انضم إلينا
اغلاق
في ذكرى الريمونتادا.. لماذا يحتفل مشجعو برشلونة بمباراة لم تغير شيئا؟

في ذكرى الريمونتادا.. لماذا يحتفل مشجعو برشلونة بمباراة لم تغير شيئا؟

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

دعنا من البدايات التقليدية لأن المقدمات الصحفية لم تعد تعني شيئا هذه الأيام، والعناوين أصبحت تُصاغ بعناية لتستفزك بالضغط على الرابط، ولا شيء يحبط القارئ مثل التمهيد الهادئ العقلاني بعد عنوان ساخن يشي بمعركة، هذا أشبه بأن تجعل نابي كيتا أغلى صفقة في تاريخك ثم تضطر لانتظاره موسما كاملا حتى يبدأ مباراته الأولى، أو أن تجعل موراتا أغلى صفقة في تاريخك ثم تضطر لانتظاره موسما ونصفا حتى يلعب مباراته الأخيرة، مجرد وقت ضائع مُقحم عنوة بين صافرة البداية والتمريرة الأولى. (1) (2)

  

إذن لندخل في الموضوع مباشرة؛ هذه ليست حيلة باريسية لتخفيف حدة الفضيحة ولا محاولة مدريدية مغرضة للتقليل من أعظم لحظة في تاريخك الأوروبي، بل هو سؤال عن السبب الذي يجعل هذه اللحظة الأعظم في تاريخك الأوروبي، سؤال حقيقي ليس غرضه السخرية أو الاستنكار.

    

مجرد نادٍ

قبل أي شيء، عليك أن تعترف أن المبررات التي تسوقها ليست منطقية. نعلم أنها مبررات عاطفية والعواطف ليست منطقية بالأساس وهذا هو ما يجعلها عواطف أصلا، ولكن في بعض الأحيان تخالف العواطف منطقها وتخضع للمنطق، وحينها يصبح بإمكاننا مَنطَقَة العاطفة وتعطيف المناطق، أي إن هناك احتمالا منطقيا بأن عاطفتك قد تكون منطقية، وبالتالي أنت لست بحاجة إلى تبرير لا منطقيتها بكونها عواطف. (3)

  

  

في حال لم تفهم هذا الشرح المبسط لطريقة عمل جسم الإنسان، دعنا نضرب لك مثالا بديهيا؛ برشلونة من كبار القارة، فاز بالبطولة كلها في 5 مناسبات وخسر النهائي في ثلاث مرات إضافية، وحتى ما قبل السقوط أمام باريس كان هو النادي الأكثر قوة في البطولات الأوروبية والأوفر حظا في مواجهة كل خصومه تقريبا خلال العقد السابق للريمونتادا، وانتصر بنتائج كبيرة على أغلب منافسيه كبارا كانوا أو صغارا. باختصار، برشلونة يمتلك عشرات اللحظات التاريخية التي يمكنه الاحتفاء بها، وأمام أندية أعرق وأكبر وأقوى شخصية من باريس، والأهم؛ أن كلها بلا استثناء تمتلك قواعد جماهيرية أوسع على منصات التواصل الاجتماعي يمكنك إثارة غيظها عقب المباراة. (4)

 

هذا يجعل مباراة الريمونتادا مجرد مباراة لا أكثر، أمام خصم لم يكن أبدا ندا للكتلان قبلها، والمنطق يقول إن القصة برمتها أقرب لكونها ذكرى مهينة منها أي شيء آخر، لأن تسجيل 6 أهداف في مرمى باريس على ملعب الكامب نو ليس أمرا إعجازيا بالنظر إلى كل المعطيات السابقة، بل إنك تشعر أن برشلونة كان بإمكانه تسجيل الرقم نفسه في عدد لا بأس به من المواجهات الماضية بين الفريقين، بالتالي الاستثناء هنا هو كون الكتلان قد انهزموا برباعية نظيفة في الذهاب، وهو الأولى بتسليط الضوء بالأساس، لا انتصارهم بستة في العودة، ناهيك باعتبار هذا الانتصار أقيم من لحظة الفوز بالبطولة نفسها! 

  

  

الرابع سيدهشك

حسنا، لقد اتفقنا أن عاطفتك قد تكون منطقية، ولذلك نحن نملك أربعة أسباب تفسر الأمر ونظنها على قدر من الوجاهة؛ أولها طبعا هو أن برشلونة من كبار القارة، فاز بالبطولة كلها في 5 مناسبات وخسر النهائي في ثلاث مرات إضافية وحتى ما قبل السقوط أمام باريس كان هو النادي الأكثر قوة، إلخ، وكل هذا جعل الهزيمة بمنزلة صدمة مروعة. لماذا؟ لأن تسجيل 6 أهداف في مرمى باريس على ملعب الكامب نو ليس أمرا إعجازيا بالنظر لكل المعطيات السابقة، بالتالي الاستثناء هنا هو كون الكتلان قد انهزموا برباعية نظيفة في الذهاب، إلخ.

  

ببساطة، نحن نتحدث عن القاعدة التاريخية التي تنص على أن قوة الخصم تتناسب عكسيا مع حجم الفضيحة في حالة الخسارة، والعكس بالعكس في حالة النصر، بمعنى أنه لو كان بإمكان الكتلان الاختيار بين الهزيمة برباعية أمام باريس أو بالنتيجة نفسها أمام بايرن ميونيخ أو يوفنتوس لذهبوا للثانية بلا تردد، وطبعا هناك استثناءات للقاعدة مثل أن يكون الخصم ريال مدريد، أو أن يكون حجم الهزيمة أقل بكثير وعدد الأهداف قابلا للتدارك.

        

  

كل هذا أضاف بُعدا آخر للقصة هو ما اعتبره الكتلان وقاحة كروية إن جاز التعبير، حالة من التجرؤ على كبريائهم الأوروبي لا يمكن تمريرها تحت أي ظرف. برشلونة هو أحد أهم المرشحين للقب كل موسم، وقد يتقبل جمهوره الخروج أمام أحد المرشحين الآخرين على مضض، أما أن يودع البطولة أمام فريق كان يهزمه بالثلاثة بأقل مجهود فهذا أمر آخر تماما.

  

الوقت هو العدو

السبب الثاني هو سبب لا يمنحه الناس حقه من التأثير؛ فارق الزمن بين الذهاب والإياب، ثلاثة أسابيع مرت كالجحيم على الكتلان. أن تضطر للانتظار 22 يوما حتى ترد الصفعة لهو أمر لا يُطاق، أكثر إحباطا واستفزازا من مقدمة عقلانية بعد عنوان ساخن، وفي هذه الفترة قام الوقت بعمله على أكمل وجه، لأن العزاء الوحيد خلالها كان الإيمان بقدرة برشلونة على الثأر ولو شكليا، خاصة بعدما اكتسب باريس جمهورا واسعا من كل الأطياف، ورقص الجميع على أشلاء الكتلان، لأن خروجهم كان يعني إحباط انتفاضة 2015 رسميا، وأن المواسم القادمة لن تحمل حقبة ذهبية أخرى مثل حقبة غوارديولا، وكل هذا حوّلها من مجرد هزيمة نكراء إلى حرب يقف فيها الكتلان ضد جمهور كرة القدم كله تقريبا، الجمهور الذي سئم سيطرتهم على البطولة وكان ينتظر هذه اللحظة بفارغ الصبر.

  

هذه هي النقطة التي تتقاطع فيها العاطفة مع المنطق، لأن الانتصارات التي ننال قبلها أكبر كم من السخرية والإحباط والإهانات تكون الانتصارات الأكثر قيمة على الإطلاق، ومهما كانت بسيطة في الحقيقة، لأنها تمنحنا عدوا واضحا مجسما نتحفز ضده ونكره تفاصيله ونخطط للانتقام منه، وهو أمر لم يحدث في تاريخ البلاوغرانا الأوروبي الحديث إلا مرتين فقط لا غير، الأولى كانت أمام بايرن ميونيخ في 2013 وانتهت بحصوله على اللقب في النهاية تاركا الكتلان مع حزمة من الأعذار والحجج بعضها منطقي، والثانية هي فضيحة باريس التي كانت، على العكس، بلا مبرر واحد. (5) (6) (7)

  

كل هذا مألوف نوعا، بما في ذلك إحساس الكتلان بقيمة مبالغ فيها للريمونتادا، لأنه يشبه ما صرح به مورينيو بأن الانتصار على برشلونة في نصف نهائي 2010 كان أعظم لحظات مسيرته على الإطلاق، وأعظم حتى من الفوز بالبطولة بعدها، لأن النادي الكتالوني كان هو عدو مورينيو الذي ضاعف الزمن حجمه عدة مرات خلال عامين بعد أن رفضوا تعيينه في 2008، وقضى وقته في حالة من الهوس بفكرة إثبات خطئهم. كانت تلك هي الإهانة الأكبر التي تلقاها السبشيال وان في مسيرته حتى تلك اللحظة، وهذا ما جعل لذة الانتقام أكبر مما يمكن لأي شخص آخر أن يستوعبه، بالضبط مثل حالة الريمونتادا. (8) (9)

   

  

غدّار جونيور

كل ما سبق كان كفيلا بمنح المباراة حجما يفوق واقعها الفعلي، حتى قبل أن يقع السبب الثالث الذي لا يقل أهمية عن سابقه؛ وهو حقيقة أن انتقال نيمار بعد الفشل في ضم فيراتّي كان صفعة أخرى مهينة للغاية أبقت العداوة حية حتى اللحظة. نحن نتحدث عن منعطف درامي نادر وتاريخي، لأن ما اعتبره الكتلان "خيانة" من البرازيلي، لم يقع قبل لحظة الحسم كما جرت العادة الدرامية، بل بعدها، وبصورة كسرت الأسطورة الدارجة عن التفوق الحتمي للتاريخ على الأموال الخليجية، وأشعرت كتالونيا بالضآلة أمام عاصمة النور، على الأقل لعدة أشهر، وكأن الباريسيين قد حظوا بالضحكة الأخيرة رغم الخروج المهين.

  

الأهم، أن هذه الضحكة الأخيرة لم تكن منطقية أصلا. عادة ينتقل النجوم من النادي الذي انهزم بالستة للنادي الذي هزمه بالستة، لا العكس، ناهيك بأن يكون هؤلاء النجوم هم من لعبوا الدور الأكبر في هزيمته بالستة أساسا، لذا عندما وقع العكس بحثت الصحافة العالمية عن سبب آخر غير البطولات والأمجاد وحتى الأموال التي لم يكن برشلونة ليمانع منحها للبرازيلي، وأثناء سعيها المحموم لتبرير الأمر منطقيا، لم تجد أمامها سوى ميسّي الذي سرق الأضواء من نجم باريس الجديد وحرمه من المكانة التي يستحقها وكان السبب الرئيس في رحيله، وفي كتالونيا يعد هذا من المحرمات، ليس فقط لأنه ميسّي، بل لأن جماعيته وإيثاره لم تكن محل شك أبدا. (10) (11)

 

لا شيء يُعبّر عن دور هذه الصفقة في تأجيج العداوة سوى انتقال الحرب لخارج الملعب، وقيام باريس وبرشلونة باصطحاب القارة كلها في جولة جديدة من جولات جنون الميركاتو، أصبح خلالها المعيار الأهم لتقييم اللاعب هو ما إذا كان هناك صراع بين برشلونة وباريس للحصول على توقيعه، وبات كلٌّ من بارتوميو والخليفي على استعداد للمخاطرة بعقوبات اللعب النظيف لو كانت ستمكّنهم من توجيه المزيد من الصفعات إلى وجه الغريم، والنتيجة أن الجميع في أوروبا قد خسر بلا استثناء، وما زالت الأندية الصغيرة والكبيرة تعاني من آثار انتقال نيمار حتى الآن. (12)

  

الملك عاريا

هذا هو السبب الأهم والأكثر خداعا بين الأربعة؛ باريس لم يكتفِ بهزيمة برشلونة برباعية، بل فعلها بأسلوب لعب أقرب إلى برشلونة من برشلونة، ضغط عالٍ فعّال وافتكاك سريع وجماعية باهرة، قابلها انسلاخ الكتلان من هويتهم بكل الطرق الممكنة؛ فردية وتواكل وعشوائية، حتى مباراة الكامب نو لم تشهد عودة برشلونة إلى قواعده على مستوى أسلوب اللعب، واعتمد على لاعب واحد تقريبا لإكمال الريمونتادا.

  

المشكلة في كل ذلك أنها لم تكن لحظة عابرة أو استثناء لحظيا تم التعافي منه سريعا، بل إن الواقع المرعب يقول إن الكتلان دخلوا في متوالية من التفريط في مبادئهم الكروية، بدأت منذ الهزيمة أمام باريس وما زالت مستمرة حتى اللحظة، وما زال العمل جاريا على قدم وساق مع فالفيردي، ومع كل اختبار جديد من هذا النوع تنهار قطعة أخرى من الإرث التكتيكي والفني الذي كان سببا في تحقيق برشلونة لأغلب نجاحاته.

  

بالطبع لا يدرك الوعي الجماهيري هذه الأبعاد أثناء مشاهدة المباراة أو حتى بعدها، لكنه يلاحظ تجلياتها حتى وإن لم يرتبها في سياق أكبر أو صورة أكمل، يلاحظها عندما يكتشف أن ثلاثي باريس الأمامي يضغط ويفتك الكرة على عكس نظيره في البرسا، وأن نيمار حاول المراوغة بما يعادل خط هجوم باريس كاملا ببدلائه الثلاثة، وأن خط وسط باريس كان مصدر قوته، مثلما كان خط وسط برشلونة في عصره الذهبي، وأن باريس لم يكن تشيلسي أو بايرن ميونيخ، ولم يقابل استحواذ الكتلان بالباص والمرتدات، ولم يترك لخصمه أي مجال للتحجج بالحجج المعتادة، وأن أسوأ عدو يمكنك أن تقابله هو ذاتك، خاصة إذا كانت أكثر شبابا وحيوية. (13)

    

    

مَنطَقَة العواطف

قلنا لك إن عواطفك كانت منطقية، وما زلنا عند كلمتنا. لا أحد يمكنه الافتئات على حق الجماهير في التعبير عن فرحتها في مناسبة كتلك، ومحاولة وضع منهج منطقي للتعامل مع المناسبات التاريخية المشابهة هو تزيد لا داعي له، لأنه إن كان هناك أمر واحد يمكننا الجزم به فهو أن جميع مشجعي برشلونة فقدوا عقولهم عندما سجل روبرتو هدفه، بل وقطاعا لا بأس به ممن لا يشجعون برشلونة أيضا.

 

التفكير العقلاني في هذه اللحظات هو سلوك غير بشري وغير طبيعي، هذا مفروغ منه، ولكنه أيضا نصف الحقيقة فقط لا غير، لأن التفكير العقلاني فيما يعقب هذه اللحظات هو سلوك بشري طبيعي جدا، وإن كانت الهيستيريا مفهومة في ليلة الريمونتادا فهي ليست كذلك في ذكراها، ليس لأن ريال مدريد فاز بالبطولة هذا الموسم، ولا لأنه فاز بالتي تلتها كذلك، ولا لأن الكتلان قد غادروا البطولة بعدها بـ180 دقيقة، بل لأن برشلونة في حالة انحدار أوروبي مستمر من هذا التاريخ، والذكرى الوحيدة التي خرج بها من هذه الليلة قد تمت إزالتها بريمونتادا أخرى مريرة على يد روما.

 

هذه ليست دعوة للانتحار الجماعي أو تقطيع الشرايين، ولا حتى لإزالة الريمونتادا من تاريخ البلاوغرانا والتوقف عن الاحتفال في الثامن من مارس/آذار من كل عام. في الواقع هي ليست دعوة لأي شيء سوى وضع المباراة في سياقها الحقيقي، دعوة لاعتبارها لحظة تاريخية فعلا ولكن للأسباب الصحيحة، أي لأنها مثّلت سقطة كبيرة للكتلان على المستوى الأوروبي لم يتعافوا منها حتى اللحظة. هذه المباراة غيّرت الكثير في كتالونيا حتى وإن زعم كارهوها أنها لم تفعل، أو هذا ما يقوله العقل على الأقل، أما ما يقوله القلب فلا يمكن محاججته.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار