموعة أخرى من العلماء عام 2004، رأت أنه باستمرار "الاتجاهات الخطية (Linear Trends) على نسقها الحالي، ستتفوق المرأة على الرجل في سباقات 100 متر عام 2156، متجاهلين حقيقة أن طريقة القياس نفسها، تتوقع وصول طول المرأة إلى 17 متر بحلول العام ذاته!

   

 

أما عن أسباب توقف التطور السريع لنسق الرياضة النسائية فقد أرجعها الباحث إلى التمييز الجنسي أولاً، حيث كانت العديد من تلك الرياضات محظورة على المرأة في الماضي، وبالتالي بمجرد أن فُتحت لها الأبواب حققت تطوراً سريعاً للغاية، أما السبب الثاني فهو لا يعدو كونه مجرد شكوك، عن منشطات تحتوي على هرمونات ذكورة تناولتها بعض الرياضيات من محطمات الأرقام في الثمانينات، الحُقبة التي ترجع إليها أغلب الأرقام الأولمبية النسائية والتي لا تزال صامدة إلى اليوم.

  

من بين تلك الهرمونات يلقي بيشوب الضوء على التستوستيرون تحديداً، بدراسة علمية أجريت على ثمانية من المتحولات جنسياً، حيث خاضوا سباقاً قبل وبعد خضوعهم لعملية إخماد التستوستيرون، النتيجة أن جميعهن قد سجلن نتائج أبطأ بعد العملية، ليصبح هذا الهرمون هو المتهم الأول في مسألة التفوق النوعي.. أو بالأحرى، هو من يجب على السيدة كلايمر مخاطبته بشأن مشكلة العائد المادي، وليس الجماهير.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار