انضم إلينا
اغلاق
توتنهام ومانشستر يونايتد.. هل افتقد أحدكم مورينيو؟

توتنهام ومانشستر يونايتد.. هل افتقد أحدكم مورينيو؟

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

قبل هذه المباراة كانت هناك معضلة فلسفية في يونايتد؛ سولشاير حقق 6 انتصارات متتالية كأول مدرب يفعلها منذ سير مات باسبي، والمدرب الوحيد الذي يفعلها بفارق هدفين أو أكثر في كل مباراة خلال الـ100 عام الأخيرة من كرة القدم الإنجليزية، ولكن أحدًا لم يعتبر ذلك دليلًا على أي شيء لأنها لم تتضمن أندادًا حقيقيين، وتعامل الجميع مع الانتصارات الست على أنها بديهية لأنها أتت أمام فرق النصف الأسفل من جدول البريميرليغ والتشامبيونشيب، بديهية باعتبار ما كان يجب أن يكون لا باعتبار ما كان فعلًا، ببساطة لأنها لم تكن كذلك مع مورينيو. (1)

  

هذا أشبه بمعضلة قطة شرودنغر، يونايتد سولشاير حي وميت في ذات الوقت. العبارة الأخيرة من الفقرة الماضية تثبت أننا اعترفنا بنجاح النرويجي دون أن ندرك، وحتى لو كان مبدئيًا، لأنه وصل إلى حدود المتوقع بينما فشل سلفه في ذلك. هذه حقيقة، ولكنها تسير بالتوازي مع حقيقة أخرى تقول أن الرجل لم يتعرض لما يكفي من الاختبارات لتقييمه، والفرق بين الاثنين هو الفرق بين النسبي والمطلق، سولشاير نجح مقارنة بمورينيو، في 6 مباريات فقط، ولكن مقارنة بمانشستر يونايتد، فهو لم ينجح بعد. (2)

    

    

نحن لا نركل الكرة

هذا يخبرك عن مدى أهمية هذه المباراة، ليس فقط لأنها أمام أحد الستة الكبار الذين فشل يونايتد في الفوز على أي منهم هذا الموسم، بل لأنها مواجهة بين مدرب مانشستر الحالي والمرشح الأبرز لخلافته، صراع ديكة واضح ومباشر على وظيفة الأحلام.

  

طبعًا كانت المفارقة أكبر مما يمكن تجاهله، وقبل المباراة تحدث النرويجي عن نجاح الأرجنتيني مع السبيرز باعتباره أهم مسوغات التعيين، ووسط بحر المجاملات لم ينتبه الكثيرون لمدى المكر الذي تحمله إجابات سولشاير على أسئلة الصحفيين، غالبًا بسبب الانطباع الأول الذي يتركه وجهه الطفولي وانفعالاته العفوية على الخط؛ أولي، ما رأيك في القول بأن الفرق التي تغلب عليها مانشستر يونايتد حتى الآن هي فرق قاع الجدول؟ حقيقةً، يعجبني مانشستر يونايتد الذي يستطيع الفوز على فرق قاع الجدول. أولي، ما رأيك في القول بأن هذه المواجهة هي ما سيحسم الاختيار بينك وبين بوتشيتينو؟ حقيقةً، الأمر ليس متعلق بي أو به، فلسنا نحن من سيركل الكرة في النهاية. الإشارات بين السطور لا تحتاج إلى شرح. (1)

    

طبعًا يصعب أن تصف تشكيلة بوتشيتينو بأنها اضطرارية لأن الكلمة تفقد معناها مع أسماء من طراز كين وآلي وإيريكسين وسون وغيرهم، ولكنها كانت كذلك. وانياما وديير مصابون وهذا يعني أن الرائع وينكس سيبدأ مثلما فعل في المباريات الأخيرة، وأن من سيتولى تعطيل بوغبا هو سيسوكو، هذا طبعًا في الأوقات التي لا يعود فيها رفقة تريبييه لنزع فتيل مارسيال أو ينطلق فيها على الخط لإرسال العرضيات لكين وآلي داخل المنطقة. الباقي مفهوم بحكم التكرار والعادة، ربما باستثناء ديفيز الذي كان أقل الحلول ضررًا أمام سرعة راشفورد، ليس لأنه أسرع من روز طبعًا، ولكن لأن حسن تمركزه في المواقف الدفاعية قد يجنبه سباقات السرعة من الأصل.

    

تشكيل الفريقين وخطة اللعب والتقييم الرقمي  (هوسكورد)

   

سولشاير يتمتع بقدر من الذكاء. هذا ما تدركه بعد تراجعه عن الضغط العالي في الدقائق الأولى. طبعًا تطبيق الضغط في البدايات هو تكتيك متبع عندما تنوي قضاء أغلب المباراة خلف الكرة، سيميوني مثلًا يلجأ له في أغلب المباريات لأن النجاح في التسجيل يمنحه الفرصة لقضاء باقي وقت المباراة في مناطقه، وفي ذات الوقت يمنحه أكبر عدد من الدقائق للتعويض إن جاءت النتائج عكسية. النرويجي كان يخطط لحائط الصد المتوسط Medium Block من البداية، ومن ثم كان يحتاج لمزيد من السرعة والجهد على حساب الفنيات. السرعة التي تحدث عنها كثيرًا قبل المباراة والتي تؤكدها الإحصائيات الجديدة بعد مورينيو، كون مانشستر سولشاير أصبح يصل للمرمى بأقل عدد من التمريرات وبسرعة فائقة، مستغلًا الجناح العكسي في أكثر هذه المرات. هذه جملة متكررة في المباريات الأخيرة.

  

اللعب مع الكبار

من هنا وقع الاختيار على لينغارد بدلًا من ماتا. أولًا قام النرويجي بمعادلة خطة خصمه ليبدأ بـ4-3-1-2، كون لينغارد هو الـ1 وبحرية بديهية لبوغبا تتيح له التقدم في العمق وتحويل جيسي لمهاجم إضافي، هذا مهم للغاية للبناء عليه لأن هدف سولشاير هو إغراء السبيرز لمنطقة محايدة أولًا، وحينما يبدأ بوتشيتينو في عمليات التحميل الزائد المعتادة على أحد طرفي الملعب Overload لخلق الفراغ في منطقة أخرى، يكون النرويجي قد أعد العدة لفعل الأمر ذاته، ولكن في مساحات أكبر  بحكم تراجعه للثلثين الأخيرين من الملعب. هكذا يصبح راشفورد ومارسيال أخطر بكثير من سون وآلي.

   

لندخل في التفاصيل إذن، قبل خروج سيسوكو بدا وكأن يونايتد قادر على التسجيل كلما نجح في تخطى خط الضغط الأول والوصول لمناطق التحضير، والفضل الأول كان لبوغبا بطبيعة الحال لأنه تقدمه كان يضع دفاع السبيرز في مواجهة مباشرة مع ثلاثية لينغارد وراشفورد ومارسيال، ثلاثة مهاجمين يشغلون أنصاف المسافات الثلاثة في خط بوتشيتينو الخلفي ليصبح كل منهم هدفًا محتملًا لتمريرة بينية أو عرضية، وفقط سيسوكو كان قادرًا على الوقوف في وجه الفرنسي أو تأخيره على الأقل.

   

كانت هذه لقطة من حظ سولشاير الحسن كما وصفها بارني روني، لأنه في الدقيقة التالية لإصابة سيسوكو مباشرة تم إعداد المسرح المثالي ليقدم النرويجي عرضه ويحصل على ما يريده بأقل مجهود ودون الحاجة لتقدم بوغبا من الأصل، فبخروجه تحول بوتشيتينو إجباريًا إلى ما يشبه 4-4-2 بتواجد لاميلا وآلي على الأطراف وإستمرار سون رفيقًا لكين في الهجوم، ولكن هذا إضطره إلى إعادة إيريكسين إلى يمين الارتكاز بالتبعية، ليفقد بوغبا رقيبه الوحيد تقريبًا ويُحرم تريبييه من أي عون دفاعي ممكن حال تقدم مارسيال. هذا أشبه بسكب البنزين على النار. (3)

      

لمسات إيريكسين قبل وبعد خروج سيسوكو (هوسكورد)

      

يبدأ الـ Overload على يسار يونايتد ببساطة لأن هذا هو موقع إيريكسين الجديد، سرعة راشفورد مهمة للغاية كما ذكر سولشاير ولكنها لا تعني أي شيء بدون عقل في الملعب وآخر على الخط. النرويجي يلجأ لتكتيك الجناح المعزول Isolated Winger الذي سجل منه دورتموند فافر العديد من الأهداف هذا الموسم؛ أولًا لينغارد يلازم وينكس كظله، ثانيًا مارسيال يعود لمساندة شو وغلق زوايا التمرير على الخط، في نفس اللحظة يتقدم راشفورد بضعة أمتار في انتظار اللحظة المفتاحية التي تمنح كل ما سبق قيمته، اللحظة التي سيضطر فيها تريبييه لتمريرة عرضية تجاه العمق، التمريرة التي سيعترضها لينغارد في دور أشبه بفيرمينو ليفربول الموسم الماضي ثم سيعقبها تمريرة أخرى تمهيدية لبوغبا Lay-off Pass، وبوغبا الذي سيستطيع التخلص من الضغط لأن سيسوكو قد خرج.

   

الكم الأكبر من هجمات الفريقين أتى من يمين توتنهام ويسار يونايتد (هوسكورد)

      

أين راشفورد؟ على خط واحد تقريبًا مع آخر مدافع ينتظر انطلاق سباق العدو جهة المرمى. لماذا لم يكن ديفيز بجانبه؟ لأن مدربه أخبره أن يتقدم على الخط ليوفر خيار تمرير إضافي. لماذا أخبره مدربه؟ لأنه لم يبن خطته على احتمالية أن يفقد الكرة في أولى مراحل التحضير، ولو فعل لكان من الأوقع ألا يأتي لويمبلي من الأصل. هذه مخاطرة أخرى مطلوبة في هذا النوع من المواجهات.

    

عملية التحضير لهدف يونايتد والتحول السريع جهة المرمى من خط التصدي المتوسط medium block  (مواقع التواصل)

      

دخول مفاجئ

تكتيك بدائي طبعًا ولا شيء مميز حياله، ولكنه يعتمد بالأساس على الجودة في التنفيذ، والجودة في التنفيذ تعتمد على الكفاءة في التعامل النفسي والذهني مع اللاعبين. لو كانت كل الخطط الناجحة معقدة تحتاج إلى عمليات ترحيل متداخلة وتبادل مراكز يصيب المنافسين بالدوار لما نجح إلا مدربين أو ثلاثة في العالم. خرج يونايتد منتصرًا من الشوط الأول وبدأ الثاني ليحين دور الجزء المتبقي من الخطة؛ ديفيد -الأخطبوط- دي خيا.

   

ساعة من الركض غير المتوقف والضغط الإيجابي والاسترجاع السريع للكرة والانطلاقات الهجومية المتتالية وصفتها غارديان بـ"كرة أولي" Ole-Ball، وبعدها تُرك الأمر بين أيدي وأقدام دي خيا. 11 إنقاذ في مباراة واحدة كرقم قياسي هذا الموسم، من ضمنهم 4 تصديات شبه مستحيلة، بعد شوط أول لم ينجح فيه فريق بوتشيتينو في التسديد ولو لمرة واحدة على المرمى بسبب تنظيم الشياطين ونجاحهم في إجبار السبيرز على تسديدات يائسة من خارج المنطقة، التنظيم الذي بدأ يتساقط تدريجيًا بفعل الإعياء بعد بداية ندية للشوط الثاني. (4)

     

    

بعد المباراة قال بوتشيتينو أن فريقه صنع ما يكفي من الفرص ليتعادل، وهو محق تمامًا، ليست وظيفته أن يتفوق على دي خيا بل أن يأتي بخطة تضع لاعبيه في مواجهته. هذه مباراة يعود فضلها بالكامل إلى الرجل ومن الصعب لوم الأرجنتيني على نتيجتها. طبعًا يمكنك أن تلومه على البداية المهزوزة والاختراقات المتكررة لدفاعه في الشوط الأول، ولكن بعدها لم يكن تصحيح كل ذلك بيده، لأنه عندما يكون الإسباني في يومه فإن التسجيل في مرماه يكون أشبه بالدفاع أمام ميسي؛ ماورائيات خارقة لا يملك المدربون من أمرها شيئًا. (5)

    

هذا لن يغرينا بارتكاب الخطأ الشائع هنا، وتجاهل حقيقة أن الكثير من لاعبي يونايتد قد تحسنوا بشكل مفرط في الأسابيع القليلة الماضية؛ بوغبا عاد لسيرة يوفنتوس وراشفورد أوجد حلًا فعالًا لأزمة الجناح الأيمن وهيريرا أصبح أساسيًا كما يملي المنطق وشو مستمر في انتفاضته منذ أيام مورينيو الأخيرة، ولتسمح لنا أن نقولها مهما بدت مبكرة؛ لينديلوف مدافع جيد قادر على اللعب في مانشستر يونايتد إذا حظي بمدرب جيد قادر على تطويره، شأنه شأن كل المدافعين الشبان.

   

وضع المدرب

مباراة بدأت بمفارقة، وغالبًا يعني هذا أن أحداثها ونتيجتها ستنتج المزيد من المفارقات، ولكن من بينها كان هناك اثنتان جديرتان بتسليط الضوء، الأولى؛ واسمح لنا أن نقولها أيضًا، أن سولشاير قدم المباراة التي كان يتمناها مورينيو. في الواقع، لو كان مورينيو واقفًا على الخط أثناء الهدف لأصيب بصداع حاد من فرط العظمة. فقط إن تحليت بقدر من التجرد وعدت إلى التفاصيل التكتيكية لما وجدتها مختلفة كثيرًا عما حاول البرتغالي تنفيذه في العديد من المباريات؛ سولشاير يطالب راشفورد ومارسيال بالتراجع وأداء الأدوار الدفاعية، وكذلك بوغبا، ودي خيا مازال هو أفضل لاعبي الفريق في المباريات الكبيرة حتى مع تألق المايسترو الفرنسي، ولينغارد مازال يقدم نفس المردود البدني وحتى الفني.

  

الفارق بين هذا وذاك هو التفاصيل التي تجلب النجاح أو الفشل، تفاصيل مثل المدافع السويدي الذي تلقى أكبر كم ممكن من السباب طيلة الموسمين الماضيين ولم يشهد مستواه أي تطور يذكر، وحارس المرمى الذي كان يشعر أنه يفعل أقصى ما بوسعه ليجنب فريقه هزيمة تاريخية لا لكي يحافظ على فوزه، ولاعب الوسط المزاجي الذي يصر مدربه على إخراج أسوأ ما فيه بدلًا من العكس.

    

    

المفارقة الثانية هنا أننا ما زلنا في المربع صفر تقريبًا. هذه المباراة مقياس مهم على ما يستطيع سولشاير تقديمه، ولكنها ليست معبرة عما سيقدمه فعلًا إن استمر في قيادة الشياطين. هذه المواجهة كانت محاولة لتقديم القرابين لإدارة الغليزرز، وقف خلفه فيها اللاعبون أنفسهم لأنه لا يوجد لاعب لا يحب الاستقرار أو يتمنى العمل مع ثلاث مدربين مختلفين خلال ستة أشهر، لذا يمكنك اعتبارها مؤشرًا على ما قد يفعله النرويجي في اختبارات الكبرياء المشابهة، عندما يريد أن يثبت أنه ليس أقل من أمثال بوتشيتينو رغم فارق السيرة الذاتية المهول، ولكنها لم ولن تكون دليلًا على المتوسط المتوقع في أغلب المباريات. يونايتد سولشاير في رحلة صعود من الصفر، وعندما تبدأ من الصفر يصبح كل تقدم مبهرا مهما كان منطقيًا.

   

منذ رحيل فيرغسون لم يتعاقد يونايتد مع مدرب حقيقي. بدأوا بشبح اختاره فيرغسون نفسه في ظروف غامضة، أتى ورحل دون أن يعلم المطلوب منه بالضبط، ثم انتقلوا إلى رجل أظهر عمليته الشديدة مع هولندا في المونديال ثم أصابته عدوى الفلسفة العدمية في إنجلترا ونجح في تفريغ يونايتد – بل وكرة القدم كلها – من معناها، وبعدها أتى الموتور الذي، في قرارة نفسه، لم يغفر لهم حقيقة أنهم فضلوا كل هؤلاء عليه منذ رحيله من ريال مدريد، وأثناء ما كان يونايتد يهدر وقته مع أنصاف المدربين وأنصاف المشاريع والحلول المؤقتة المسكنة، كان هو قد تحول إلى قاصف جبهات أجوف بلا شيء يقدمه سوى الأعذار لكل وأي شيء. طبعًا لا زال سولشاير مجرد مشروع قد ينجح وقد يتعطل قريبًا بمجرد لفت انتباه باقي العقول التكتيكية في البريميرليغ، وحتى يحدث ذلك يبدو أن مانشستر يونايتد قد فعّل خاصية المدرب أخيرًا، حتى ولو لعدة مباريات.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار