انضم إلينا
اغلاق
أزمة ريال مدريد.. ما لم يخبرك به فلورنتينو بيريز

أزمة ريال مدريد.. ما لم يخبرك به فلورنتينو بيريز

أحمد أباظة

محرر رياضة
  • ض
  • ض

"بطل دوري الأبطال لثلاث مرات متتالية باتت جماهيره قلقة من مواجهة أطفال أياكس"، وبالطبع كلنا نعرف الأسباب، الفريق في حالة تشبع بعد كل تلك الإنجازات القارية وهذا وضع طبيعي، كريستيانو رونالدو الهداف التاريخي قد رحل إلى يوفنتوس، زين الدين زيدان قد غادر قبله، الفريق لم يعد يملك "شخصية" مخيفة في الهجوم، اللعنة على تلك المواضيع الجدلية التي تُحسم قبل أن تبدأ حتى!

 

كل ما سبق صحيح وغير صحيح في آن واحد، لأنها ببساطة حقائق غير مكتملة أو ما يمكن وصفه بـ"نصف الحقيقة"، الفريق في حالة تشبع، هذا حقيقي، ولكن هل يكفي وحده لتحويل بطل أوروبا التاريخي إلى فريق يخسر من سسكا موسكو ذهابا وإيابا؟ 3-0 في سانتياغو بيرنابيو؟ رونالدو رحل بالفعل ولكن هل تلك هي المشكلة بحد ذاتها؟ زيدان غادر بالفعل، ما الذي كان يملكه حقا ولا يملكه من تتابعا على منصبه؟ الفريق لم يعد يملك لاعبا مخيفا بالأمام، لماذا؟ صحيح أن فينيسيوس لا يزال مراهقا وأن أسينسيو "لا ينوي جر العربة لأن هناك لاعبين أكبر" على حد قوله وأن بيل يزور النادي في العطلات الرسمية للمستشفى، ولكن لا يزال هناك كريم بنز. حسنا، لا مفر، هذه صحيحة 100%. (1)

 

ما بعد رحيل الحاكم..



أسوأ ما في هراء "التشبع" المناقض لهراء "شخصية البطل" هو أنها أمور غير ملموسة، يستحيل الوقوف عليها بشكل قاطع، نعم العامل النفسي حاسم للغاية في كرة القدم وهو ما نجح زيدان في إثباته، وهو نفسه ما رأيناه مع مورينيو وسولشار في مانشستر يونايتد وما سنظل نراه مع كل إقالة لمدرب مكروه من غرف الملابس وقدوم أي بديل، ليصبح الاختلاف النسبي مرهونا بمدى تقبل غرفة الملابس للرجل الجديد، فإن أحبوه منحوه كل ما لديهم، وإن تقبلوه على مضض كبديل يخلصهم من سابقه فسيمنحونه كل ما لديهم لبضع مباريات ثم تعود الأمور لسيرتها السابقة، أما إن اختلفوا معه.. فاسألوا تشيلسي.

التشبع بحد ذاته ليس مبررا كافيا لهذا التحول الكارثي في سير الأحداث، هل يبدو لك كريستيانو كرجل يشبع من الألقاب؟ ألا يملك الفريق ولو لاعبا واحدا بإرادة مقاربة؟ هل الإرادة هي المشكلة الفعلية حقا؟ أم أن اختلاطها مع بعض طفو المشاكل الفنية على السطح ومع السياسة الكارثية في تعويض التروس الكبرى المفقودة بنهاية الموسم الماضي هو ما خلق هذا الوضع في حقيقة الأمر؟

 

ليس من الجائز إطلاقا القول بأن ريال مدريد لم يفتقر لخدمات هدافه التاريخي، ولكن بالنظر لدوره مع الفريق في الأعوام الأخيرة، لا تبدو مسألة كونه غير قابل للتعويض سوى شماعة تُلقى عليها أزمات الملكي ككل، المخطئ هنا ليس من ترك رونالدو يرحل، بل من تركه يرحل دون بديل يليق بحجم النجم الذي افتقده، لأن تبديل القطعة التي سُخِّرَت لها المنظومة في بادئ الأمر تستدعي شيئا من اثنين: إما تعويضها بقطعة تليق بقدرها، وإما تغيير كامل وحقيقي في جسد المنظومة نفسها. الأول لم يحدث، والثاني تم إجهاضه لأن الأول لم يحدث.

 

رأس المنظومة



إن سألنا الآن من يمكن اعتباره مدربا أفضل: زيدان أم لوبيتيغي؟ ستتهمنا بالجنون دون أدنى شك، على الأرجح لن تقول إن الأول كان معه رونالدو والثاني فقده بمجرد وصوله، لا أحد سيلتمس للوبيتيغي عذرا واحدا، لأن العيوب التي ظهرت معه كانت أكبر من أن يتم اختزالها في رحيل البرتغالي. السؤال ليس قابلا للطرح أصلا، لأن أحدهم استغل فرصة طارئة فأعاد كتابة تاريخ المسابقة الأوروبية، والآخر أتى على تركة أسطورية فانتهى به الحال ألا يذكر اسمه سوى مقرون بهدمها، ولكن بشكل أو بآخر، كان لوبيتيغي خيارا رائعا لما بعد زيدان ورونالدو.

 

صحيح أنه يمكن ضمه لبوتقة هوس فلورنتينو بيريز بالتعاقد مع مدرب إسباني، إلا أن الأمر لم يكن أشبه بتجربة بينيتيز على الإطلاق. بيريز أقال أنشيلوتي في صراع نفوذ ضد غرفة الملابس التي طالبت ببقائه فدفع بينيتيز الثمن كاملا، بينما رحل زيدان برغبته الشخصية، ولوبيتيغي يملك بالفعل علاقة جيدة بعدد لا بأس به من العناصر الأساسية لظروف عملهم معا في منتخب إسبانيا، ولكن بتنحية الفوضى التي أثارها بيريز للتعاقد مع الرجل جانبا، ما قتل لوبيتيغي حقا كان عدم تعويض رونالدو.

 

دفاع ريال مدريد كان يعاني بعض المشاكل مع زيدان، تلك التي تفاقمت وظهرت إلى العلن مع تغيير طريقة اللعب وتقديم الخط الدفاعي للأمام وارتفاع نسق الضغط، لكنها مجرد ضريبة منطقية للتحول باتجاه المنظومة الجديدة القائمة على الاستحواذ، حتى وإن كانت جودة اللاعبين تسمح نظريا بهذا التحول فإنه يتطلب الوقت، وكل ما كان يحتاج إليه الملكي في هذا الوقت هو تسجيل الأهداف، لا أكثر ولا أقل.

 

قد يكون ريال مدريد بحاجة إلى مدرب يجبر بعض اللاعبين على القتال لأجل مراكزهم، وهو ما يفعله سولاري مع إيسكو وأحيانا أسينسيو ومؤخرا مارسيلو

غيتي
 

ريال مدريد كان يستحوذ بشكل جيد، يخطئ دفاعيا ويترك الكثير من المساحات ولكن يدير الكرة بشكل مميز في غالبية المباريات ويخلق كمًّا كبيرا من الفرص، ولكن ما جدوى الفرص إن لم تتحول لأهداف؟ وإن نظرنا للأمر بعين الإنصاف، فإن الأزمة الدفاعية هي من صميم عمل المدرب، لكن علاقة المدرب بالثلث الأخير ترتكز على إيصال الفريق إلى المرمى، ليس مطالبا بأن ينزل إلى أرض الملعب ويسجلها بنفسه. لا بأس إن تلقيت 3 أهداف ما دمت قادرا على تسجيل 5، ولكن ما كان يحدث هو أنك تصنع 20 فرصة فتسجل منها هدفا، هذا إن سجلته أصلا.

رحل لوبيتيغي بعد فضيحة الكلاسيكو وأتى سانتياغو سولاري عوضا عنه، فما الذي تغير؟ يحق لجماهير ريال مدريد الغضب من وجود فريقها في المركز الثالث بفارق 8 نقاط عن الصدارة، حتى وإن كان قد أنهى الموسم الماضي في المركز نفسه وبفارق 17 نقطة عن المتصدر نفسه. الفارق أنه بنهاية الموسم كان قد سجل 94 هدفا في الليغا، كم سجل الملكي هذا الموسم في 22 مباراة؟ 37 هدفا.. أكثر من عدد الأهداف التي سجلها ميسي (21) وسواريز (15) معا بهدف واحد فقط. هذه ليست مزحة أو مكايدة، هذه كارثة! فالأزمة في نهاية المطاف لم تكن رحيل زيدان ورونالدو بحد ذاته، كل الخلل يكمن في الخطط المهترئة لتعويضهما.

 

إلى أين؟

أولا يجب الوقوف بوضوح على أبعاد مشروع ريال مدريد الحالي، ما الذي يحدث بالضبط وما الخطة المستقبلية؟ الفوضى التي أدت لإقالة لوبيتيغي قد تكون مفهومة إلى نحو كبير، ولكن التسارع الجنوني في وتيرة التعامل مع سولاري هو أبرز الأشياء التي لا يسهل تفسيرها. فمن مدرب بلا عقد، إلى إعلان استمراره لنهاية الموسم، وصولا إلى منحه عقد مدته 3 سنوات فجأة، بدون أي مبرر فعلي.

 

أهلا بكم في ريال مدريد لا يتعاقد مع هازارد الذي يتوسل إليه ليضمه، يترك رونالدو يرحل ويأتي بماريانو دياز فيمنحه رقمه، ريال لا يستثمر الملايين في النجوم والأسماء الجاذبة إعلاميا بل في مجموعة من المراهقين، شبكة كشافية في البرازيل تُرسل تقريرا عن كل موهبة تقريبا، فها هو فينيسيوس يلمع تدريجيا بعد أن كلف خزائن الملكي 61 مليون يورو وفقا لترانسفير ماركت وهو ابن الثامنة عشر عاما، وها هو رودريغو، لاعب آخر بالجنسية نفسها والعمر نفسه سيدفع الملكي 45 مليونا لقاء استقدامه بداية من الموسم المقبل.(2)

 

قد يكون ريال مدريد بحاجة إلى مدرب يجبر بعض اللاعبين على القتال لأجل مراكزهم، وهو ما يفعله سولاري مع إيسكو وأحيانا أسينسيو ومؤخرا مارسيلو، وفي الوقت ذاته يمنح الشباب الفرصة مثل فينيسيوس وريغيلون وأودريوزولا ولورينتي، بكلمات أخرى مدرب قادر على تحقيق أقصى استفادة ممكنة من الكبار تمهيدا لإتمام العملية الانتقالية منهم إلى المستقبل، وفي الوقت ذاته يجهز هؤلاء الذين يجب عليهم تسلم الراية في وقت لاحق، بإخراج أفضل ما لديهم ومساعدتهم على النضج بشكل أسرع، هل كان سولاري حقا هو الخيار الأنسب لتلك المهمة ولو حتى بين المرشحين المتاحين في منتصف الموسم؟

 

لماذا أصلا بات ريال مدريد بحاجة إلى مدرب متكامل متعدد الاستخدامات أكثر من حاجته إلى شخصية تعيد الاستقرار لغرفة الملابس وحسب؟ كل شيء يتمحور حول رجل واحد، لا نعرف سواه متحكما في انتقالات النادي أو في أي تفصيلة مادية أخرى، بالطبع هو فلورنتينو بيريز الذي حصد 4 ألقاب لدوري الأبطال في 5 سنوات، وبات جاهزا لتحقيق حلمه بعد عدة معارك إدارية وورقية مع الجهات المختصة.

 

أقل حضور جماهيري في ملعب سانتياغو بيرنابيو منذ 2009 قد وقع بالفعل في أغسطس/آب الماضي، بعد رحيل رونالدو مباشرة

غيتي
 
سانتياغو بيرنابيو الجديد

بحسب "سي إن إن" (CNN)، سيبدأ ريال مدريد في أبريل/نيسان القادم مشروع بيريز الأضخم، حيث سيستمر العمل لمدة 36 شهرا (3 أعوام) بتكلفة إجمالية قُدِّرت بـ600 مليون دولار، ولكن فلورنتينو ليس هذا الرجل الذي سيقترض الأموال من البنوك وينفق بكل هذا البذخ على مشروع لتحقيق مجد شخصي بحت أو لرفع الروح المعنوية مثلا، بل ينتظر منه عوائد إضافية تبلغ 170 مليون دولار في الموسم. بكلمات أخرى، حسابات "سي إن إن" (CNN) تُخبرنا بوضوح أنه سيجني منه أكثر مما أنفق عليه في فترة زمنية لا تتعدى 4 أعوام! (3)

 

سؤال آخر، كيف يمكن لهذا الأمر أن يؤثر على خطط الملكي في سوق الانتقالات؟ نعم ريال مدريد غني للغاية ولن يضطر لخوض مصير آرسنال بالتأكيد، وهذا ما أخبرنا به بيريز نفسه في حوار مع الموقع الرسمي للملكي، قائلا: "إن تكلفة هذا التمويل على أساس فائدة ثابتة وطويلة الأجل ستحمل رسوم سنوية تقريبية تبلغ نحو 25 مليون يورو، أي أقل من 4% من عائداتنا في الموسم الماضي ولن يكون لها أي تأثير على نشاطنا الرياضي أو على نموذجنا الرياضي". (4)

 

كلام منطقي للغاية على الصعيد النظري، فإن كنت ستدفع مجرد 25 مليون يورو سنويا وأنت ريال مدريد، هذا ليس شيئا يمنعك عن الإتيان بهازارد مثلا، ليس بعد تخلصك من أضخم فاتورة رواتب على طاولتك في يوليو/تموز الماضي، إذًا أين هي الحلقة المفقودة؟! هذا الرجل المهووس بالصفقات ذات الضجة الإعلامية، متى فقد شغفه تجاهها فجأة؟ نعم ريال مدريد سيظل أحد أكثر الأندية شعبية في العالم ربما إلى الأبد، ولكن منذ متى كان بيريز يتجاهل دور النجوم الجماهيريين في اجتذاب المزيد من الجماهير؟

 


أقل حضور جماهيري في ملعب سانتياغو بيرنابيو منذ 2009 قد وقع بالفعل في أغسطس/آب الماضي، بعد رحيل رونالدو مباشرة، وللمصادفة البحتة، ذاك الحضور الجماهيري الأقل قبل 10 سنوات كان قبل وصول رونالدو مباشرة! فهل ينوي بيريز حقا أن يملأ ملعبه الجديد بفينيسيوس بعد 3 سنوات؟ كل شيء يتوقف على المدى الزمني لاستمرار هذا النهج، ومدى ملاءمة المدرب الحالي لقيادة تلك المرحلة الحاسمة، فلا يُعقل أن يكون ريال مدريد قد قرر خفض منزلة الألقاب في ترتيب الأولويات لمدة عام أو اثنين لصالح مكاسب فنية واقتصادية مبشرة على المدى البعيد، والمشكلة حقا أنه إذا حدث شيء كذلك لن يخرج أحد ويعترف به أبدا. (5)

 

الآن مع تصاعد أداء الريال تدريجيا في النصف الثاني من الموسم، نقف على بُعد ساعات من مباراة ستُخبرنا بكل شيء، كلاسيكو الكأس ضد الغريم الأزلي برشلونة المُحاط بذكريات الخماسية الكارثية لتكتسي المواجهة بطابع ثأري ليس غريبا على صدامات الكبيرين. مباراة قد تقضي على موسم ريال مدريد أو تعيد له الحياة بأروع الطرق الممكنة، مباراة ستخبرنا ما إذا كانت تلك النتائج الإيجابية الأخيرة مجرد صحوة أمام فرق أضعف أم عودة حقيقية للمسار الصحيح، ولكن الأهم أنها ستكون خطوة حاسمة على طريق إخبارنا ما إذا كان ريال مدريد قادرا على المواصلة بنهجه الانتقالي الحالي لموسم أو اثنين إضافيين على أمل أن يحظى ببداية أفضل في الموسم التالي، أم أنه بحاجة إلى شيء مختلف وبشكل قاطع، سواء كان ذلك لاعبا كبيرا أو مدربا كبيرا، أو كليهما.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار