انضم إلينا
اغلاق
مطلوب للتجنيد.. هيونغ مين سون وآخرون

مطلوب للتجنيد.. هيونغ مين سون وآخرون

أحمد مجدي رجب

محرر رياضة
  • ض
  • ض

أغلب الظن أن القارئ المتابع لكرة القدم أصبح يعلم قانون التجنيد الإلزامي في كوريا الجنوبية، ويعلم أيضًا الثغرات الموجودة، والتي ينفذ من خلالها الرياضيون للحصول على استثناءات. وفي الوقت التي يجد اللاعبون الكوريون أنفسهم مجبرين على الذهاب إلى الجبال الباردة في شمال البلاد من أجل انتظار خطر كوريا الشمالية، وفي الوقت الذي يحاول هؤلاء جاهدين أن يحققوا مجدًا رياضيًا للبلاد من أجل تفادي التجنيد، في ذات الوقت يذكر التاريخ المعاصر بعض أسماء لاعبي الكرة قد خدموا في جيوش بلادهم؛ إما في أوقات الحروب وإما طواعية أو حتى إلزاميًا. ويمر التقرير هنا على هذه الأسماء قبل العودة إلى هيونغ مين-سون الكوري لاعب السبيرز توتنهام في النهاية، فيتضح الفارق بين هؤلاء وبين سون وغيره من المواهب الكورية.

  

بوبي تشارلتون

سير روبرت تشارلتون[1] هو واحد من اللاعبين الأيقونيين لمنتخب إنجلترا ومانشستر يونايتد. إذ كان من الجيل الذهبي الذي حصد كأس العالم 1966 لمنتخب الأسود الثلاثة، وكان واحدًا من جيل مانشستر يونايتد الشهير تحت قيادة المدرب «مات باسبي»، أو ما يعرف بالـ «Busby Babes». وهم هؤلاء اللاعبين الصغار من مدرسة الكرة في النادي في فترة الأربعينيات والخمسينيات، والذين صنعوا مجد النادي لاحقًا مع المدرب الشهير في نهاية الخمسينيات والستينيات.

       

   

خطى تشارلتون إلى أكاديمية اليونايتد في سن الخامسة عشرة من عمره عام 1953 ووقع عقدًا احترافيًا مع النادي ضد رغبة والدته التي أرادت له دراسة الهندسة. وظهر مع الفريق الأول في عام 1956، وفي ذات العام نصحه باسبي بالانضمام إلى «سلاح الجيش الملكي»، فالتحق به مع زميله في الفريق دونكان إدواردز، بحيث يخدمان في الجيش لأيام ويلعبون للفريق في العطلات الأسبوعية.

وفي 758 مباراة خاضها تشارلتون[2] مع الشياطين نجح في تسجيل 249 هدفًا، و49 هدفًا آخرين مع منتخب إنجلترا في 109 مباراة. وصنع مجده طوال 17 موسمًا كواحد من أفضل لاعبي الوسط في تاريخ بلاده. وحصل على كأس الاتحاد مرة واحدة والدوري 3 مرات، وجائزة أحسن لاعب في العالم عام 1966.

  

إيريك كانتونا

   

ليس من المعتاد أن يختبر لاعب كرة قدم مسألة الخدمة العسكرية، وليس من المعتاد أن تقطع هذه الخدمة فترة احترافه اللعبة، ولكن أينما وُجدت الغرابة، فسوف يظهر اسم الملك إيريك.

بدأ كانتونا مسيرته في شباب نادب أوكسير، وظهر مع الفريق الأول في أواخر 1983 وبعدها بأشهر قليلة التحق بالجيش الفرنسي، وقضى هناك عامين، وبعد نهاية خدمته استأنف مسيرته بالإعارة إلى نادي مارتينغ في الدرجة الثانية موسم 1985. واستعاد مستواه سريعًا وعاد إلى أوكسير وانضم للمنتخب الفرنسي في 1987 وأحرز هدفا في ظهوره الأول أمام ألمانيا.[3]

   

المفارقة الواضحة في حالة كانتونا هو أن حياة الرجل قامت بشكل أساسي على خليط من المزاح والعنف والتجارب الغريبة والإقدام على أفعال غير معروفة العواقب. فالرجل الذي اتجه إلى لعب كرة القدم الشاطئية بعد اعتزاله، والذي شارك كممثل في بعض الأفلام، والذي مارس العنف ضد لاعبي وجماهير الخصوم بل وبعض زملائه لا يمكن أن يكون ممثلاً للقيمة الأساسية في أي نظام عسكريّ؛ وهي الانضباط!. كيف إذن ولماذا اختار تمضية عامين في الجيش الفرنسي؟.. لا أحد يعلم![4]

  

تيمو تاينيو

  

كان تيمو تاينيو هو الطفل الفنلندي المعجزة، ففي سن 15 سنة فقط أصبح لاعبًا أساسيًا لنادي هاكا الفنلندي، وفي 46 مباراة أحرز 14 هدفًا وهو لاعب منتصف ملعب. وهذا ما لفت انتباه أليكس فيرغسون، فطلب أن يقضي اللاعب المراهق فترة معايشة مع الفريق في موسم 1997. وبعد عدد من المباريات مع فريق الرديف، وبعد قليل من الأهداف جاء قراران؛ الأول من إدارة مانشستر يونايتد بالتعاقد مع اللاعب، والثاني من الجيش الفنلندي باستدعائه لأداء الخدمة العسكرية!

     

اضطر اللاعب إلى أن يعود للديار لأداء خدمته العسكرية، وهي خدمة إلزامية في فنلندا تتراوح بين حوالي 6 أشهر إلى 11. ولكن هذه العودة جاءت بعد اتفاق بين اللاعب والمدرب الأسكتلندي بأن يعود إلى مانشستر عقب انقضاء أشهر التجنيد، وهو ما لم يحدث قط. إذ فضَّل اللاعب أن ينتقل إلى أوكسير الفرنسي، حيث لعب 7 مواسم هناك قبل أن تأتي خطوة البريمييرليغ لاحقًا ولكن في صفوف توتنهام.

 

ربما يكون سبب التراجع هو أن اللاعب المراهق حينها شعر بأن المكان في وسط الملعب محجوز بالفعل لأبناء مدرسة الكرة 92 في اليونايتد مثل سكولز وبيكهام وغيرهم، وربما يكون السبب مختلف. لكن الأكيد أنه تراجع عن رأيه بالذهاب إلى مانشستر أثناء فترة تجنيده، والأكيد أن هذا القرار كان العلامة الفارقة في مسيرته.[5]

  

بروس غروبيلار

   

بدأ غروبيلار حياته كلاعب كريكيت وبيسبول، ولكنه كان أكثر اهتمامًا بكرة القدم. فالرجل المولود في جوهانسبيرغ والذي يحمل جنسية زيمبابوي بدأ مسيرته في بعض أندية زيمبابوي قبل الاستقلال وكانت حينها تسمى روديسيا. وقيل إنه قد تعرض لبعض الصعوبات في الملاعب بسبب لونه إذ كانت أصوات القومية السوداء تتعالى في البلاد. ثم نشبت بعدها الحرب الأهلية هناك وكان اسمها حرب الغابة الروديسية أو حرب تحرير زيمبابوي، وانضم إليها غروبيلار[6] واستمر جنديًا في الجيش هناك لمدة 5 سنوات.

 

 انضم غروبيلار لاحقًا للدوري الأميركي بعد أن رآه أحد كشافي المواهب في جنوب أفريقيا. وفي عام 1981 انضم لليفربول، ليبدأ مسيرة من أنجح مسيرات اللاعبين الأجانب في تاريخ الدوري الإنجليزي. إذ لعب مع النادي 628 مباراة، وفاز معهم بالدوري الإنجليزي 6 مرات وكأس الاتحاد 3 مرات وفاز بدوري الأبطال مرة واحدة موسم 1984.

   

يقارن غروبيلار بين حياته في مدينة حديثة مثل ليفربول وبين حياة الجندية في أحراش روديسيا أثناء الحرب. ويقول إنه يعلم أنه رجل محظوظ. ويروي هذا الأحداث المختلفة في كتاب سيرته الذاتية[7] بعنوان: أكثر من بعض الشيء!

     

ستان مورتينسن

    

رغم أن الاسم لا يبدو مألوفًا، إلا أن مورتينسن من أهم لاعبي كرة القدم الإنجليزية؛ فهو واحد من أصحاب الأهداف الأربعة في نهائي كأس العالم 1966، وهو اللاعب الوحيد الذي استطاع تسجيل هاتريك في نهائي كأس الاتحاد عبر تاريخ هذه البطولة العريقة. وهو لاعب بلاكبول الإنجليزي وعدد آخر من الأندية هناك محرزًا ما قرابة الـ 200 هدف.

في عمر الثامنة عشرة كان مورتينسن جنديًا في الجيش البريطاني أثناء الحرب العالمية الثانية، ونجا من انفجار أودى بحياة كل زملائه في الفرقة معه. والتحق بعدها ببلاكبول.[8]

  

كوريا الجنوبية

بعد أن تأهلت كوريا الجنوبية للمربع الذهبي بمونديال 2002 صد قرار بتخفيض مدة التجنيد للاعبي المنتخب هناك إلى شهر واحد بدلاً من 26. وخرج حينها سيول كي هيون لاعب المنتخب وأندرلخت البلجيكي يقول[9] إن الأسابيع الأربعة التي قضاها في معسكرات الجيش جعلت منه رجلاً صلبًا وأنه لو كان أمضى فترة تجنديه كاملة، لما أثر ذلك على مسيرته ولعرف كيف يعود أقوى مما كان وأن ينتصر. والحقيقة أن هذا المهاجم قد استمر في الملاعب فترة 12 موسمًا بعد المونديال وفشل في أن يحرز فيهم مجتمعين ما يزيد عن 53 هدفًا. وهذا الفشل هو خير دليل على ما يحمله تصريحه من هراء!. فمن السهل بالطبع أن يتحدث أحدهم عن عظمة القيم التي يغرسها التجنيد العسكري في نفوس الشباب ما دام قد فلت هو من هذا المصير.

            

خط الحدود الفاصل بين الكوريتين

      

وعلى جانب آخر يرسم لنا المخرج تشان-ووك بارك في فيلم[10] Joint Security Area شكل حياة المجندين الكوريين الشماليين والجنوبيين على خط الحدود الفاصل بين الكوريتين، كمجوعة من الأشخاص المُلقى بهم في الجبال والغابات الجليدية منظرين في ترقب وملل ذلك الهجوم الذي ربما يأتي أو لا يأتي من الطرف الآخر. مجموعات من الشباب والجنود لا تفرق بينهم لغة ولا عرق ولا دين ولا تاريخ، وكل منهما يُطلب منهم أن يرى الآخر كعدو وأن يكون على أهبة استعداد الهجوم عليه. لماذا؟ .. لأن الحرب الأهلية الكورية قد قسمت هذا البلد الواحد إلى بلدين منذ نصف قرن من الزمن.  هذا هو المصير الذي كان ينتظر 3 من لاعبي منتخب كوريا الجنوبية قبل المباراة المرتقبة مع اليابان في نهائي دوري الألعاب الآسيوية 2018 ومنهم نجم توتنهام هيونغ مين سون. هذا المصير الذي لا يحمل أي نبل أو شجاعة بقدر ما يحمل تدميرًا لمسيرة اللاعب في أهم سنوات حياته.

  

لقد فازت[11] كوريا الجنوبية، ونجا سون بمسيرته في السبيرز، ولكن العكس كان يمكن أن يقع، وهذا هو الفارق بين الأمثلة التي أوردها هذا التقرير وبين حالة سون. فهؤلاء إما أنهم قد التحقوا بالخدمة طبقًا لإرادتهم الحرة أو أنهم أدوا خدمة إجبارية قصيرة في بداية حياتهم لم تتسبب في إيقاف مسيرتهم. أما هيونع مين سون فكان في وضعية مقايضة على استمرار مسيرته، أو وضعية أمل ورجاء وإحباط منتظر، وهذه الحال أكثر قسوة من أن يجبر على إيقاف مسيرته مع السبيرز ويعود للديار من أجل إنهاء الخدمة العسكرية. الأمر يشبه مباراة من مباريات المصارعة القديمة والتي يلعب فيها المصارع على حياته. لقد تحول الأمر إلى ما يشبه مسألة الحياة والموت، وكرة القدم لم تكن أبدًا مسألة حياة وموت. إن كانت مسيرة سون في كرة القدم أو غيره من اللاعبين ليست هامة إذا ما قُورنت بالخدمة العسكرية في كوريا، فلماذا أنفقت كوريا كل تلك الأموال من أجل تنظيم كأس العالم 2002؟ وإذا كانت كرة القدم غير هامة، فلماذا إذا يُستثنى اللاعبون الكوريون من التجنيد في حال حققوا فوزًا دوليًا لمنتخبهم.[12]

       

    

عاش هيونغ مين- سون أعوامًا من التوتر والقلق القاتلين منذ أن رفض ليفكوزين السماح له بالمشاركة في دورة الألعاب الآسيوية 2014 وبعد أن فشل منتخب كوريا في التأهل عن دور المجموعات في كأس العالم 2018. وأمام اليابان أفلت من التجنيد الإجباري، وأفلت من قضاء عامين آخرين منتظرًا أولمبياد 2020 من أجل مباراة حياة وموت مرة أخرى، وهو ما يبرر ملامح الفرح التي حملها وجهه وكأنه أفلت من حكم إعدام. ولكن السؤال ما هي أهمية ذلك إذا ما ظلت مسألة التجنيد الإجباري في كوريا قادرة دومًا على إيقاف مسيرة لاعبيها؟ ولماذا يُوضح هؤلاء اللاعبون في مقايضة على هذه المسيرة؟  والكرة في النهاية ليست أهم من الحياة والموت كما قال بوب بايزلي، ولكنها أهم الأشياء غير الهامة كما قال أريغو ساكي!

تقارير متصدرة


آخر الأخبار