انضم إلينا
اغلاق
مورينيو وتوتنهام.. هناك شيء ما ليس في مكانه!

مورينيو وتوتنهام.. هناك شيء ما ليس في مكانه!

أحمد أباظة

محرر رياضة
  • ض
  • ض

"لن أدرب توتنهام أبداً، أنا أحب جماهير تشيلسي" (1)

   

لا تخبرنا أن هذا ما فاجأك، فتلك التصريحات ترجع إلى 2015، أي قبل الإقالة وقبل تدمير ما بقى من جسور بينه وبين جماهير تشيلسي. وإن لم يكن الأمر كذلك فلا تخبرنا أيضاً أن هذا ما فاجأك، هذا جوزيه مورينيو.. إن سألته عن جهة المشرق في يومين مختلفين فلا تنتظر أن يمنحك نفس الإجابة.

  

ولكن الإجابة التي نبحث عنها هنا لا علاقة لها إطلاقاً بوجه التناقض المعتاد في تصريحاته، بل بالمزيد من التناقضات في كل شيء تقريباً.. في القرار والخيار وتراتبية الأحداث. رأيتم صوره في تدريبات توتنهام، والتعليق الأكثر تكراراً هو:"لا أستطيع التأقلم مع هذا المشهد بعد"، مجرد رؤيته بشعار الديوك تُشعرك بوجود شيء ما ليس في مكانه، لا تقلق، أنت على حق.. لا يوجد شيء واحد في مكانه تقريباً إن أمعنت النظر..

    

   

نرد توتنهام

هكذا وصف بيتر سميث محلل سكاي سبورتس هذا الخبر المفاجئ، الذي اعتبره مقامرة من الطرفين. ما يخصنا الآن هو الطرف الأول: دانييل ليفي رئيس توتنهام هوتسبر. قرار إقالة بوتشيتينو كان سيحدث عاجلاً أم آجلاً بالنظر لتلك البداية الكارثية، ولكن تعيين مورينيو بعده مباشرةً بأقل من 24 ساعة؟ هذا قرار لا يتخذ بتلك السرعة، خاصةً إن كان يعني التخلي عن فلسفة هجومية معينة أسسها بوتشيتينو على مر 5 أعوام، والتحول منها إلى مدرب براجماتي سيفعل أي شيء أمام أي فريق إن ارتأى أن هذا ما سيمنحه الفوز. (2)

  

سنفترض أن ليفي كان يخطط لإقالة بوتشيتينو مبكراً، مبكراً بما يكفيه للتواصل مع مورينيو والتفاوض معه وإقناعه بتلك الوظيفة في تلك الظروف، بل وأنه لم يقرر إقالة الأرجنتيني حتى توصل إلى هذا الاتفاق، وأن الصحافة هي من علمت بالأمر مؤخراً بعد الإقالة، بالنظر لتقارير الآونة الأخيرة التي كانت تربط مورينيو بخلافة أوناي إيمري في آرسنال. بعد وضع كل تلك الفرضيات، الأمر لا يقلل من حدة وخطورة تلك المقامرة على الطرفين. (3)

  

بوتشيتينو كان لديه مشكلتين واضحتين للغاية، مشكلة بالوضع الحالي ومشكلة عامة. الوضع الحالي هو حالة الجمود التي ضربت اللاعبين، صفر من الطموح والدوافع والشغف كنتيجة طبيعية لمرور الأعوام، نجوم مثل إريكسن يبحثون عن الخروج والإدارة لا تريد السماح لهم بذلك. أما المشكلة العامة فهي الإنفاق وإدارة الصفقات، إذ قال يوماً ما يشبه "نريد أريكة فنحصل على كرسي، نريد غسالة فنحصل على مجفف".. في نهاية المطاف الرجل كان يحاسب على عدم تحقيقه للألقاب بأقل معدل إنفاق بين الستة الكبار في إنجلترا. (4)

   

بوتشيتينو (رويترز)

   

هكذا تتشابك الخيوط مجدداً.. ليفي قال أنه يريد مورينيو لتجديد شغف اللاعبين، حقاً؟ هل رأيت شغف يونايتد؟ أو شغف تشيلسي في موسمه الأخير معه؟ حين تُطرح مسألة التعاقد مع مورينيو، يبقى العامل الأكثر إخافة دائماً أبداً هو تعامله مع غرف الملابس.. على الجانب الآخر وبالصدفة البحتة، مورينيو لم يكن راضياً بصافي إنفاق بلغ 317 مليون جنيه استرليني في فترته مع يونايتد، هل تعلم كم أنفق بوتشيتينو في الموسم الماضي؟ صفر، حرفياً. (5)

  

نقطة أخرى شهدت تقاطع طريقي بوتشيتينو ومورينيو، إذ قال الثنائي نفس الشيء بصورة شبه حرفية عن سطوة الإدارات على قرارات التعاقد: المدير الفني في الوقت الحالي تحول من مدير “Manager” إلى مجرد مدرب “Head Coach”. ولدينا الآن "ديلي ميل" تقول أن ليفي رفض طلب بوتشيتينو بتثبيت كاميرات لتصوير التدريبات لارتفاع التكلفة، كم هي تلك التكلفة؟ 80 ألف جنيه استرليني.. هذا هو الرجل الذي يقولون أنه وعد مورينيو بالإنفاق، مورينيو الذي كان يصرخ طوال الموسم الماضي لأنه لم يحصل سوى على فريد ودالوت بـ83 مليون يورو، والآن "غارديان" تؤكد أن ليفي أبلغه بالفعل وبشكل مبدئي أنه لا يوجد ميزانية للتعاقدات في يناير، فما هذا بالضبط الذي يوجد في مكانه؟ (6)

    

  

.. ونرد مورينيو

كل شيء يقودنا لنفس التساؤل، هل سأل كل منهما عن الآخر قبل أن يتخذا هذا القرار؟ هل يعلم مورينيو أن ليفي يمكنه أن يصبح حاد المزاج وبخيلاً لأقصى درجات البخل في أي لحظة؟ وهل يعلم ليفي ما سيفعله مورينيو بمجرد اشتباكهما في قرار محوري؟ المشكلة الرئيسية هنا أن ما حدث لا يتناقض فقط مع شخصيتي الرجلين، بل يضرب بكل التوقعات التي بُنيت على "استراحة مورينيو المؤقتة" عرض أعرض حائط في لندن.

  

مورينيو بعيد عن دائرة العمل اليومي منذ ديسمبر 2018، أي لمدة 11 شهراً على وجه التحديد. الكل طرح تفسيراته لهذا الغياب الطويل، فالبرتغالي بحاجة لراحة يراجع بها حساباته ويتحضر من خلالها لتجربة جديدة تصحح أخطاء كل التجارب الماضية، ولنتحدث بصراحة.. اسم مثل جوزيه مورينيو لا يمكنه الجلوس في منزله لقرابة العام دون تلقي أي عروض، ما يعني أنه قد رفض البعض بالفعل، سواء لأنه ارتأى أنه لا يزال بحاجة للوقت، أو اعتبرها ببساطة لا تناسبه.

   

من هنا خرجت فتوى الغالبية وأيدها الرجل نفسه، مرة بحديثه عن "رغبته في تدريب نادياً ممن يلبون مطالب مدربيهم مثل مانشستر سيتي" بصرف النظر عن كونها هجوماً مبطناً معلناً في الوقت ذاته على مانشستر يونايتد، ومرة بحديثه عن كونه "لا يريد الفوز بالضرورة، بل السعادة". الكل قد أجمع: مورينيو يتحين اللحظة المناسبة، ينتظر النادي الأنسب بالإدارة الأنسب ومجموعة اللاعبين الأنسب وبطبيعة الحال الوعود والصفقات الأنسب. كلها عوامل لا تشمل اسم دانييل ليفي، وكلها شواهد تبشر بتوليه لفريق أكثر استقراراً من توتنهام الحالي، وفي بداية الموسم على الأقل وليس نوفمبر، ولكن نصف الكوب هنا لديه الكثير من الأنباء السارة.. (7)

  

فريق توتنهام (رويترز)

      

توتنهام يحتل المركز الرابع عشر، رقم كارثي، ولكن حدته ستتقلص كثيراً بمجرد أن نقول أن الفارق بينه وبين الخامس شيفيلد يونايتد مجرد 3 نقاط، ثم يعود ويزداد حدة إزاء الفارق بينه وبين مقاعد دوري الأبطال والبالغ قدره 11 نقطة، قبل أن يصل إلى ذروته بالمقارنة مع المتصدر ليفربول، والذي يبعد عنه 20 نقطة كاملة بعد أول 12 جولة فقط. من هنا يمكن القول ببساطة أن المركز الخامس في المتناول وبسهولة، بينما سيكون الوصول لدوري الأبطال صعباً بعض الشيء، أما الدوري فلن يطالبه به سوى فاقد للأهلية.

  

بكلمات أخرى هي بيئة مناسبة للغاية، يملك فيها أفضلية لا يملكها سواه، أفضلية البناء من نوفمبر إلى أغسطس. لا أحد سيحاسب جوزيه على أي شيء هذا الموسم، أياً كان ما سيجلبه، سيقابله ليفي بصدر رحب للغاية منتظراً ثمار الموسم القادم، وبالتالي هو لا يملك فقط الفرصة لمواصلة مراجعة الحسابات بالتجربة العملية، بل يملك 26 مباراة كاملة لتجربة جميع الأفكار كيفما شاء، وصولاً إلى شكل واضح وخريطة تعاقدات واضحة للموسم التالي، نعم هي بيئة مناسبة للغاية، ولكن هل هي البيئة المناسبة لمورينيو؟

  

"كل يوم نفس السؤال عن جوزيه مورينيو"

في حديثه الأول من موقعه الجديد، قال جوزيه كلاماً عن "الإرث الكروي لتوتنهام"، وصدقاً فإننا نبذل كل ما أوتينا من جهد كي نتفادى الخوض في تلك النقطة تحديداً، فأكمل الرجل بكلمات أخرى عن "الشغف الذي سيجلبه للنادي"، وهي كلمات اعتيادية للغاية بالنسبة لمدرب جديد، حتى وصل إلى مرحلة "الاحترام الذي كان يكنه لتوتنهام كمنافس له طوال الفترة الماضية"، النادي الذي صك أمامه مصطلح  ركن الباص “Park the bus” في ولايته الأولى مع تشيلسي واعتبره لا يعبأ بالجماهير التي أهدرت أموالها لمشاهدة هذا العرض القبيح، وصدقاً بين كل ما قاله عن توتنهام ولاعبيه ومدربيه خلال كافة ولاياته في البريميرليغ، مسألة الحافلة تعد ضمن الأقل سوءاً.. (8) (9)

    

  

ولكن لا، سنواصل مقاومة هذا الإغراء للوصول إلى ما نريده.. فالرجل هنا حقاً لم يكن يمارس أي لعبة من ألعابه الكلامية المعتادة، بل يعني حرفياً كل ما قاله.. بالنظر إلى علاقته بآرسين فينغر المدرب التاريخي لآرسنال حين عمل كل منهما ضد الآخر، ثم علاقته بنفس الرجل بدءاً من مباراته الأخيرة ضد مانشستر يونايتد في موسم وداعه وحتى جلوسهما معاً على نفس الطاولة لتحليل المباريات، تجد حقاً أنه يحترم خصومه، ويعتبر كل إهاناته لهم طوال فترة العمل "جزءاً من ضروريات المهنة". (10)

 

هذا تحديداً ما يقودنا إلى هذا السؤال، نفس السؤال الذي طُرح حين تولى قيادة مانشستر يونايتد: هل تغيَّر مورينيو؟ بالنظر إلى كلامه في منصات التحليل، تجد أمامك حكيماً وخبيراً عظيماً في شؤون الكرة، تجده يقدم الكثير من النصائح الهامة التي لو طبقها بنفسه لما انتهى به الأمر بالإقالة من آخر وظيفتين.. ما يجعلنا نتساءل بجدية عن الفارق بين مورينيو داخل الضغط وخارجه..

    

جوزيه مورينيو مدرب توتنهام الجديد (مواقع التواصل)

  

بالضبط: توتنهام مهمة هادئة للغاية، هادئة أكثر مما يلزم بالنسبة لشخص مثل "الاستثنائي"، الرجل الذي لجأ له ريال مدريد يائساً بعد ضم رونالدو وكاكا وألونسو وبنزيما في عام واحد دون أمل في وقف الغزو الكتالوني آنذاك، الرجل الذي عاد إليه تشيلسي بعد أن جرب مختلف المدربين من مختلف الجنسيات ورآه ملاذاً، الرجل الذي استغاث به مانشستر يونايتد في أسوأ عصوره وبات ضرورة قصوى بعد تعاقد الجار سيتي مع بيب غوارديولا، نحن هنا لا نتناول مدى نجاحه أو فشله في تحقيق أي من أهداف تلك المراحل، بل نتناول "المبعث" الذي وصل من خلاله لتلك المناصب، والآمال المعلقة عليه.

  

منذ خروجه من بورتو إلى كبار القارة العجوز لم يمر مورينيو بتجربة هادئة وحيدة، لم يسترِح قليلاً في أي من تلك الأندية قليلة الجماهيرية العالمية أو قليلة الطموحات على صعيد الألقاب، نحن أمام مدرب يتغذى على التحدي والسعي وراء الألقاب والأجواء المشحونة، الرجل الذي عرفنا أعنف نسخ الكلاسيكو معه، والذي نادراً ما يترك مباراة كبيرة تمر دون سرقة جميع الأنظار ولو بلقطة واحدة، هل يبدو لك هذا كمدرب "توتنهام"؟ الكثير من الأسئلة التي لا يمكننا إجابتها الآن، يمكننا إدعاء العمق وإخبارك بأن "هناك احتمال من اثنين: العودة المذهلة أو الفشل الذريع"، صيغة جافة أكثر من اللازم أليس كذلك؟ ما رأيك بـ"إما أن يصنع التاريخ ويثبت أن الرجل الاستثنائي لا يموت، وإما أن تلقى مسيرته حتفها"؟ تبدو أفضل هكذا.. ولكن بإمعان النظر مرة أخرى، هل هناك احتمال ثالث أصلاً؟ لا أحد سيجيب سوى المستقبل، كل ما نريد قوله هو أن شيئاً ما ليس في مكانه.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار