انضم إلينا
اغلاق
مانشستر سيتي وتشيلسي.. الحد الأقصى من الصبر

مانشستر سيتي وتشيلسي.. الحد الأقصى من الصبر

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

- هل هذا هو أحد أفضل العروض التي قدمها فريقك في ملعبه منذ.. منذ.. منذ بدأت التدريب؟

- نعم.

(مؤتمر بيب غوارديولا الصحفي بعد المباراة) (1)

 

أطفال بيب

لماذا لا تستطيع فرق البريميرليغ الصمود أمام سيتي بيب لعدة دقائق فقط؟ الأمر مستفز فعلًا، هذا الموسم أثبت أن الرجل وفريقه يعانيان كلما تأخر الهدف والعكس بالعكس، وبالتالي ينبغي أن يكون الهدف الأهم لأي مدرب يواجهه -خاصة على ملعبه- هو ألا تهتز شباكه في ربع الساعة الأول، وحتى لو تطلب ذلك تضييق المساحات إلى أقصى حد ممكن، وبعدها يأتي دور ربع الساعة الثاني الذي سيشهد فورة هجومية أشد حدة ولكن أقل تنظيمًا، وهكذا حتى نهاية الشوط؛ الوقت الأمثل لضرب فريق الرجل قبل إعادة الكرّة مجددًا في الشوط الثاني.

   

في الواقع، هذه هي مشكلة السيتي الرئيسية التي ستستمر معه طالما كان غوارديولا مدربه؛ أن هذا الرجل ليس نفس المدرب الذي كان يقود برشلونة في 2008، لقد تغير كثيرًا وازداد هوسه بالتحكم في كل شيء، لدرجة تحويل مجموعة من أمهر اللاعبين في البريميرليغ إلى عدد من التروس تعمل لتدوير ماكينة واحدة عملاقة، ماكينة واحدة بلوحة تحكم واحدة بعدة أزرار يستطيع الضغط عليها كما يريد. طبعًا هذه رفاهية في حد ذاتها، لأن مشكلة السيتي الرئيسية التي ستستمر معه طالما كان غوارديولا مدربه هي، في الواقع، حلم أي مدرب.

  

  
هذا أمر طبيعي عندما تتعامل مع متناقضات الكرة والحياة عمومًا، محاولة التحكم في الإبداع كثيرًا ما تنتج الرتابة، ومحاولة التحكم في القوة كثيرًا ما تمنح انطباعًا بالضعف، ودرجة التنظيم الخارقة التي يحاول بيب الوصول لها مع السيتي تأتي بنتائج عكسية أحيانًا؛ الرجل يبذل مجهودًا خرافيًا مع كل مباراة لضمان هدف مبكر لفريقه من لعبات محددة يتم التدريب عليها بعد دراسة الخصم، ولكن مع فشلها لسبب أو لآخر  تتحول المجموعة التي هي من أفضل لاعبي البريميرليغ تدريجيًا إلى ماكينة عملاقة معطلة تنتظر الحل من على الخط، وعلى كل خصم لغوارديولا أن يوصلهم إلى هذه الحالة، وليوصلهم إلى هذه الحالة يجب أن يكون على نفس الدرجة من التنظيم والتركيز. هذا ليس سهلًا طبعًا.

 

هذا هو حلم أي مدرب فعلًا ولكنه حلم مدفوع باعتقاد خاطىء أن المدربين يفعلون كل شيء، وأنهم يملكون كل الحلول، وأنهم يفوزون فقط بسبب اجتهادهم وتحضيرهم للمباريات، وأنهم لو تحكموا في كل شيء لما خسروا مطلقًا، بينما في الواقع، الأمر أقرب لتحويل رجل ناضج إلى طفل رضيع، هذا يمنحك أقصى درجة تحكم ممكنة في قراراته ومصيره، ولكنه في نفس الوقت يمنحك أقصى درجة تحكم ممكنة في قراراته ومصيره. هذه نعمة ونقمة في ذات الوقت.

 

اللحظات الأولى في الجنة

الهدف إذن هو الصمود أمام أطفال بيب المنومين مغناطيسيًا خلال الدقائق الأولى، حينها يكونون في أقصى حالات الطاعة والإصرار على هدفهم، وبعدها يبدأون في نسيان التعليمات شيئًا فشيئًا ثم يبدأ الارتجال، أو يلجأون لأول فكرة تطرأ على أذهانهم دون تخطيط للخطوة التالية، أي باختصار؛ كل ما يعمل بيب قبل المباراة لتجنبه. المشكلة أيضًا أن هذا هو ملعب الاتحاد، وخلال هذا الموسم نجح السيتي في التسجيل أولًا في كل مبارياته هناك، وفقط فريق واحد نجح في العودة هو كريستال بالاس. (2)

  

   
طبعًا هذه ليست المشكلة الوحيدة، الأهم أن سيتي بيب نجح في تسجيل 3 أهداف من أول 4 تسديدات على المرمى. هذا سيناريو لم يحدث من قبل أمام تشيلسي تحديدًا، المعتاد هو أن يهدر المواطنون عدة فرص محققة أولًا قبل أن يحدث أي شيء آخر، وكثيرًا ما يكون الشيء الآخر هو هزيمة مباغتة عكس مجرى اللعب. في الواقع كان هذا السيناريو مرشحًا للحدوث بالأمس بعد إهدار أغويرو لأسهل هدف في مسيرته تقريبًا، لكنه عاد وسجل آخر من مهارة فردية خالصة، ثم أضاف ثانيًا من ذكاء شديد في قراءة اللعبة، والهدفان يصعب نسب فضلهما لتكتيك غوارديولا أو تحضيره للمواجهة، لذا كانت هذه واحدة من المرات النادرة التي يقتل فيها السيتي المباراة رغم فشله في تنفيذ مخطط بيب المدروس لقتل المباراة.

أول 4 تسديدات للسيتي أنتجت 3 أهداف (هوسكورد)

   

4-3-3 أو 4-1-4-1، سمها كما شئت، ما يعنينا هو المهام؛ ستيرلينغ وبرناردو سيتوليان أظهرة البلوز، ودي بروينه سيحاول قطع التمويل عن باركلي بينما يراقب غوندوغان الفيل الكبير في الغرفة كما أسماه يوسف عثمان The Big Elephant in the room، في إشارة للوضوح الشديد لدوره في هندسة هجمات تشيلسي سارّي من الخلف، لدرجة أن عزله عن باقي الفريق صار من المعطيات البديهية.
  

جورجينيو كان رابع لاعبي تشيلسي إتمامًا للتمريرات في العموم على غير العادة (هوسكورد)

   

كل هذا يترك كانتي حرًا بلا رقابة، وهو المطلوب إثباته من البداية. أغلب فرق البريميرليغ تلعب على هذا العيب تحديدًا؛ أن إقحام جورجينيو في التشكيلة يتطلب قيام كانتي بدور محور اللعب في الوسط، ومهما تطور الفرنسي في هذا الصدد فإنه لا يقنع خصوم سارّي بأهميته، لذا كانت الخطة أن يتم احتواء انطلاقاته في حال تطورها كونه أقل عناصر البلوز قدرة على إحداث الضرر، مع ترك مسألة هيغوايين للابورت بالكامل، وإحكام الرقابة الثنائية على هازار كلما خرج للطرف بواسطة ووكر وستونز، وبالطبع ينضم لهما فيرناندينيو عندما ينجح البلجيكي في التوغل عمقًا.

 

إنه يعمل

هذا بدون الكرة، بالكرة كان الأمر مزيجًا من الإعداد الجيد والتوفيق والحالة الفنية الرائعة لأغلب العناصر، ببساطة لأنه لا يوجد تكتيك في العالم يمكنه منح فريقك 4 أهداف في 25 دقيقة تتضمن تسديدتين من خارج منطقة الجزاء، لكن هناك تكتيك يمنحك شرف المحاولة على الأقل.

   

تخلص بيب من الفكرة المجنونة التي تملكته في مباراة البريدج بتحويل ستيرلينغ إلى مهاجم وهمي يتقدمه محرز وساني في دور نصف جناح – نصف مهاجم. هذه فكرة تحتاج لقدر من المساحات بين الخطوط لتنجح، مساحات كافية لتمنح ستيرلينغ فرصة للتفكير قبل اتخاذ قراره، وهو ما لم يحدث في البريدج، وبالبديهة لم يكن ليحدث في الاتحاد.

   

بدلًا من ذلك سيحل ستيرلينغ ضيفًا ثقيلًا على أزبيليكويتا، وسيحاول قهر الرجل الذي كان بطل مباراة الدور الأول بلا منازع بعد نجاحه في إتمام 13 عرقلة ناجحة في رقم قياسي لم يشهده البريميرليغ منذ زمن. الجناح الإنجليزي سيقوم بدور المغناطيس على هذه الجبهة بمساندة دائمة من زينشينكو الذي لم يلعب أية أدوار وهمية هذه المرة والتزم الخط صعودًا وهبوطًا، وإن نجحا في اجتذاب كانتي لمساندة الظهير الأسباني فقد تم التمهيد للعرضية التي ستجد غوندوغان ودي بروينه في انتظارها، اثنان من أفضل مسددي السيتي في مواجهة جورجينيو  وحده تقريبًا، هذا إن لم ينجح السيناريو الأول طبعًا، أي العرضية المباشرة لأغويرو. هذه الجبهة ابتلعت ثلثي مردود البلوز الدفاعي تقريبًا ورغم ذلك تسببت في أربعة أهداف من الستة، ببساطة لأن عبر عامين ونصف من العمل تحول ستيرلينغ من عداء بلا عقل إلى أحد أفضل الأجنحة في أوروبا على الإطلاق.
  

ستيرلينغ نجح في 4 مراوغات من 6 محاولات (هوسكورد)

 

طبعًا يصعب تجاوز أي مباراة لسيتي بيب هذه الأيام من دون الإشادة بقدر التطور الهائل الذي شهده برناردو هذا الموسم، لأنه بغض النظر عن كونه صانع الهدف الأول عمليًا، فإن البرتغالي قد تحول لغول حقيقي في الملعب. في الواقع كانت هناك لقطة من الاستعراض التكتيكي بعد أن وصلت النتيجة لأربعة أهداف نظيفة، بخروج دي بروينه أفضل لاعبي السيتي في الموسم الماضي وحلول محرز ليعود برناردو إلى الدور الذي أتقنه في غياب البلجيكي، أي دور البلجيكي نفسه رفقة فيرناندينيو في عمق المحور. يمكنك اعتباره استعراضا لمخزون برناردو البدني أيضًا، على الأقل حتى يسقط مغشيًا عليه في أحد المباريات.

برناردو سيلفا كان أكثر لاعبي السيتي تصديًا للكرة بالإضافة إلى إتمامه عرقلتين ناجحتين واعتراضين و4 تشتيتات (هوسكورد)

    

المربع صفر

بعد المباراة سأل أحدهم سارّي إن كانت الهزيمة مؤشرًا على فشل أسلوبه مع تشيلسي، فأجاب الرجل بأنه لم ير أسلوبه أصلًا في الملعب ليحكم عليه بالفشل أو النجاح، والحقيقة أن هذه هي نصف الحقيقة فقط لا غير، لأنه من المستحيل أن ينفرد اللاعبون بتحمل مسئولية هزيمة كتلك. أسلوب سارّي لم يظهر في المباراة، ولكن هناك أسبابًا منطقية لذلك. (3)

 

الحقيقة أن الأزمة ليست في جورجينيو وحسب، طبعًا الإيطالي الشاب يحتاج لمزيد من الجهد والتركيز فيما يخص التغطية والافتكاك، هذا أمر مفروغ منه وهو يتحمل مسؤوليته كاملة، أما ما يخص عجزه عن أداء أدواره المعتادة في التحضير والبناء فهذه مسئولية سارّي بلا أدنى شك.


الأمر بسيط؛ درجة الرقابة التي تُفرض على أي مفتاح لعب تتناسب طرديًا مع كفاءته، لذا فإن التركيز على عزل جورجينيو عن اللعب في الثلثين الأول والثاني هو نتيجة حتمية لتألقه في الأسابيع الأولى، ولكن حينما يحدث ذلك لابد أن يتبعه أمر من اثنين؛ إما زيادة مراحل التحضير لتحريره من الرقابة، أو استغلال هذه الرقابة في تحرير لاعب آخر، بمعنى أن قدرات جورجينيو أو غيره هي قيمة ثابتة يمكن استغلالها في المعادلة بأكثر من طريقة، وفي حال لم يكن هذا اللاعب ميسّي فإن إنجاز ذلك منوط به المدرب، والمدرب وحده.

  

 

مع سارّي لم يحدث هذا أو ذاك وهو أمر قُتل بحثًا، والأهم أن الرجل سيظل تحت المقصلة لفترة طويلة لأن الأجواء في تشيلسي تعادي أسلوبه وطريقة لعبه ولا تحبذها، وتطالبها بتحقيق نتائج فورية لتنال التأييد، وهي مطالبات قد تبدو عقلانية إذا كان سببها تراجع الإنفاق على التعاقدات في السنوات الأخيرة وسياسة التقشف النسبي التي تنتهجها إدارة البلوز الحالية  بقيادة مارينا غرانوفسكايا وقلة عدد لاعبي الصف الأول في الفريق، ولكن أن يكون سببها هو نتائج الموسم الحالي فهذا أمر لا يخلو من التربص، بل إن هزيمة الأمس التاريخية هي أكبر دليل على العكس، ببساطة لأن صاحبها كان يمر بنفس ما يمر به تشيلسي سارّي حاليًا في موسمه الأول، نفس العناد ونفس الأخطاء الساذجة ونفس العجز عن التطور. تخيل لو كانت إدارة السيتي قد أطاحت به حينها.

 

هذا هو ما صرح به بيب نفسه بعد المباراة، سأله أحدهم إن كان يتعاطف مع سارّي لأن النتيجة الثقيلة قد تكون سببًا في إقالته فرد بالإيجاب وسرد أسبابه، والتي كان من ضمنها اعترافه بأن أحد أهم الأسباب التي جعلته يتعاقد مع السيتي كانت الثقة المتبادلة بينه وبين تشيكي برغستين المدير الرياضي، واطمئنانه لأنه سيمنحه الوقت اللازم للنجاح حتى وإن أتت البدايات بالعكس، (سوشيال ميديا) في رسالة خفية لإدارة البلوز بالصبر على سارّي، وفي الحقيقة، سيكون هذا تناقضًا آخر يحتاج سارّي لأن يجيد التعامل معه، أي ألا يظن أن الصبر يعني استمرار الوضع على ما هو عليه.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار