انضم إلينا
اغلاق
فرنكي دي يونغ.. هل تعبر الصفقات الحالية عن فقر في المواهب؟

فرنكي دي يونغ.. هل تعبر الصفقات الحالية عن فقر في المواهب؟

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

44 مباراة في الدوري الهولندي، 5 مباريات في دوري أبطال أوروبا، 4 مباريات في الدوري الأوروبي، و5 غيرها مع منتخب هولندا الأول، هذه هي حصيلة فرنكي دي يونغ من كرة القدم المحترفة منذ بدأت مسيرته، وإذا حولناها لدقائق لعب فإن الهولندي الشاب قد مارس اللعبة في المستوى الأول لمدة 3924 دقيقة. راكيتيتش مثلًا لعب 4266 دقيقة في الموسم الماضي فقط، مع برشلونة فقط. (1) (2)

 

هناك سبب وجيه للحنين إلى الماضي كلما تمت صفقة مثل صفقة دي يونغ، في التسعينيات والثمانينيات لم يكن أحد لينفق مبلغًا كهذا (75 مليون يورو) في لاعب وسط عمره 21 عاما قادم من الدوري الهولندي المتوفى إكلينيكيًا منذ سنوات. إذا نظرت مثلًا لأغلى صفقات برشلونة في تاريخه فسيحل الهولندي خامسًا بعد كوتينيو وديمبيليه وسواري.. لحظة.. ديمبيليه نفسه انتقل في ظروف مشابهة؛ مسيرة محترفة لم تتجاوز موسمين جعلته ثاني أغلى لاعب في تاريخ برشلونة وأغلى من بول بوغبا نفسه.. لحظة.. بوغبا نفسه انتقل في ظروف مشابهة؛ 4 سنوات في دوري يلعبه يوفنتوس بمفرده تقريبًا جعلته أغلى لاعب وسط في تاريخ اللعبة. (3) (4)

  

عودة إلى المستقبل

أنت تعرف القصة طبعًا، المقارنة مع الماضي لم ولن تكون عادلة أبدًا. كلما تقدم بك العمر كلما مال عقلك إلى الاحتفاظ بعدد أقل من الذكريات السلبية، هذا ما يثبته علم النفس على الأقل. (5) لكن هذا لا ينفي أنه في الثمانينيات والتسعينيات ومطلع الألفية كان عليك أن تكون موهبة فذة فعلًا لكي تحصل على انتقال كهذا، والأهم، كان عليك أن تدلل على هذه الموهبة قبل أن يخاطر أحدهم بدفع هذه المبالغ من أجلك؛ ثلاثي رعب الميلان في عهد ساكي، فان باستن ورايكارد وخوليت، رحلوا إلى إيطاليا بعد أن صنعوا سمعة هائلة في هولندا، ولويس فيغو كان أفضل لاعب في العالم وصاحب البالون دور عندما ذهب إلى ريال مدريد، وزيدان كان بطل أوروبا والعالم عندما تبعه إلى هناك. دي يونغ لم يفز حتى بدوري المدارس الهولندي لكي يستحق أن يكون ثاني أغلى لاعب وسط في تاريخ كرة القدم.

 

الأمور تتطور بسرعة نحو الأسوأ فيما يبدو. كل الاحترام لموهبة دي يونغ طبعًا، لا أحد ينكر كونه طفرة حقيقية بالنسبة لسنه من حيث التنوع والجرأة والقدرات الفنية والوعي التكتيكي، ولكن هل ما قدمه حتى اللحظة يستحق أن يتصارع كل من مانشستر سيتي وباريس وبرشلونة على ضمه؟ هل يستحق لاعب في عمره راتبًا قدره 10 ملايين يورو سنويًا خالصة الضرائب؟ (6) إذا لم يتحول الهولندي إلى مزيج من بيرلو وتشافي وسكولز في خلال سنتين أو ثلاثة فإن الإجابة ستكون بالنفي على الأرجح.

 

الأهم من كل ما سبق؛ القائمة الحالية لأعلى 10 صفقات تضم 8 لاعبين كانوا أصغر من 25 عاما عندما أنفقت هذه المبالغ على خدماتهم، ومن بين هؤلاء الثمانية كان هناك ثلاثة تحت 23 سنة، ومن بين هؤلاء الثلاثة كان هناك اثنين تحت 21 سنة. إذا نظرت للعشرة السابقين مثلًا فستجد الوضع شبه معكوس، فقط أربعة انتقالات كان سنها يقل عن 25 عاما. نحن بصدد نمط ينقلب على نفسه بوضوح. الأرقام تثبت ذلك. (7)

 

 

دعنا نقرب لك الأمر، في 2001 مثلًا انتقل بوفون من بارما إلى يوفنتوس مقابل 47 مليون باوند تقريبًا، وفي العام التالي حصل ريال مدريد على رونالدو دي ليما من إنتر مقابل 40 مليون باوند، وبحساب معدل التضخم تصبح قيمة كل منهما في 2018 هي 75 و64 مليون باوند على الترتيب، ولكن فعليًا، هذه المبالغ في 2018 ستجلب لك كيبّا أريزاباياغا وموراتا على الترتيب أيضًا. الخلاصة؛ تشيلسي يعاني من مشكلة فيما يبدو، إما هذا أو أن هناك فقر بشع في المواهب على مستوى القارة. (8) (9) (10) (11) (12).

 

نوستالجيا

طبعًا هناك فقر بشع في المواهب على مستوى القارة، لو لم يكن الوضع كذلك لما كان لهذا التقرير داع من الأصل، أو دعنا نقول إن هذه هي النظرية الأكثر رواجًا: أولًا لأن هناك تراجع في عدد الكفاءات عمومًا، وثانيًا لأن هناك مبالغ أكبر تُنفق للحصول على جودة أقل من اللاعبين، وثالثًا والأهم على الإطلاق؛ أن هذه النظرية توافق رغبتنا الدائمة في الشعور بأن الزمن الذي بدأنا فيه متابعة كرة القدم كان هو الأروع والأوفر في النجوم والمواهب. هذا يشعرنا بالتميز والخصوصية، ويؤكده علم النفس، وحوالي 294832974 جيل قبلنا كانوا يجزمون أن زمنهم كان الأفضل في كل شيء، حتى لو كان هذا الزمن هو العصر الجوراسي.

طبعًا لو قلنا لك الآن أن هذه النظرية ليست صحيحة كليًا فسيكون كليشيه مبتذل للغاية لابد وأنك قد صادفته مليون مرة من قبل، ولكن للأسف لا مناص من ذلك، هذه النظرية ليست صحيحة كليًا فعلًا، ببساطة لأننا نتجاهل نصف المعادلة تقريبًا، بمعنى أننا لو اعتبرنا اللاعبين هم السلعة مجازًا، فإن القدرة الشرائية قد اختلفت تمامًا في الأعوام الأخيرة، هذا هو العامل الأول الذي يجعل الأمور أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه.

 

في الثمانينيات والتسعينيات مثلًا كانت أندية إيطاليا هي من يتصدر مشهد سوق الانتقالات، وانفردوا بـ 9 من أصل 13 صفقة قياسية في هذه الفترة، وبعدها أتى عصر فلورنتينو بيريز ورامون كالديرون في ريال مدريد، مستحوذًا على جميع الأرقام التاريخية بين عامي 2000 و2013. كل هذا جميل ورائع ولكنه كان يعتمد بشكل أساسي على الاستدانة من البنوك والتمويل الشخصي من ملاك الأندية، وهذا هو أحد الأسباب الرئيسية لانهيار الكرة الإيطالية لاحقًا، وفقط الأسبان نجوا من نفس المصير بسبب استئثار ريال مدريد وبرشلونة بنصيب الأسد من حقوق البث. (7)

 

 

المشكلة الآن ليست في أسبانيا فقط، انتقال نيمار إلى باريس لم يكن الصفقة الأغلى في التاريخ وحسب، بل تضمن زيادة قدرها 130% على الرقم القياسي السابق لصاحبه بول بوغبا. هذه مشكلة لأنه أمر لم يحدث منذ ثلاثينيات القرن الماضي. (7) (13) المشكلة الأكبر هي أنه على الرغم من نجاح سيتي وباريس في إفساد السوق من القواعد عبر صفقات مثل تياغو سيلفا وديفيد لويز وميندي وووكر ولابورت، (14) فإن أندية إنجلترا استطاعت مجاراتها بل والمزايدة عليها في صفقات أخرى مثل فان دايك وأليسون وكيبا وبوغبا.

  

الآن، أغلى حارس ومدافع ولاعب وسط لا ينتمون لأندية البترول أو برشلونة أو ريال مدريد. السبب؟ ليس فقر المواهب للأسف، بل إحصائية مرعبة تقول إنه منذ انطلاق البريميرليغ بنسخته الجديدة في 1992 وحتى اللحظة، تضاعف ثمن أغلى لاعب في العالم حوالي 15 مرة، ولكن في ذات الفترة تضاعفت عوائد البث لأندية إنجلترا 26 مرة تقريبًا! (7) (15) الآن ضع في اعتبارك أن أغلى لاعب في العالم حاليًا (نيمار) مثّل زيادة قدرها 130% تقريبًا على سابقه (بوغبا)، وضع في اعتبارك أن هذا الأمر لم يحدث منذ ثلاثينات القرن الماضي، ثم امنح نفسك دقيقة لتخيل الأمر وستدرك أن أندية إنجلترا تملك من المال ما يفوق حاجتها بكثير، لدرجة أن هناك العديد من التحليلات الاقتصادية المعتبرة التي تؤكد أن عقد البث الحالي مستحيل أن يتكرر. (16) هذه هي القوة الشرائية التي نتحدث عنها، قوة شرائية تستطيع مجاراة دول صغيرة بحجم قطر والإمارات. باختصار، الأسعار الخيالية للاعبين الشباب مثل دي يونغ لا تعبر عن ندرة المواهب بقدر ما تعبر عن وفرة المال. كل هذا ولم نتطرق بعد لما يجري في الصين.

 

 

الغزو الناعم

هذا سبب آخر له وجاهته؛ أعداد اللاعبين نفسها في زيادة مطردة طول الوقت تقريبًا. في 2006 مثلًا أصدر فيفا إحصاء أوضح زيادة عدد اللاعبين المسجلين حول العالم بنسبة قدرها 22% تقريبًا (من 31 مليون لاعبا إلى 38). (17) تطور الأكاديميات بشكل غير مسبوق هو عامل آخر كذلك، ولكن لا شيء يضاهي التأثير الذي أحدثه المهاجرون على الكرة الأوروبية.

 

من أين نبدأ؟ منتخبات المغرب العربي التي صارت تعتمد على المهاجرين في أوروبا؟ أم منتخبات أوروبا التي صارت تعتمد على مهاجري المغرب العربي؟ أم المهاجرون الأفارقة الذين استحوذوا على منتخب فرنسا بالكامل؟ بعد المونديال الأخير أصدرت Vox تقريرًا يكشف السبب خلف استحواذ الديوك على هذا العدد الهائل من المواهب في كل المراكز تقريبًا، وأرجعته بشكل أساسي إلى قدرتها على الاستثمار في المواهب المهاجرة التي تعيش في الأحياء الفقيرة حول باريس Banlieues عن طريق شبكة واسعة مترابطة من الأكاديميات تسهل التقاط المميزين وإدراجهم في كرة القدم المحترفة بمجرد سطوعهم. (18)

 

النتيجة أن المونديال شهد مشاركة 50 لاعبا مولود في فرنسا يلعبون لمنتخبات مختلفة. الجنسية التالية مباشرة كانت البرازيل ولكن بعدد يتخطى النصف بقليل، 28 لاعبا فقط. في مباراة البرتغال والمغرب مثلًا كان هناك 7 لاعبين من الفريقين ولدوا في ضواحي باريس وتدرجوا في مدارس ناشئي الكرة هناك!(18)

 

دعك من فرنسا، السنوات الأخيرة شهدت تغير ملحوظ في ديموغرافية منتخبات مثل بلجيكا والدنمارك وسويسرا وانجلترا، وحتى الدول الأقل ترحيبًا بالمهاجرين مثل ألمانيا وإيطاليا، وأصبحت أوروبا -وفي القلب منها فرنسا- الوجهة الرئيسية لمواهب كرة القدم حول العالم. هذه وفرة لم تكن متاحة في الثمانينيات والتسعينيات، بل إن حتى المنتخبات التي طالما اعتمدت على المهاجرين مثل هولندا شهدت قفزة كبيرة في عددهم وتنوعهم في العقدين الأخيرين، والأسباب لكل ذلك لم تعد مقصورة على الروابط الثقافية والتاريخ الاستعماري لهذه الدول، بل أضيف لها أسباب اقتصادية شديدة الوطأة ظهرت آثارها مؤخرًا، ودفعت العديد من الشباب حول العالم للتوجه نحو كرة القدم كمصدر للرزق قبل أن تكون شغفًا ورغبة في إثبات الذات.

 

البحث عن الـ 9 هناك عدة مغالطات بديهية يرتكبها مشجعو كرة القدم عندما يقارنون بين العصور؛ أولها طبعًا هو النوستالجيا نفسها التي ليست إلا مغالطة كبيرة في الواقع، ثانيها هو استدعاء نماذج مكتملة من الموهبة والنجومية من أزمان سابقة ثم مقارنتها بأخرى مازالت تشق طريقها في الوقت الحالي، والهدف هو عقد مقارنات على غرار دي يونغ – بيرلو أو آرثور-تشافي أو بوفون- كيبّا. هذه حيلة لا تفشل أبدًا للشعور بالحسرة على ما فات والأسى مما وصلت إليه أوضاع كرة القدم.

 

رقم صفقة دي يونغ يعبر عن حدة التنافس الحالي على المواهب بسبب كثرة المشترين واستقرار أوضاعهم المالية، ووفرة الموارد للدرجة التي جعلتها بلا قيمة تقريبًا

رويترز
 

أضف لذلك اعتبار معيار الأفضلية الفردية هو البطولات الجماعية مثلًا، أو الإصرار على قياس الحاضر بمقاييس الماضي، مثل القول بإن ندرة المهاجمين الكلاسيكيين أو المدافعين التقليديين هي دليل على فقر المواهب حاليًا، مع تجاهل التطورات التكتيكية التي أثرت في اللعبة وحولت مسار التهديف من قلب الهجوم إلى الأجنحة، وتطلبت نوعًا مغايرًا من المدافعين يواكب توجه كرة القدم نحو الهجوم في الأعوام الأخيرة، ببساطة لأن نفس الأسئلة يمكن توجيهها في الاتجاه المعاكس إن سألنا عن عدد مهاجمي الظل والأجنحة الهدافة التي تواجدت في الثمانينيات والتسعينيات، أو عدد صناع اللعب المتأخرين ولاعبي المحور المبدعين في هذه الفترة مقارنة بالآن.

 

طبعًا كل هذا لا ينفي أنه في الثمانينيات والتسعينيات ومطلع الألفية كان عليك أن تكون موهبة فذة فعلًا لكي تحصل على انتقال كهذا، والأهم، كان عليك أن تدلل على هذه الموهبة قبل أن يخاطر أحدهم بدفع هذه المبالغ من أجلك، ولكن للأسف هذه نظرية أخرى غير صحيحة كليًا، لأن هناك عددًا لا بأس به من الأمثلة التي تدلل على العكس، منها على سبيل المثال جيانلوكا فيالّي الذي جعله يوفنتوس أغلى لاعب في العالم في صيف 1992، وجيانلوكا لنتيني الذي تعاقد معه الميلان في نفس الصيف ردًا على الصفقة، والثنائي بقيا مع فريقيهما لأرابعة مواسم سجلوا خلالها 51 هدفًا مجتمعين، أو دينيلسون الذي انتقل إلى بيتيس برقم أغلى مما دفعه برشلونة في رونالدو دي ليما، وطبعًا الكل يعلم ما فعله دينيلسون، أو ما لم يفعله بالأحرى. (7)

 

كل هذا لا يبرر الرقم الذي أُنفق في صفقة دي يونغ أو غيره. في ظل هذا الجنون يصعب تبرير أي شيء حقيقة، وخاصة مع إدارة مثل إدارة بارتوميو، لأنه منطقيًا لا يوجد لاعب كرة قدم يستحق 100 مليون يورو حتى لو كان ميسّي، فقط هو رقم يعبر عن حدة التنافس الحالي على المواهب بسبب كثرة المشترين واستقرار أوضاعهم المالية، ووفرة الموارد للدرجة التي جعلتها بلا قيمة تقريبًا. هذا هو ما يفسر حماس الجماهير المبالغ فيه عند فوز فريقهم في سباق مثل سباق دي يونغ، وربما هو يعبر عن قرب لحظة الخلاص التي سينهار فيها كل ذلك لتعود أسعار اللاعبين -إجباريًا- إلى حد أقرب إلى المنطق.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار