انضم إلينا
اغلاق
محمد صلاح.. جريمة ألا تكون أبو تريكة

محمد صلاح.. جريمة ألا تكون أبو تريكة

أحمد أباظة

محرر رياضة
  • ض
  • ض

"إذا سجّل المزيد سأصبح مسلما أيضا"

  

هكذا عبّر جمهور ليفربول عن حبه للاعب، الأمر ذاته استغلته بعض جماهير تشيلسي في مواجهته، ناعتين إياه بالإرهابي. بكلمات أخرى، ديانة النجم المصري هنا يمكنها أن تُستخدم لتمجيده أو لاستفزازه، ففي النهاية جماهير ليفربول لن تغيّر دينها لأجل بعض الأهداف، أليس كذلك؟ (1)

   

صحيح، ليس جمهور ليفربول، بل أحد مشجعي نوتنغهام فورست الذي قرّر اعتناق الإسلام وكان صلاح عونا كبيرا غير مباشرا في هذا التحوّل. آخر ما يمكن قوله لوصف المشاعر والمعتقدات البشرية هو البساطة، لو كان الأمر كذلك لما قامت علوم متخصصة على دراسة سلوكيات البشر، ولكن في حالتنا تلك، غيّر صديقنا "بن بيرد" موقفه من كراهية الإسلام والمسلمين بتلك البساطة حقا، بمجرد اختراقه للحاجز القائم بينه وبين "الآخر"، كما روى قصته لصحيفة غارديان الإنجليزية. (2)

      

   

(أغنية جماهير ليفربول لصلاح)

  

"الجحيم هو الآخرون"

أليس كذلك؟ المسلمون هم حفنة من الإرهابيين الرجعيين، هكذا يرانا بعضهم، تماما كما يرى بعضنا أنهم مجرد كفار فسقة بلا انضباط ولا قيود، حتى تضطرنا الظروف للاحتكاك ببعضنا بعضا، فنكتشف -سبحان الله- أننا جميعا المخلوق نفسه، أتينا بخلفيات ثقافية وعقائدية مختلفة فقط لا أكثر.

  

هذا نمط متكرر في جميع المجتمعات، بل داخل أنفسنا بشكل أو بآخر، ألم يسبق لك أن تكره الوجود حول شخص معين فقط لأنك لا تعرفه أو لأنك تملك انطباعا خاطئا حياله، ثم تصادقه في نهاية المطاف؟ الإنسان أحيانا يصبح عدو ما يجهله، لأنه الإنسان. لسنا متشابهين، ولكن تجمعنا بعض الخصائص التي لا تُفرّق بين دين أو لون أو جنسية.

  

"لا أعتقد أن أصدقائي يصدّقون أنني أصبحت مسلما لأني لم أتغيّر حقا. أعتقد فقط أن قلبي صار أفضل. أنا أحاول جديا تغيير عاداتي في يوم المباراة، حيث اعتدنا أن نذهب إلى الحانة ونضع الرهانات، وبعد المباراة نعود إلى الحانة ونلاحظ خسارتنا للكثير من المال. الأمر صعب حين تكون معتادا على ثقافة معينة، فهي جزء من كرة القدم بالنسبة للعديد من الناس".

    

  

في الوقت الذي نمّى به هذا الرجل كراهيته للإسلام ربما لم يكن صلاح قد وصل إلى إنجلترا من الأساس، فاللاعب الذي بدأ مسيرته مع "المقاولون العرب" في مصر، ثم طار إلى بازل السويسري في 2012، قد عُرف وقتها بدرجة عالية من الالتزام الخلقي والديني، تصل إلى الوقوف خجلا أمام مذيعة ترتدي فستانا على الطراز المعتاد هناك في مثل تلك المناسبات.

  

يخفق المصري مع تشيلسي، ثم يتألّق مع فيورنتينا، يزداد تألّقا مع روما، المصحف لا يفارقه، السجود هو عنوانه كلما سجّل، يجمع المحبين حول العالم ويزداد العرب وخاصة المصريين تعلّقا به، فالشعوب دائما ما تحب مَن هو منها، ومَن يشبهها، وهو ليس مُتسيّبا، تزوج في سن مبكرة لتحصين نفسه، لم تخرج ولو مجرد شائعة بشأن مغامرات نسائية له، لم يلهث وراء "السيارات والنساء" كما قال بالنص معلّلا إخفاق بعض أقرانه في الاحتراف الخارجي.

    

  

(حديث صلاح عن أسباب فشل بعض المحترفين المصريين)

    

"لأن يهدي الله بك رجلا واحدا"

"أشعر بالإحراج لقول ذلك ولكن الإسلام بالنسبة لي كان رجعيا على صعيد الدين والثقافة والناس، والمسلمون لا يندمجون ويريدون السيطرة فقط. لقد كنت أنظر للمسلمين باعتبارهم الفيل في الغرفة. أعتقد أني كنت بحاجة إلى شخص ألومه على سوء حظي، وسريعا ما توصلت إلى المنصات الإعلامية اليمينية الذين حاصروني بالدعاية. ورغم تلك الأفكار البشعة التي كنت أملكها عن الإسلام، لم أقلها لمسلم أبدا، في تلك المرحلة لم أكن أعرف أي مسلمين بالأصل، ولكن شهادتي في دراسات الشرق الأوسط بجامعة ليدز غيّرت كل شيء".

  

للمرة الأولى يحتك "بيرد" بالإسلام والمسلمين، بدراسة الدين أكاديميا ومخالطة الطلاب، يسأله معلمه ذات مرة عن الأغنية التي بدأنا بها هذا الأمر، فيفكِّر كيف تحوّل أداء صلاح الرائع على الملعب من مجموعة إنجازات كروية إلى نقاش حقيقي بشأن الإسلام، ثم يتحدّث مع الطلاب الوافدين من السعودية والذين كان يظنهم حفنة من الأشرار حملة السيوف، ليندهش مرة أخرى أنهم أناس لطفاء. بدأ "بيرد" العمل على بحث يحمل عنوان "محمد صلاح.. هدية من الله"، وبدلا من كون صلاح هو المسلم المصري الوحيد الذي يعرفه، صار يُحادث المصريين ويحدّثونه لساعات عن نجم ليفربول.

  

أحدهم أخبره أنه يجعل الناس يحبون المسلمين من جديد، وهنا تأكد بطلنا بشكل قاطع أن الإنسان الآخر الذي ظنه يعض لا يعض في حقيقة الأمر. هكذا صار أحد كارهي المسلمين واحدا منهم، وهكذا ساهم صلاح بذلك دون أن يعرفه بشكل شخصي ودون أن يحادثه ولو لمرة واحدة. هكذا صار "الآخر الكافر" ينظر إلى لاعبنا، ولكن العديد من أفراد مجتمعنا لم تعُد لديهم النظرة نفسها التي كانت لديهم عنه في بادئ الأمر.

   

فضيحة محمد صلاح!

"صلاح أراني أنه يمكنك أن تكون طبيعيا ومسلما في الوقت ذاته، إذا كانت تلك هي العبارة الصحيحة. يمكنك أن تكون نفسك".

   

  

عاش المصري في المجتمع الأوروبي لوقت طويل، وبالتالي بات يندمج به خطوة تلو الأخرى، حتى لو تطلّب الأمر بعض التنازلات الدينية التي لم تكن واردة منه في بادئ الأمر. قدَّم نفسه في البداية كما تناولنا باعتباره رمزا للتدين، وبالتالي حين بدأت تلك الصورة تتغير ولو قليلا، بدأ الناس يتساءلون، أو بالأحرى يستغربون، وهو استغراب منطقي للغاية، فقط لو لم يصل إلى أبعد مما ينبغي سواء لأجل الأفكار أو لأجل "الترافيك".

  

الحقيقة الواضحة هنا أن صلاح يُقدِّم صورة مميزة للإسلام والمسلمين، سواء في بدايته وهو لا يحتفل إلا بالسجود، أو الآن وهو يملك المزيد من الاحتفالات ويلتقط الصور بحرية مع المشجعات النساء. ولكن ما خطب هذا المتسيّب المفرط الذي لا يشبه أبو تريكة؟ المصريون يعشقون صلاح، ولكن منزلة محمد أبو تريكة مختلفة للغاية خصوصا لدى مشجعي الأهلي، وهو الأمر الذي يستدرجنا إلى تلك المقارنة البلهاء بين صلاح ولاعب كبير معتزل يحبه ويعتبره بمنزلة الأخ له، ليس من الناحية الكروية بل الأخلاقية. هل سبق أن رأيت صورة أبو تريكة وهو يضع عينيه في الأرض أمام مذيعة بفستان عارٍ؟ لا تقلق، إن لم ترَها سيحرص البعض على وصولها إليك بمجرد أن تظهر صورة لصلاح مع امرأة.

  

صلاح ليس مثاليا، يملك نزعة متعالية بعض الشيء بدأت تظهر في الآونة الأخيرة، أساء إدارة أزماته مع اتحاد الكرة، له بعض المواقف المشينة مرة بدعمه لزميله المتهم بالتحرش والمساهمة في إجبار الاتحاد على إعادته للمنتخب، ومرة أخرى بالتبرؤ مما فعل أمام الإعلام الأجنبي، هناك آلاف الأسباب لانتقاده، ولكن مجموعة من الصور الروتينية في حدث معتاد مع عارضة برازيلية، حقا؟ (3) (4)

    

صلاح ليس أبو تريكة ولن يكون، ولو طبقنا الإسلام بحذافيره المطلقة سيكون بعض المنتقدين هم أتعس البشر

مواقع التواصل
   

تريد بعض القاذورات؟ حسنا، افتح موقع "يوتيوب". اكتب: فضيحة محمد صلاح، واستمتع. "هل هذا هو فخر العرب؟ فضيحة محمد صلاح مع العارضة البرازيلية – فضيحة محمد صلاح مع العارضة البرازيلية شبه العارية – كواليس صور محمد صلاح مع عارضة الأزياء البرازيلية ورد فعل أم مكة". ما هذا؟ وما شأنكم بزوجته أصلا؟!

  

لننتهي من هذا الأمر، صلاح ليس أبو تريكة ولن يكون، ولو طبقنا الإسلام بحذافيره المطلقة سيكون بعض المنتقدين هم أتعس البشر، تحديدا من أعاد نشر الصور منهم، ولكن السؤال حقا: هل تعتبر الصور مع عارضة فضيحة بالمعنى المفهوم؟ ألا يملك العديد من الفنانين صورا مشابهة بل وأكثر فجاجة؟ نحن نعرف الإجابة سابقا، فالصورة النمطية أنهم فاسقون في جميع الأحوال، بينما كان صلاح رمزا دينيا.

  

متى كان صلاح رمزا دينيا؟ ربما حين قدّم نفسه في صورة الملتزم الكامل، والآن الصورة تتغير، لأن المرحلة تتغير والتفكير يتغير والعقلية تتغير، مَن هو هذا الإنسان الذي تظل سلوكياته ثابتة طوال حياته؟ خطأ صلاح الرئيسي هنا هو أنه لم يظل كما كان منذ اليوم الأول، وكأننا جميعا ننجح في ذلك. نحن لا يُفترض بنا أن نستقي ديننا من لاعب كرة، أو تنتظر من اللاعب نفسه أن يكون المَثَل الأعلى، هناك علماء ورجال دين لهذا الغرض حتى وإن كنا نعرف عددا كبيرا منهم لا يؤديه حقا، هي وظيفتهم في نهاية الأمر، وليست وظيفة اللاعب الذي ليس أبو تريكة.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار