انضم إلينا
اغلاق
تاريخ من الدماء والحروب.. صراع العروش بديربيات الكرة الإنجليزية

تاريخ من الدماء والحروب.. صراع العروش بديربيات الكرة الإنجليزية

أحمد مجدي رجب

محرر رياضة
  • ض
  • ض

قبل أسابيع قليلة من بداية كأس العالم الأخيرة المقامة بروسيا، خرج المدافع التاريخي لمنتخب إنجلترا ومانشستر يونايتد ريو فيرديناند يشرح سبب فشل الجيل الإنجليزي الذهبي على المستوى الدولي. وقال إن التنافس بين الأندية الإنجليزية كان السبب الذي أدى إلى نوع من غياب الترابط بين اللاعبين في المنتخب. ففي موسم ما يتنافس اليونايتد وليفربول على لقب الدوري وفي موسم بعده يتنافس اليونايتد مع تشلسي. لذلك كان من الصعب أن تصير غرفة الملابس الإنجليزية مكان وديًا، إذ حسب كلمات[1] فيرديناند فقد كان يخشى أن يتحدث إلى لامبارد أو جيرارد أو كاراجر أو أشلي كول، فتتسبب كلماته بمعرفه شيء ينقله هؤلاء اللاعبون إلى غرف خلع الملابس في أنديتهم، وتنكشف الأسرار الفنية!

 

      

    

بالإضافة لكلمات المدافع الإنجليزي الشهير يمكن لحقيقة أخرى أن توضح الحال بين أندية كرة القدم هناك. فقد عرفت إنجلترا في تاريخها الكثير من الاقتتال الأهلي القائم على مسألة الانتماء لمنطقة أو لعائلة. وتحاربت هذه المناطق والعائلات لعقود طويلة، وامتدت بعض هذه الحروب لقرون. وهو ما شكل نوعًا من الانتماء المتعصب للمدن والمقاطعات، ولاحقًا استطاع هذا التعصب أن يجد في كرة القدم وسيلة للتعبير عنه. فمن أشهر تلك الحروب[2] مثلا «حرب الوردتين Wars of the Roses» في القرن الخامس عشر، والتي استمرت لأكثر من 3 عقود، وتقاتل فيها «عائلة يورك House of York» و«عائلة لانكسترHouse of Lancaster» على أحقية كل منهما بعرش إنجلترا.. نعم! لقد كان صراع العروش.

   

 

العلاقة بين أندية كرة القدم في إنجلترا لا تختلف كثيرًا عمّا يعرفه جمهور «Game of Thrones»، حيث الجميع يعادي الجميع. وبعيدًا عن الخلافات الكروية الكبرى التي يعرفها المتابع للدوري الإنجليزي بين مانشستر وليفربول مثلاً أو بين أرسنال وتوتنهام أو غيرهم، فهناك خلافات جانبية بين الكثير من الأندية؛ إما الأندية في داخل المدينة الواحدة، أو بين مدينتين. وتستطيع هذه الخلافات أن ترسم طابعًا معينًا لكرة القدم والمجتمع هناك. ونسرد هنا بعض من ديربيات الكراهية هذه. ولكن قبل السرد، ربما يظن القارئ أن الربط بين التاريخ البعيد لإنجلترا وبين علاقات أندية كرة القدم فيها هو نوع من المبالغة. ولهذا بدأنا السرد بالحديث عن ديربي مانشستر يونايتد وليدز يونايتد، والذي يسمى بـ «ديربي الوردتين»، لأن النادي الأول من يوركشاير (حيث كانت عائلة يورك) والثاني من لانكشاير (حيث كانت عائلة لانكستر)!

   

بلاكبيرن وبيرنلي

تقع مدينتا بلاكبيرن وبيرنلي في شرق مقاطعة لانكشاير الإنجليزية، ويفصل بينهما 18 كيلو متر فقط. ويُعتبر الديربي[3] بينهما قديمًا قدم الكرة نفسها. ولأن المدينتين كانتا من المدن القائمة حول مصانع إنتاج القطن، فقد أصبحت الأندية بمثابة المتنفس والمعبر عن هؤلاء العمال. ولأن كرة القدم تقوم بشكل أساسي حول مسألة المنافسة والخصومة، فقد وجد كل نادٍ في الآخر ذلك الخصم الذي يبحث عنه. بحيث يكون الفائز بينهما هو من يجلب لمدينته الأفضلية. وهو ما حققه بلاكبيرن بالفوز بلقب لانكشير 4 مرات متتالية بين 1882 إلى 1885.

  

بدأت مواجهات الفريقين الودية في عام 1888. وبعدها بسنوات قليلة كان بيرنلي وبلاكبيرن من الأندية الـ 12 التي أسست الدوري الإنجليزي. وكانت التفوق بصورة واضحة من نصيب بلاكبيرن والذي استطاع أن يفوز في أول ديربي بالدوري الممتاز بنتيجة 7-1. وعرف التتويج كذلك بصورة مبكرة؛ ففاز بلقب كأس الاتحاد للمرة الأولى عام 1884 وفاز بالدوري موسم 1911، بينما تأخر بيرنلي وكان لقب كأس الاتحاد الأول له في موسم 1914 والدوري الأول له في موسم 1921.

 

  

 

لم يستطع أي من الفريقين الحفاظ على مكانته بين الكبار لاحقًا. وأصبح ديربي شرق لانكشاير حدثًا نادرًا لا يتكرر كثيرًا بعد الستينيات. ونادرًا ما تواجد الفريقين في نفس الدرجة من الدوري كي يتواجها. ورغم التغطية الإعلامية الطفيفة إلا أن الديربي مازال مهمًا عند مشجعي الفريقين.ف في 2017 بكأس الرابطة شهد الديربي أحداث عنف أدت إلى القبض على 5 من مشجعي الفريقين. وكان ذلك بعد اقتحام أحد مشجعي بلاكبيرن للملعب وتبادل الضرب مع أشلي ويستوود لاعب بيرنلي. ربما لا يفهم المتابع العادي لكرة القدم هذا الموقف، خاصة وأن حظوظ الفريقين في البطولات قليلة جدًا، وأن كأس الرابطة ليس بالبطولة الهامة، ولكن أهل مقاطعة لانكشاير يفهمون بالطبع!
 

ديربي الساحل الجنوبي

يرتبط الديربي[4] بين ساوثهامبتون وبورتسموث باسم هاري ريناب، المدرب المخضرم هناك. وقبل الحديث عنه يجب شرح أصل المنافسة. فالناديين هما الأهم في منطقة ساحل إنجلترا الجنوبي ويفصل بين المدينتين 31 كيلو متر فقط. ودائمًا ما يظهر السؤال عن أفضلية أي منهما هناك، ولا يحسم أحد هذا السؤال. لأن رغم تفوق القديسين تاريخيًا بمجموع 34 فوزًا على بورتسموث من أصل 70 لقاء جمع بينهما، إلا أن الأخير هو الأكثر تتويجًا عند المقارنة؛ إذ يحمل لقبيّ دوري إنجليزي حصل عليهما في نهاية الأربعينيات، ولقبي لكأس الاتحاد. بينما يتوقف رصيد ساوثهامبتون عند لقب كأس واحدة. ولذلك رغم تفوق القديسين في المواجهات المباشرة إلا أن التفوق النهائي يذهب لبورتسموث. وهذه الوضعية خلقت حالاً من الكراهية الشديدة بين الناديين.

  

  

أما عن هاري ريدناب فقد بدأ بتدريب بورتسموث ونجح في حسم لقب تشامبيونشيب معهم والصعود للبريمييرليغ في موسم 2003، ونجحوا في البقاء هناك موسم 2004. ولكن في النهاية غادر النادي بعد خلافات مع الإدارة وتولى مهمة تدريب الخصوم المباشرين ساوثهامبتون! وبالطبع انهالت عليه كل أوصاف الخيانة من مشجعي ناديه السابق، ووصفوه بـ «يهوذا الخائن». ولكن مهمته فشلت مع القديسين، وهبط معهم من الدوري الممتاز، وتمت إقالته لاحقًا في 2 ديسمبر 2005، وفي 7 ديسمبر عاد إلى بورتسموث. ومن السهل طبعًا أن نفهم انفجار الكراهية الذي تبع تلك الخطوة! وهذا يشبه ما حدث مع بيتر كراوتش الذي مثّل ألوان بورتسموث في بداية مسيرته، ثم مر على ساوثهامبتون وتألق معهم، وبعد مسيرة قصيرة في ليفربول، عاد إلى بورتسموث!

  

العلاقة بين جماهير الفريقين بسيطة للغاية؛ كلاهما يكره الآخر. ورغم قلة مرات تواجههما في الدوري نظرًا لأنهما لم يلعبا في نفس الدرجة لفترة طويلة، إلا أن كل مباراة تعود الأوصاف والألقاب البغيضة التي يطلقها كل فريق على الآخر. فجماهير بورتسموث تطلق على القديسين وصف الـ «حثالة scummers». وهو ما دفع جماهير ساوثهامبتون لتسميه خصومهم بـ «البحارة الأغبياء Stacks».

   

ديربي تاين وير

في موسم 1901 احتشد 120 ألف مشجع من أجل الدخول لملعب سانت جيمس بارك لحضور مباراة نيوكاسل ضد سندرلاند بينما كانت سعة الملعب الرسمية حينها لا تتجاوز الـ 30 ألف. لأن ديربي تاين واير هو واحد من أهم ديربيات إنجلترا. أو الديربي التي تتحول فيه كرة القدم إلى عقيدة دينية كما قال سير بوبي روبنسون.

  

19 كيلو متر هو المسافة الفاصلة بين نيوكاسل وسندرلاند، وحرب[5] استمرت لعقد من الزمن. كانت هذه ه الحرب الأهلية الإنجليزية بين الملكيين والبرلمانيين، والتي انتهت بتحويل انجلترا لنظام حكم برلماني ونزع الكثير من السلطات الملكية. وكانت نيوكاسل هي واحدة من معاقل الملكيين في هذه الحرب، أما سندرلاند فقد كانت برلمانية. وبنهاية النزاع في أواخر القرن السابع عشر، استطاعت الجماهير أن تجد في كرة القدم تجديًا له في نهاية القرن التاسع عشر. ومنذ ذلك الحين فقد أصبح الديربي بمثابة إعادة إحياء للحرب الأهلية الإنجليزية؛ سواء كان في ملعب الأضواء أو ساحة القديس جيمس.

 

   

   

يشهد هذا الديربي في بعض الأحيان ظاهرة لا تتكرر كثيرًا في ملاعب إنجلترا؛ وهي محاولة منع جمهور الخصم من حضور المباراة. ففي موسم 1997 اتخذت الشرطة قرار بتحديد عدد 1000 مقعد فقط لجماهير نيوكاسل لحضور الديربي في ملعب سندرلاند، وهو ما ردت عليه إدارة نيوكاسل بمنع جماهير سندرلاند في الحضور لمباراة ملعب سانت جيمس بارك. وفي 2014 قررت الشرطة[6] ألا يدخل لملعب سانت جيمس بارك إلى جماهير سندرلاند التي سوف تسجل أسمائها وتستقل حافلات معروفة مسبقة تتحرك من المدينة نحو مدينة الخصوم. هذه الظاهرة لم تتكرر كثيرًا في أوروبا. وإن كانت قد حدثت في الأرجنتين، التي تمتلك أعنف ديربي في العالم بين بوكا جونيورز وريفربلات. لكن حضورها في الملاعب الإنجليزية يظل غريبًا. لكن عنف جماهير الفريقين وجماعات الهوليجانز الخاصة بكل منهما يمكن أن يصبحح سببًا مباشرًا في أحداث عنف واقتتال ربما لا تستطيع الشرطة أن تتعامل معها.

  

ديربي عمال الموانئ

تعرف لندن الكثير من الديربيات، وكل فريق يعتبر الجميع خصومًا؛ أرسنال.. توتنهام.. تشلسي.. ويستهام.. كريستال بالاس. ولكن الغريب أن لقب الديربي الأعنف يذهب لناديين لم يلتقيا في الدرجة الممتازة إلا 6 مرات فقط طيلة ما يزيد عن القرن من تاريخيهما؛ ويستهام وميلوول.

 

    

 

نشأ الناديان كأندية عمال في موانئ على نهر تمز في لندن، ويرجع سبب[7] الكراهية الشديدة بينهما إلى سببين؛ الأول هو التنافس بين الشركات التي كان يشتغل هؤلاء العمال لديها، والثاني هو رفض عمال ميلوول للمشاركة في اضراب نادى إليه عمال منتمين لويستهام في 1926 بل ومشاركتهم في إفساد هذا الإضراب. ومنذ ذلك الحين أصبحت الخصومة بينهما قاتلة. أصبحت خصومة شمال وجنوب نهر التمز. وبدأت ما نعرفه بـ «ديربي عمال الموانئ Dockers Derby».

   

بعد الحرب العالمية الثانية خفت حدة المواجهات بين الفريقين؛ إذ كان كل واحد منهما يعاني بطريقته الخاصة بعد الهبوط إلى دوريات الأقسام الثالث والرابع. ولكن مع بداية السبعينيات، وظهور تنظيمات الهوليغانز[8] في إنجلترا أصبح هذا الصراع أكثر عنفًا ودموية. فالمواجهة الأولى بين هوليغانز ويستهام «Inter City Firm» وهيوليغانز ميلوول « Millwall Bushwackers» كانت في مباراة في عام 1972 يفترض أن تكون تشريفيه لاعتزال المدافع هاري كريبس الذي لعب في صفوف الناديين. ولكن الأمر انقلب لمواجهة دامية بين جماعتي الهوليغانز. وفي حادثة أخرى، لقي أحد مشجعي ميلوول مصرعه بعد أن سقط من سطح أحد القطارات أثناء عراك مع مشجع لويستهام!

  

وحتى الآن فإن الصراع والدماء بين جماعتي الهوليغانز لم يخف، ويصطدم أكثر مع الشرطة والتي تعتبر الطرف الثالث في هذا الموقف. ولعنف هذه الخصومة، فقد اتجهت الكثير من أفلام السينما للحديث عنها، مثل فيلم Green Street والذي ذكرناه في تقرير سابق عبر ميدان[9].

  

يسهل أن تبحث على شبكة الإنترنت[10] [11] لتجد عشرات الديربيات والخصومات في كل دوري في العالم، ولكن عندما يأتي الأمر لإنجلترا، فسوف تجد أن الخصومات لا متناهية. هناك مثلاً ديربي المدينة الحديدية بين شيفلد يونايتد وشيفلد وينزداي، وديربي بريمنغهام بين ناديي بريمنغهام وأستون فيلا، وديربي آخر يجمع بين نوتغهام ودربي كاونتي وكلاهما يدين بالفضل للمدرب براين كلوف في صناعة مجديهما. هناك ديربيات الـ Tyne بين ميدلزبروه ونيوكاسل وسندرلاند؛ إذ كل نادٍ يكره الناديين الآخرين. بالإضافة إلى ديربيات ويلز مثل ديربي كارديف وسوانزي. وكل ذلك يأتي في مرتبة تالية لديربي أولد فيرم الأسكتلندي. والمستنتَج من كل ذلك هو أن شكل الانتماء والتعصب في إنجلترا يختلف عن بقية أوروبا، ويبدو أن تلك البلاد التي أمضت قرونًا في الحروب الداخلية، رغم أنها وصلت للسلام أخيرًا ومنذ قرون، إلا أنها تمتلك طابعًا من من التعصب ضد المختلف لتصبح الكرة هناك تنويعًا -آخر كما ذُكر- على «صراع العروش».

تقارير متصدرة


آخر الأخبار