انضم إلينا
اغلاق
الدفاع يجلب البطولات.. هل ما زالت مقولة فيرغسون صحيحة؟

الدفاع يجلب البطولات.. هل ما زالت مقولة فيرغسون صحيحة؟

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

عادة، يمنح الناس أهمية قصوى لأول معلومة يعرفونها عن شيء ما. طبعا أهمية المعلومات تتناسب عكسيا مع وفرتها، بالتالي، دائما ما تكتسب المعلومة الأولى وزنا مضاعفا، هذا بديهي. والإنسان الذي لا يعلم، بالإضافة إلى كونه لا يعلم، هو إنسان خائف بالضرورة، والإنسان الخائف كثيرا ما يبالغ في أهمية الأشياء، ناهيك بأن يكون أحد هذه الأشياء هو المعلومة الأولى التي يعرفها عن أمر جديد مجهول يثير خوفه، لأنه كما تعلم، فإن أهمية المعلومات تتناسب عكسيا مع وفرتها، والإنسان الذي لا يعلم هو إنسان خائف بالضرورة، إلخ.

   

علم النفس يعرف هذه الحالة باسم "Anchoring Bias". لا يوجد لفظة عربية تُرادف "Anchoring" بدقة، يمكننا أن نطلق عليها "تنسيب الانحياز". تنسيبه لأي شيء بالضبط؟ للمعلومة الأولى طبعا.. لا تُجبرنا على تكرار الفقرة السابقة من فضلك. المعلومة الأولى تساعدك على تكوين القناعة الأولى، والقناعة الأولى، مثل المعلومة الأولى، تكتسب أهمية مضاعفة بدورها، وهذا يجعلك تُقيّم أي معلومة أخرى جديدة بناء على معيار واحد فقط هو مدى توافقها مع الأولى. (1) (2)

 

هذا فعل بيولوجي تماما لا دخل لك فيه، ولا يمكنك أن تلوم أي شخص طبيعي على ممارسته. على سبيل المثال، فإن اقتصاد بلادنا العربية كله تقريبا قائم على هذا المفهوم؛ البائع يخبرك بسعر أول عالٍ نسبيا ليجعلك أكثر تقبلا للثاني والثالث، والحكومة تقرر زيادة أسعار البنزين بنسبة 30% مثلا فتقوم أولا بتسريب شائعات عن زيادة قدرها 50%، وهكذا، ورغم سذاجة الفكرة وبساطتها فإنها ما زالت حيلة ناجحة تقنع الكثيرين حتى يومنا هذا.

    
إلى اللا نهائية وما بعدها
فيرغسون (رويترز)

    

طبعا لو قلنا لك الآن إن هذا ما تم مع مقولة فيرغسون لاتّهمتنا بخداعك، هذا إن لم تكن قد أدركت الخدعة بعد الفقرة الأولى، والحقيقة أنه ليس هناك طريقة ناجحة للتمهيد لهذا الأمر. هذه مناظرة عمرها عقود والتحيز فيها قد وصل إلى أقصاه، ببساطة لأن المعلومة الأولى التي تلقاها كل طرف عن كرة القدم كانت مختلفة، وكما تعلم، فإن هذا فعل بيولوجي تماما لا دخل لك فيه، ولا يمكنك أن تلوم أي شخص على ممارسته.

 

المشكلة ليست فقط أن فيرغسون كان أول من أكّد هذه المعلومة بالنسبة للسواد الأعظم من مشجعي كرة القدم الآن، أي مواليد الثمانينيات والتسعينيات، بل المشكلة أيضا أن غوارديولا ومورينيو، وجهي العملة، قد حصلا مجتمعين على 31 بطولة كبرى حتى اللحظة، بينما توج السير بـ22 لقبا منفردا، وهذا يمنح كلماته وزنا مضاعفا فوق الوزن المضاعف. (3) (4)

 

دعنا من الانحيازات إذن، لأنك، وبغض النظر عن أي طرف تنتمي له، متحيز من قبل قراءة التقرير، وغالبا ستظل كذلك بعد أن تفرغ منه، ودعنا نخبرك أن مقولة فيرغسون لم تعد صحيحة، قولا واحدا. منذ ثلاثة أعوام نشرت "Four Four Two" تقريرا يحلل بطولات البريميرليغ في الفترة بين 2009 و2015، واكتشفنا أنه في هذه الحقبة فشل الفريق الأقوى هجوما في الفوز باللقب مرة واحدة فقط من أصل 6، بينما حصل الفريق الأقوى دفاعا على البطولة في مناسبتين فقط لا غير، منهم مرة كان هو صاحب أقوى خط هجوم بالبديهة. (5)

 

في الفترة نفسها، لم ينجح أي بطل في استقبال أقل من 25 هدفا، بينما حدث ذلك 5 مرات في الأعوام بين 2000 و2008، والأمر ليس مقصورا على أبطال البريميرليغ وحسب، لأن الدوري كله أصبح يسجل بمعدل أكبر من ذي قبل، حيث تخطى حاجز الألف هدف 5 مرات من أصل 6 بعد 2009، و5 مرات قبل 2009 أيضا، ولكن من أصل 8 مواسم.

   

     

   

أشياء أخرى

طبعا بعد نشر هذا التقرير فاز ليستر بالدوري ووضع رانييري محرري "Four Four Two" في حرج كبير، ولكن في الحقيقة هو لم يكن أكثر من استثناء يُثبت القاعدة. بعدها فاز تشيلسي بكرة متوازنة للغاية ثم سيتي، وحتى قبلها كان دوري 2014 قد قدّم إثباتا عمليا على أولوية الهجوم على الدفاع في صراع اللقب، لأن تشيلسي الثالث كان قد تلقّى 10 أهداف أقل من البطل مانشستر سيتي، ولكنه سجّل أقل بـ31 هدفا كذلك. (6)

 

حتى خسارة ليفربول هذا الموسم كانت دليلا على أنك من الممكن أن تكون منافسا شرسا حتى الجولة الأخيرة بدفاع هش للغاية لا يليق بالنصف الأعلى من الجدول أصلا، دفاع استقبل 50 هدفا كاملا ولم يَفُقْهُ سوءا سوى دفاع ستوك التاسع وما تلاه في الترتيب، بل إن كريستال بالاس حل في المركز الحادي عشر رغم تلقيه أهدافا أقل من ليفربول.

 

الأهم أن هناك عوامل رئيسية ساعدت على تحويل الأمر إلى نمط شبه عام في إنجلترا، منها على سبيل المثال تصاعد عقود البث بشكل جنوني في الأعوام الأخيرة وحصول أندية البريميرليغ على مبالغ طائلة لم تكن متاحة سابقا. المال يجلب المهاجمين الباهظين الذين لم يكن التعاقد معهم ممكنا من قبل، والأهم، المال يجلب المزيد من المال، ويساعد الأندية على إنفاق المزيد على الدعاية لنفسها وتوسيع قاعدة متابعيها خارج محيطها المحدود.

 

أضف إلى كل ذلك تصاعد الموجة التكتيكية الهجومية في الفترة نفسها، والتي لم يقابلها أخرى دفاعية بالقوة والقدرة نفسها على الإبداع والتجديد والابتكار. لقد أصبحت تسمع عن لاعبي الوسط الذين تحوّلوا لمدافعين والأجنحة التي تحوّلت للاعبي وسط أكثر مما تسمع عن العكس، وحتى أندية منتصف الجدول صارت تؤمن أن الكرة الهجومية المثيرة هي الأقدر على ملء المدرجات بالجماهير وجلب الأرباح. نادي كويستهام مثلا قرر تعيين بيلّيغريني بعد إنشاء ملعبه الجديد، وآخر كتوتنهام قرر توسيع ملعبه بعد تجربة بوتشيتينو. قد تفشل هذه التجارب وقد تنجح، ولكنها ستظل دليلا على التوجه العام حاليا.

  

بيلّيغريني، مدرب دولي و لاعب كرة قدم سابق (رويترز)

  

صدّق أو لا تُصدّق

إن كان ما سبق لا يكفي فدعك من تقرير "Four Four Two"، لقد بدا متحيزا على أي حال. أصلا أي نوع من التقارير يحلل آخر ستة مواسم بالضبط؟ والأدهى، لا يقارنها بالستة السابقة بل بثمانية؟ هذه إحصائيات تبدو مُعدّة لإثبات وجهة نظر محددة وبها قدر لا بأس به من التلفيق، ثم من يعبأ بملعب ويستهام أو توتنهام الجديد وقدرتهم على حشوه بالجماهير من عدمها؟

 

فلنتحدث عن آخر عقدين من الزمن إذن. إذا جمعنا أبطال البريميرليغ منذ تحوّل لنظام الـ20 فريقا، ثم رتّبناهم على باقي فرق الجدول من حيث قوة هجومهم، فسيحصلون على المركز 1.45، وإذا كررنا التجربة نفسها من حيث قوة دفاعهم، فسيحلّون في المركز 2.41. طبعا هذه إحصائية معقدة ولكن ستعلم السبب في كونها كذلك بعد قليل. (7)

 

قبل أن يفوز سيتي بالدوري كان الفريق صاحب الهجوم الأقوى هو من فاز باللقب في 14 موسما من أصل 22 منذ بداية البريميرليغ بنسخته الجديدة، وفي الفترة نفسها فاز الفريق صاحب الدفاع الأقوى في تسع مناسبات فقط. في موسم 1996-1997 مثلا فاز فريق ما باللقب رغم أنه كان يملك سابع أقوى دفاع في الجدول، دفاع أسوأ حتى من بلاكبيرن صاحب المركز الـ13. وفي موسم 1998-1999 فاز فريق آخر رغم أن دفاعه كان الرابع، وفريق ثالث حصل على اللقب في العام التالي بسادس أقوى دفاع في المسابقة، ورابع تُوج في 2012-2013 بالدفاع الخامس، وفي كل هذه المواسم كانت هذه الفِرق هي صاحبة أقوى هجوم في البريميرليغ.

 

كل هذه الفِرق هي في الواقع فريق واحد يقوده مدرب واحد؛ مانشستر يونايتد وسير أليكس فيرغسون الذي أثبتت سنواته الطويلة في الكرة الإنجليزية أنه لم يخطئ في شيء مثلما أخطأ في هذه العبارة، ببساطة لأنه كان خبيرا في الفوز بالألقاب رغم ضعف دفاعه مقارنة بباقي منافسيه، بل إن حتى لقب دوري أبطال 1999 الشهير أتى بعد تلقيه 16 هدفا في البطولة كاملة. (8)

  

الدفاع لا يجلب البطولات ولا الهجوم كذلك، وتقييم كل منهما بشكل منفرد منفصل عن السياق هو حماقة

رويترز
  

في الواقع، لو حاسبنا فيرغسون بناء على هذه المقولة لخسر نصف ألقابه الـ22 الكبرى على الأقل، ومن ضمنها 7 كؤوس بريميرليغ من أصل 13 حصل عليها ولم يكن فيها صاحب الدفاع الأقوى. الأمر ليس أن عبارة فيرغسون لم تعد صحيحة، بل إنها لم تكن كذلك عند أي لحظة من سنواته كمدرب أصلا، ومسيرته هو تحديدا ودونًا عن باقي مدربي العالم والتاريخ هي أكثر ما يجعلها خاطئة. غوارديولا نفسه لم يكن ليفقد العدد نفسه من البطولات لو اعتبرنا الدفاع المقياس الأهم.

  

صداع

عادة يمنح الناس أهمية قصوى لأول معلومة يعرفونها عن أي شيء، ولكن هذه نصف الحقيقة فقط للأسف، لأنه مع الإنترنت أصبح عدد لا بأس به من الناس قادرا على التحرر من قناعاتهم البالية، ولم تعد المعلومات بالندرة نفسها، وكل هذا أنشأ تيارا معاكسا عبّر عن رغبة ملحة في هدم القناعات، ولا بد أن له اسما رنانا في علم النفس كذلك على غرار "Anchoring Bias"، لذا قد لا يكون استعدادك للاقتناع بالسطور السابقة أقل كثيرا من رغبتك في التمسك بعبارة فيرغسون الراسخة.

 

الحقيقة أن المعركة مفتعلة أصلا، لأن العبارة حمقاء رغم عظمة قائلها. الدفاع لا يجلب البطولات ولا الهجوم كذلك، وتقييم كل منهما بشكل منفرد منفصل عن السياق هو حماقة أخرى لا تقل عن حماقة التفوّه بالعبارة. قد ننجح في إثبات خطأ مقولة فيرغسون في فترة من الفترات، ولكن عبر 100 عام من كرة القدم حظيت الكرة الدفاعية بلحظاتها أيضا، وستستمر في ذلك عبر مئة العام القادمة بلا شك.

    

  

نعم، من وجهة نظر الجماهير، ستظل الأغلبية ترى أساليب اللعب المبادرة الهجومية أكثر متعة من غيرها، ونعم، ستظل الأساليب الدفاعية أسهل تكتيكيًّا من غيرها في حال تثبيت باقي عناصر المقارنة من لاعبين وخصوم وغيره، وباعتراف مدربي المعسكرين رغم توجهاتهم المتناقضة، ببساطة لأن الدفاع في غياب المساحات أسهل من العكس، والهجوم في وجود المساحات أسهل من العكس، هذه قاعدة تكتيكية لا مناص منها ولا نحتاج إلى أي إحصائيات أو أرقام لنُثبتها، ومن المهم تأكيد ذلك حتى لا نقع في فخ الحياد المصطنع وتصبح قضيتنا هي نفاق الجماهير على اختلاف قناعاتها، فنفترض أن الأفكار مثل الماء في الأواني المستطرقة، كلها في مستوى واحد ولا أفضلية لإحداها على الأخرى.

  

من المهم أيضا التأكيد أن جوهر اللعبة ليس متعلقا بالدفاع أو الهجوم. جوهر اللعبة هو الصراع وموازين القوى، هذا ما يرغب الجمهور في مشاهدته طيلة الوقت وبغض النظر عن طريقة اللعب. الدفاع يمكنه أن يكون مثيرا عندما تكون مشجعا لبيرنلي في الموسم الماضي مثلا، وتدرك أن الفريق لم يكن ليحقق المركز السابع بالعناصر الموجودة لو كان قد انتهج أي طريقة لعب أخرى.

 

في هذه الحالة يصبح الدفاع عن مرماك بجاذبية تسجيل الأهداف نفسها، لأن فلسفة المدرب هنا قد احترمت فارق الإمكانيات الضخم لصالح خصومه. الأمر نفسه يمكن قوله عن أتليتي سيميوني في مواجهة برشلونة 2014 مثلا، تمريرات التشولو القصيرة المتتالية السريعة للتغلب على ضغط الكتلان العكسي قبل الخروج للمرتدة كانت متعة للعين، ولا بد أن جمهور الكالديرون كان يصرخ مع كل عرضية خطيرة يشتتها غودين أو ميراندا آنذاك، ولكنّ قليلين فقط سيرغبون في مشاهدة غوارديولا يسحق خصما مستسلما لا حول له ولا قوة، وأقل منهم سيستمتعون بكاتيناتشو التشولو أمام سوسييداد أو جيرونا، لأن الأولى صراع انتهى قبل أن يبدأ، والثانية مسرحية ثقيلة الظل تعبر عن صراع مصطنع.

 

في الواقع، الجريمة الأكبر التي ارتكبتها عبارة فيرغسون أنها قررت التغاضي عن السياق، ولم تُجبنا عن أسئلة مهمة لازمة الطرح، مثل أي نوع من الدفاع؟ وأي نوع من الهجوم؟ وفي أي حالة؟ وضد أي خصم؟ وبأي جودة من اللاعبين في خطوطك الثلاثة؟ يمكننا تسويد مجلدات من الأسئلة المشابهة عن كل حالة منفردة، ولكن المجلدات لا تقود صراعات المشجعين للأسف.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار