انضم إلينا
اغلاق
عنصرية من أجل الفوز.. هل تبرر كرة القدم الانحطاط؟

عنصرية من أجل الفوز.. هل تبرر كرة القدم الانحطاط؟

يوسف حمدي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

لا بد أنك سمعت من قبل اسم المدرب الطبيب كارلوس بيلاردو؛ مدرب الأرجنتين الفائز معهم بكأس العالم 1986، نعم تلك النسخة التي شهدت هدف مارادونا الشهير باليد، والذي يتفاخر به دييغو حتى الآن. هذه ليست الواقعة الأكثر دناءة في البطولة، بل إن بيلاردو كان لديه ما هو أكثر فجاجة لكي يُقدِّمه لنا. واقعة أخرى أثبتها مارادونا في لقاء تلفزيوني لاحقا، تلك التي تضمَّنت وضع مادة مخدرة للاعبي البرازيل في زجاجات المياه الخاصة بهم قبل مباراة المنتخبين في دور الستة عشر. لن نقف هنا، لأن ذكر بيلاردو يفتح الباب أمام المزيد من الانحطاط الكروي. (1)

    

في 1992 وخلال قيادة المدرب الأرجنتيني لإشبيلية وأثناء مواجهة ضد ديبورتيفو لاكورونيا، سقط مارادونا على الأرض ليتوجَّه طبيب الفريق دومينغو لعلاجه، وبعد التأكد من سلامته انتقل إلى مدافع ديبورتيفو رييرا من أجل الاطمئنان عليه بعدما سالت الدماء من وجهه، الأمر الذي استفز بيلاردو ليوجِّه هذه العبارات إلى طبيب الفريق: "دومينغو، لاعبونا هم مَن يرتدون الأحمر! أنت لست مطالبا حتى بمنح المياة للخصوم، كل ما تفعله لهم هو أن تدهسهم! تدهسهم! تدهسهم!"، ضاربا الأرض بقدمه في كل مرة يكرر فيها هذه الكلمة. (2) بالطبع أنت لا تعلم حتى الآن لماذا نحن هنا، في الواقع نحن هنا للحديث عن ظاهرة انتشار العنصرية في كرة القدم، ما علاقة تلك المقدمة بالموضوع؟ فكِّر قليلا وستجد أننا لا نتعامل مع الأفعال غير الأخلاقية بمبدأ ثابت.

     

المدرب الأرجنتيني "كارلوس بيلاردو" (رويترز)

      

أنتم السبب!

إلى مَن اللوم؟ إلى الجماهير التي لم تمارس العنصرية يوما؟ والتي أبدت اعتراضها على كل واقعة تضمنت إساءة للون أو جنس؟ هؤلاء متّهمون قبل المتهمين أنفسهم، ذلك لأنهم مهّدوا لما نواجهه اليوم؛ عليك الذهاب إلى أي أرجنتيني وسؤاله حول كأس العالم 1986، حول هدف مارادونا الشهير باليد، ما الإجابة التي تتوقعها؟ هل تنتظر من مشجع أن يخبرك أن فريقه لا يستحق ذلك الفوز الذي حصل عليه بطريقة غير شرعية؟

   

الأمر تطور باتساع رقعة التعبير عن الآراء، عن مواقع التواصل الاجتماعي تحديدا نتحدث، اليوم لم تصبح مطالبا بالذهاب إلى الملعب والهتاف حتى تساهم في صناعة الرأي العام، فقط يكفي ذكر ذلك عبر هاتفك المحمول، وستجد آلاف المؤيدين والمعارضين لما تقول، وفي مجتمع متشعِّب كجمهور الكرة تصبح الأمور أكثر انتشارا، وأسهل في التداول كلما كان الموضوع أكثر حساسية.

    

هذا اللاعب المؤذي يمتلك قدرا من الشجاعة وحب الشعار، وما يقوم به من إيذاء مُتعمَّد للخصوم جزء من اللعبة، تماما كأخطاء التحكيم التي تمنحك الفوز الذي لا تستحقه، تماما كالتحايل والغش من أجل الحصول على هدف غير شرعي أو ركلة جزاء، تماما كالاحتفاء بأفعال المافيا التي يعتبرها البعض حماسا جماهيريا ليس إلا. إذا تصالحت مع كل ذلك فقط لأنه يمنحك الفوز، فكيف تجد الشجاعة للتعبير عن رفضك لفعل آخر غير أخلاقي كالهتافات العنصرية؟ هذه ليست مساواة بين مَن يروِّج لهذا وبين العنصريين، والجميع يقر بأن العنصرية ليست ككل ذلك، ولكنها ناتج طبيعي لتقبُّل الانحطاط بتفاوت درجاته، الأمور أصبحت أوضح الآن أليس كذلك؟

  

الفارق الوحيد أن العنصرية ظاهرة موجودة داخل كرة القدم وخارجها، أما الظواهر الأخرى فهي حوادث مرتبطة باللعبة فقط، لذا فالأمور تبدو بسيطة، ولكن إذا قمنا بمد الخط على استقامته وتصالحنا مع جميع أنواع الغش والخداع خارج الكرة كما نفعل داخلها بحجة الحنكة والدهاء، فكيف ستكون الأمور إذن؟

  

  

منافقون؟

حول تلك القضية قال صامويل إيتو إن العنصريين هم مجموعة من المنافقين، ذلك لأنهم مستعدون للتهافت على لاعب من أجل التقاط صورة معه ثم الإتيان بتلك الأفعال القبيحة ضده. الرجل تحدَّث عن النفاق في هذه النقطة تحديدا، ولكنه نسي إخبارنا بأن كل تبرير للانحطاط تحت اسم "جزء من متعة اللعبة" هو نفاق في حد ذاته، الغش والتحايل والإيذاء نفاق أيضا، مع التأكيد من جديد على اختلاف درجات الانحطاط بين فعل وآخر، وهذا ما يأخذنا إلى اتهام أوسع مما قام به إيتو. (3)

 

في واحدة من أشهر الوقائع العنصرية التي حدثت في الفترة الأخيرة تعرَّض روميلو لوكاكو إلى صيحات مسيئة من قِبل جماهير كالياري خلال مواجهته ضد إنتر، الرجل استعد لتنفيذ ركلة جزاء أمام قيام الآلاف بمحاولة تشتيت تركيزه من خلال تقليد أصوات القرود، ليرد بكل دبلوماسية عبر حسابه الشخصي على إنستغرام بعد اللقاء بالتنديد بتلك التصرفات من باب أن كرة القدم لعبة شعبية، وأنه من حق الجميع ممارستها دون التعرض لمثل هذه الإساءات، مطالبا اتحادات كرة القدم حول العالم باتخاذ الإجراءات اللازمة ضد ما يحدث في الملاعب من جهة، وما يحدث على مواقع التواصل الاجتماعي من جهة أخرى، والسبب أنها أصبحت أكثر تأثيرا ربما مما يحدث داخل الملاعب. (4)(5)

  

المفاجئ في القصة لم يكن فقط ما قام به الاتحاد الإيطالي لكرة القدم، والذي اعتَبَر بدوره أنه لا دليل على أن ما قامت به جماهير كالياري يُعَدُّ فعلا عنصريا، لماذا؟ لأن الملعب كان مليئا بصافرات الاستهجان طوال المباراة، ويصعب بالطبع التفرقة بين أصوات الصفير البشري وتقليد أصوات القردة في وجه لاعب أسمر. الأمر صعب حقا؟ هل تتشابه أصوات القردة مع أصوات الصفير البشري لهذه الدرجة؟ هل يصعب أيضا الربط بين تلك الواقعة وما حدث قبلها بـ 5 أشهر فقط في الملعب ذاته ضد مويس كين؟ هذا البيان لم يكن سوى جسر لتمرير مستوى جديد من الوضاعة دون التعامل معها بحزم، حفنة جديدة من المنافقين تظهر ولكن الفارق أنهم أصحاب القرار في هذه الحالة. (6)(7)

    

 روميلو لوكاكو (رويترز)

  

نعم، المفاجئ لم يكن رد فعل الاتحاد الإيطالي رغم ابتعاده عن الإنسانية بدرجة كبيرة، بل كان رد مشجعي إنتر على ما نشره لوكاكو بعد المباراة، حيث طالبوه بألا يتعامل مع هذه الأمور بحساسية لأنها ليست عنصرية، وهذا لأن إيطاليا تختلف عن البلدان الأخرى. لقد قالوا في البيان إن هذه الأشياء تحدث في إيطاليا من أجل تشتيت الخصوم فقط، وليس المقصود بها عنصرية أو إساءة، هي أفعال تقوم بها جميع الجماهير، قالوا نحن أيضا نقوم بها وسنقوم بها، وعليك التكيّف مع تلك الأمور التي تعتبرها أنت عنصرية ولا نعتبرها نحن كذلك. (8)

  

بالطبع كان هذا مستندا إلى ما قام به جمهور إنتر نفسه ضد خاليدو كوليبالي العام الماضي، لن نستطيع إدانة أشياء قمنا بها في السابق، وسنقوم بها مستقبلا من أجل الفوز ليس إلا، هذا ليس نفاقا كالذي تحدث عنه إيتو، بل شيء أكثر خطورة منه، الأمر وصل إلى مرحلة اتساق مع الذات ووضع تلك الأفعال في إطار مقبول ومبرر، ليتحوَّل الأمر بمرور الوقت إلى فعل مقبول لا يستحق حتى الإدانة. (9)

  

 
 
 
View this post on Instagram
 
 
 

A post shared by Romelu Lukaku (@romelulukaku) onSep 2, 2019 at 5:18am PDT

  

لا معايير

بالعودة إلى واقعة عنصرية جماهير كالياري ضد مويس كين، نجد أن ليوناردو بونوتشي قائد يوفنتوس في هذه المباراة خرج ليقول إن ما حدث يتحمله كين من جهة والجماهير من جهة أخرى، ذلك لأن اللاعب استفز الجماهير أولا باحتفاله بالهدف الذي سجله. هذا لا يعني أن الجماهير لم تخطئ، ولكن اللاعب هو من أخطأ أولا، وكل طرف يتحمل 50% من الخطأ من وجهة نظر الإيطالي الدولي. (10)

  

بغض النظر عن كون الهدف الذي يتحدث عنه بونوتشي قد سُجِّل بعد 73 دقيقة من الهتافات العنصرية بحق كين، وأن احتفاله لم يكن سوى أنه فرد ذراعيه فقط، ولكن سنفترض أن ما قاله بونوتشي صحيحا، وأنهم لم يقوموا بذلك سوى بعد أن استفزهم كين. بناء على ذلك، هل يُعَدُّ الاستفزاز مبررا للعنصرية؟ الإجابة عن هذا السؤال ستتحدّد بناء على المعيار الذي نحكم من خلاله، إذا كان معيارا إنسانيا أم ينتمي إلى عالم النفاق الذي تحدث عنه إيتو.

  

هذا سيضعنا أمام معضلة أخرى، أو سيوسّع من الرقعة التي نتناولها بالأحرى، فإذا كانت الهتافات العنصرية رد فعل مقبولا للاستفزاز، فماذا عن اللاعب الأسمر الذي يلعب بشكل سيئ؟ هل يحق للجماهير السخرية من لون أو جنس لاعب لأنه أضاع فرصة الحصول على لقب؟ هذا أمر مستفز بدوره، هل كان كريستيانو رونالدو على حق حين سخر من قصر قامة فلورينزي ليحسم الجدال الدائر بينهما في مواجهة يوفنتوس وروما الموسم الماضي؟ اترك القوس مفتوحا وضع ما تريد من الأسئلة المشابهة، ولا تنسَ أن الوصول إلى إجابة محكوم بالمعايير التي ستجيب من خلالها. (11)

  

الأمر لم ينتهِ بعد، هناك نوع آخر من العنصرية، ذلك الذي يتعلَّق بتناول الصحف والأفراد أحيانا للخبر نفسه، الأمثلة كثيرة وستأخذنا إلى تفاصيل كُتبت في موضوع سابق، تحديدا بعد حادثة جماهير إنتر ضد كوليبالي، كيف تناولت دايلي ميل خبرَيْ اقتناء شابي مانشستر سيتي أديرابيويو وفيل فودين لمنزل فاخر، وكيف تم التفرقة بين صياغة الخبرين تبعا للون بشرة كلٍّ منهما، وكيف يتم لوم بوجبا على قصات شعره دونا عن بيكهام، والكثير من الأمثلة المشابهة التي لا تتضمن إساءة صريحة، ولكنها تتضمن صورة أخرى من صور العنصرية، تلك التي يمكن أن نطلق عليها العنصرية الضمنية مثلا. (12)

     

   

نحو مزيد من الانحطاط

بالتسلسل نفسه، وصلنا إلى مستوى جديد من الوضاعة، خلال مواجهة كرواتيا وويلز سقط دانيال جيمس على الأرض في كرة مشتركة مع فيدا، ليعطي إيحاء بأنه فقد الوعي، قبل أن يتدخَّل الجهاز الطبي لعلاجه، بعدها خضع لفحوصات طبية بين الشوطين للتأكد من عدم إصابته بارتجاج، وبالفعل تم التأكد من سلامته وأكمل المباراة بشكل طبيعي.

  

ما يستحق الوقوف أمامه هنا هو ما حدث بعد المباراة، حيث صرَّح ريان غيغز مدرب منتخب ويلز بأن جيمس أخبره بين الشوطين بأنه لم يتعرض لشيء يستدعي كل هذا، وأنه في هذه اللقطة لعب بطريقة الشوارع، واستخدم الذكاء والحنكة، بالطبع يقصد استخدم ذكاءه في أن يُعرِّض فيدا لعقوبة لا يستحقها أو ليستجدي تعاطف حكم اللقاء، المهم أنه وضع هذا الخداع في إطار الاستخدام السليم للعقل، وبغض النظر عن ما إذا كان جيمس قد قام بالتحايل أم أن القصة من وحي خيال غيغز، فإن المنطق نفسه هو الذي يسير بنا إلى منعطف أكثر خطورة. (13)

  

عقب هذا التصريح خرج بيتر ماك كابي، مدير إحدى المؤسسات الخيرية الممولة لجراحات المخ والأعصاب، ليتحدث عن خطورة الأمر، وأنه في حالة كان جيمس بالفعل يُمثِّل إصابته بالارتجاج فهذه كارثة كبرى، وأن اختبارات الإصابة بالارتجاج ليست موضعا لاستخدام مثل هذه الحِيَل، مضيفا أن هذا سيؤدّي إلى الكثير من الحالات المشابهة، حتى يصبح التعامل مع هذا النوع من الإصابات هزليا نظرا لصعوبة التفرقة بين حقيقة الإصابة وادعائها. باختصار؛ ماك كابي يتحدث عن القصة القديمة للصبي الذي كان يتظاهر بالغرق لكي يخدع الناس، وحين يحضرون لإنقاذه يجدونه يضحك، حتى غرق بالفعل ولم يستجب أحد لاستغاثاته ظنا أنه يمزح كعادته. (14)

    

ميدان - دانيال جيمس (رويترز)

  

التحايل لم يقتصر فقط على صراخ مبالغ فيه أو إمساك للقدم، أمور كتلك بات التعامل معها أكثر سهولة بوجود تقنية الفيديو، ولكن حالات الإصابات في الرأس والتي أدَّت إلى وفاة لاعبين في الحال وانتهاء مسيرة آخرين، تلك التي لا يتم الكشف عنها سوى من خلال هيئة اللاعب بعد سقوطه ورد فعله المباشر بعدها، ما يتطلَّب من أقرب اللاعبين منه استدعاء الجهاز الطبي في أسرع وقت إذا لاحظ سكونا غريبا أو عدم قدرة على الحركة أو التنفس بالنسبة للاعب الساقط على الأرض، تخيل أن تلك الأعراض قد تصبح في المستقبل جزءا من خطط الخداع والدهاء والمكر، النتيجة ستكون تحول حياة البشر إلى جزء من هذا الانحطاط.

  

في الحقيقة، لم تكن تلك الوقائع سوى سلسلة متصلة الحلقات من فقدان كل شيء لمعناه الحقيقي، لم يصبح الفوز مرادفا للتفوق ما دام الجميع مستعدا للجوء إلى كل الوسائل المنحطة من أجله، ماذا تعني الـ (1/0) والـ (2/1) إذا حرمت الخصم من لاعبيه بالإيذاء وأثَرت عليهم نفسيا من خلال العنصرية والسباب ولجأت إلى وسائل الغش للحصول على هدف غير شرعي؟

  

وسط كل ذلك أنت لا تستطيع مناقشة مشجع فاز فريقه حول ماهية الفوز، لا تستطيع التفاوض مع أرجنتيني لتُثبت له عدم شرعية هدف مارادونا باليد، لا يمكن حرمان إيطاليا من كأسَيْ العالم في 1934 و1938 بعد ما قام به موسوليني من إرهاب للاعبيه قبل خصومهم في حال لم يعودوا إلى إيطاليا بالكأس، لن تجد مفرا من اعتبار حوادث قتل مشجعي الخصوم وممارسات المافيا أعمالا بطولية للدفاع عن الكيان الذي ينتمي إليه مرتكبوها. (15)

      

     

الحل؟

منذ فترة تم طرح تساؤل حول أسباب عدم وجود مدربين أصحاب بشرة سمراء، أو حول ندرة وجودهم وعدم حصولهم على فرصة ثانية في حال فشلوا في التجربة الأولى، الأمر الذي تناولته الغارديان في 2014 رغم الصمت الإعلامي حوله في هذا الوقت، حيث ذكرت أنه في ملاعب إنجلترا بدرجاتها كافّة تصل نسبة اللاعبين أصحاب البشرة السمراء إلى 25%، لكن نسبة المدربين منهم بالكاد تصل إلى 4%!، موجهة الاتهام الرئيسي إلى أصحاب القرار في الأندية. هناك مؤشرات أنهم حتى لا يمنحون الأسمر حق المقابلة الوظيفية، لا يعطونه حتى الفرصة للوقوف على كفاءته، ربما لأنهم ما زالوا من أصحاب العقليات المتحجرة الطبقية. (16)


"هم يريدوننا أن نلعب لكن ألا نقود، هم يعتقدون أننا للتنفيذ لا للتخطيط، هناك نجوم حققوا المعجزات في الملاعب ولم يحصلوا على أي فرصة التدريب"

فلورينت إيبجني مدرب منتخب الكونغو السابق (17)

  

الظاهرة استحقت التساؤلات بالفعل، وذلك للأسباب التي ذكرتها الغارديان حول عدم وجود فرص منذ البداية لأصحاب البشرة السمراء لكي يصبحوا مدربين، وأنه في حال حصلوا عليها فإن احتمالية أن يجدوا فرصة أخرى تكون أقل من غيرهم، ونحن هنا نتحدث عن لاعبين يُعدّون من أساطير اللعبة؛ كسيدورف مثلا الذي لم يجد عرضا أوروبيا مناسبا عقب تجربته مع ميلان في 2014، والتي لم تكن تستحق إبعاده عن المشهد بهذه الصورة، بغض النظر عن السنوات اللاحقة وقدرتها على إثبات ضعف قدراته أو عكس ذلك.

  

ربما العودة إلى ما صرّح به إيبغني تُلخِّص ما في الأمر، إن الغالبية يرون أصحاب البشرة السمراء أدوات للتنفيذ لا التخطيط. شيء ترسخ من تتابع الأحداث حتى وإن لم يصرح به، وهذا ما يندرج تحت إطار العنصرية غير المباشرة أو الضمنية، تماما كتعامل ذا صن مع فودين وأديرابيويو، وكتعامل الجماهير والصحافة مع قصات شعر بوغبا وبيكهام، وكثير من الأمثلة المشابهة.

       

فلورينت إيبجني مدرب منتخب الكونغو السابق (رويترز)

   

قد يكون الحل المباشر في فرض العقوبات القاسية على الأندية وجماهيرها، ولكن ذلك سيتسبّب في خلق فئة من العنصريين الصامتين كما قال جون بارنز، وهو شيء قد يتسبّب في عواقب وخيمة في حال بحث هؤلاء عن حقول أخرى لممارسة عنصريتهم بعيدا عن كرة القدم، وهنا سيكون الأمر أشبه بنقل الظاهرة السلبية من حقل لآخر، وهو أمر غير مُجْدٍ إطلاقا بالتعامل مع العالم البشري بمختلف مجالاته ككتلة واحدة. (18)

   

ولكن رغم ذلك، فعلى المدى القصير يبدو حل العقوبات منطقيا، أما فيما يخص العلاج الجذري فكرة القدم بحاجة إلى ترسيخ قيم الاحترام بشكل عام، نظرا لكون العنصرية فعلا ينشأ من عدم احترام جنس أو لون معين، وهذا لن يتم إلا من خلال تولي المدربين أصحاب البشرة السمراء الإشراف على الفئات السنية الصغيرة، نظرا لأن علاقة اللاعب بالمدرب تقوم على الاحترام في المقام الأول.

  

قبل كل ذلك يجب أن ينتبه الجميع إلى تلك السلسلة متصلة الحلقات، والتي تجعل الانحطاط يزداد بمرور الوقت، وكتطوّر طبيعي للصمت أمام الأفعال المشينة باختلاف الدرجات بل وتأييد بعضها بدعوى الانتماء والحنكة والدهاء، الأمر الذي يجعلنا أمام خطر حقيقي بأن يتسامح الغالبية مع العنصرية وقتل مشجعي الخصوم، وتقود البعض إلى ادعاء الإصابة بالارتجاج وإلى السخرية من ضحايا مشجعي الفرق الأخرى، ولا أحد يعلم إلى أين سنصل بعد 10 سنوات مثلا بالنظر إلى معدلات التطور تلك، لا يمكننا استبعاد تحول الملعب إلى ساحة قتال حقيقية، 11 لاعبا ضد 11 آخرين والمنتصر هو مَن يقتل عددا أكبر من الخصوم. جنون ومبالغة؟ ربما، ولكن منذ 50 عاما لم يكن أحد ليبرر ما يتم الاحتفاء به اليوم.

المصادر

تقارير متصدرة


آخر الأخبار