انضم إلينا
اغلاق
محمد صلاح.. "نمبر وان"

محمد صلاح.. "نمبر وان"

أحمد مجدي رجب

محرر رياضة
  • ض
  • ض

لم يكن اسم بريان كلوف شهيرًا دومًا، فقد عاش لاعبًا في دوري الدرجة الثانية طيلة مسيرته. كان بطلاً في الظل ونكرة في عوالم المشاهير. ولكن الحال تغيرت عندما تولى الإدارة الفنيّة لديربي كاونتي في أواخر الستينات وبدايات السبعينات، وأدرك أن التدريب هو طريقه نحو نجاح لامع. وفي تلك الحقبة كان شديد الإعجاب والإكبار لمدرب آخر وهو دون ريفي الذي كان يقود ليدز يونايتد نحو التتويج في الدرجة الأولى.[1]

 

كان ريفي يمثل الحلم والمثل عند كلوف، خاصة وأن ريفي بدأ مع ليدز من القاع مثلما كان كلوف يحاول مع ديربي كاونتي. لذلك سعد كلوف جدًا عندما أوقعت قرعة كأس الاتحاد ليدز وديربي في مواجهة بعضهما. وقرر كلوف لقاء ريفي عند بوابة ملعب اللقاء كنوع من الترحيب. وفي يوم المباراة وفي حماس كلوف جاء ريفي ليعامله بفتور ولا مبالاة. وفي هذه اللحظة انقلبت المحبة إلى خصومة ممتدة استمرت لسنوات طويلة. ولم يشف منها كلوف قط واعتبر ريفي خصمه الأول منذ تلك اللحظة. لنتذكر هذه الحكاية جيدًا، فرغم حدوثها قبل قدوم محمد صلاح لإنجلترا بعقود طويلة، إلا أنها تستطيع تفسير الكثير لاحقًا.

   

السوشيال ميديا لا تحمي لاعبًا من الغرامات المالية كل يوم، ونادرًا في مصر ما تعيد الحق إلى أصحابه، ولكن دعمها لصلاح نجح في هذا وذاك

مواقع التواصل
   
السوشيال ميديا الصديقة

تلعب مواقع التواصل دورًا هامًا في مسيرة لاعبي كرة القدم الآن، وإلى جانب توطيد الدعاية والتسويق والشعبية وربما تحقيق بعض الأرباح، فقد استفاد محمد صلاح من مواقع التواصل بدرجة تتجاوز الجميع تقريبًا من حيث الدرجة أو النوع.

 

في البداية كانت مواجهة صلاح مع اتحاد كرة القدم في أزمة طائرة المنتخب لكأس العالم، والتي تسبب وضع صورة[2] نجم منتخب مصر عليها في مشكلة بينه وبين الشركة الراعية له. تعامل اتحاد الكرة مع صلاح حينها بنوع من العنف وربما التهديد، وكانت تغريدة شكوى واحدة من صلاح كافية لتدشين حالة غير مسبوقة من الدعم لصالحه ضد الاتحاد والشركة الراعية للمنتخب. مما دفع نحو حل الأزمة واستطاع هذا الدعم أن يحمي صلاح من غرامة مالية ضخمة كان يمكن أن تقع عليه لصالح الراعي الرسمي له. السوشيال ميديا لا تحمي لاعبًا من الغرامات المالية كل يوم، ونادرًا في مصر ما تعيد الحق إلى أصحابه، ولكن دعمها لصلاح نجح في هذا وذاك.

   

   

النقطة الثانية أو السؤال الثاني؛ هل ما حققه صلاح مع ليفربول في الموسم الماضي 2018 كان عظيمًا؟. والإجابة بالقطع هي نعم. ولكن .. هل كان متفردًا وغير مسبوق؟. والإجابة هنا ليست بذات الدرجة من القطع.

 

لنعود إلى موسم 2014 حيث سواريز مع ليفربول، ونقيم المقارنة[3]. أحرز سواريز حينها 31 هدفًا في 33 مباراة وعادل الرقم القياسيّ المسجل باسم كريستيانو وألان شيرار حينها، وهو ما تجاوزه صلاح في الموسم الماضي بهدف وحيد وأحرز 32 في 36 مباراة. ولكن سواريز تفوق في عدد الأهداف التي صنعها وكان 17 في مقابل 11 لصلاح. فالتفوق الرقمي إذن يميل لصالح سواريز بصورة واضحة.

 

وعندما تأتي المقارنة للعوامل المحيطة، فقد شارك سواريز في خط الهجوم حينها كلاً من كوتينيو وستيرلنغ وستوريدج، في مقابل ماني وفيرمينو مع صلاح. في 2014 كان كوتينيو وستيرلنغ في بداية التألق وبعيدين نوعًا عن النضج، بينما كان ماني وفيرمينو في 2018 في لحظة النضج والتماهي الكامل مع الفريق. وهذه نقطة ربما تجعل ظروف سواريز أصعب خاصة إذا ما أضفنا إليها تفوق كلوب مع صلاح على ما قدمه بريندن رودجرز مع سواريز. العنصر الأخير هو الجودة والإمتاع، وهذه مسألة ذاتية بالطبع يصعب إثباتها بالتحليل أو سرد الأرقام، ولكن جولة صغيرة في اليوتيوب سوف تجد فيها كل أهداف سواريز في 2014 وسوف يمكنك مقارنتها بأهداف صلاح 2018، ولتخبرنا أنت؛ هل تفوق صلاح على سواريز من حيث جودة اللعب؟

   

   

لا يستطيع أحد أن يحط من عظمة موسم صلاح الماضي، ولكن هناك نوعًا من المبالغة في تقييمه تعود بدرجة ما إلى السوشيال ميديا أيضًا؛ فكل هدف أحرزه صلاح كان يلقى ترحيبًا لا يتناسب أحيانًا مع جودته أو أهميته. لأن فخر العرب عند الجماهير المصرية تحديدًا والعربية عامة دائمًا هو الأفضل حتى وإن لم يكن الأفضل.

 

صفحات السوشيال ميديا العالمية التقطت هذا الخيط، وأدركت الاستفادة التي يمكن أن تجنيها من المنشورات التي تبالغ نوعًا في الحديث عن صلاح وأن ملايين المتابعين العرب سوف يهرولون وراء هذه المنشورات. لذلك فإن جماهير السوشيال ميديا العربية ربما كانت جزء أصيلاً من تقييم صلاح عالميًا في الموسم الماضي. والمبالغة سوف تظهر عند المقارنة مع سواريز كما أخبرتك. ففي موسم 2014 لم يقارنه أحد بميسي ورونالدو رغم أن ما فعله لا يقل بأي حال من الأحوال عمّا فعله صلاح!

  

السوشيال ميديا العدوة

حتى تلك اللحظة كانت السوشيال ميديا داعمة لصلاح تمامًا وصديقة إلى أكبر درجة، وربما كان رد الفعل تجاه إصابة راموس واللعنات التي صبتها ملايين الجماهير على الإسباني شهير العنف هي اللحظة الأخيرة التي جعلت صلاح مدركًا تمامًا لظهيره الشعبي القادر على دعمه بفاعلية شديدة. وقرر صلاح في تلك اللحظة أن يستخدم السوشيال ميديا في معركة خاصة إلى درجة بعيدة لا تخص الجماهير كثيرًا وهي معركة الطائرة الخاصة واتحاد الكرة ومقاطع الفيديو التي خرج فيها صلاح مخاطبًا الجمهور مباشرة. وتجاوز الأمر محبة الجمهور هذه المرة، وبلغ مرحلة طلب الدعم بصورة تكاد تكون مباشرة.[4]

    

  

السوشيال ميديا صديقة صلاح والجماهير سوف تدعمه والشرط الوحيد الذي تقف عليه الأمور هو كلمه «ابننا» التي يحب المصريين استخدامها عند الإشارة لنجمهم المحبوب. وتبدأ الأزمة عندما تقف هذه الجماهير عن تفاصيل اختلاف صلاح عنهم. بدأ الأمر عند تفاصيل بسيطة مثل حلاقة شعر الجسم، وإعلان الملابس الداخلية وغيرها من التفاصيل غير المستثاغة عند عموم الجماهير المصرية. هذه التفاصيل على بساطتها إلا أنها تكسر فكرة الابن الذي يعيش في أوروبا لكنه ينتمي إلينا وتشكّل حالة من الضيق لأن صلاح هو الابن الذي نتفاخر به ولا نمتلك غيره.

  

تتفاقم الأمور عند تفصيلة الصورة التي نشرها صلاح على مواقع التواصل ويظهر فيها ضاحكًا يوم حادثة القطار في محطة رمسيس بالقاهرة والتي مات وأصيب فيها العشرات. هذه الحادثة عمّقت أكثر من شعور الاختلاف وأن الابن لا يعيش بين أهله بصوره حقيقية. وانفجر كل شيء يوم المؤتمر الصحافي[5] الذي ظهر فيه صلاح ليقول: «أملأ وقتي بالتواجد في البيت أو القراءة أو اللعب مع أصدقائي أو مشاهدة شيء ما، وليس متابعة كل ما يُكتب عني وعن مستواي في "السوشيال ميديا"، فأنا أعلم كيف هو مستواي وما الذي ينقصني، وهذا هو الفارق بيني وبين أي شخص آخر في مصر، فالناس في مصر ضعيفة على المستوى الذهني بجانب أنهم لا يحبون التعلم، بل يظنون أنهم يعرفون كل شيء» .. « مشكلتنا في مصر أننا لا نريد أن نبذل أي جهد، نريد أن نصل لما نريد بأريحية ودون أن نتعب. لذا أرى التعامل مع الضغط علم يجب أن نتعلمه ونقرأ عنه، أن نتدرب ذهنيًا على التعامل مع الضغوطات».

  

هذه التصريحات كانت نقطة الانفجار التي أدركت فيها قطاعات عريضة من الجماهير المصرية أن الابن مختلف عنهم كلية، وسوء صياغة صلاح لكلماته عمّقت كثيرًا من هذا الإدراك وكسرت تمامًا الاتفاق الضمنيّ بينه وبين الجمهور الذي ينص على أن الدعم مشروطًا؛ فهم سوف يدعمون ويصفقون حتى النهاية، بشرط أن يكون هو ابنهم!

  

    

فخر العرب

في الجولة الأولى من دوري الأبطال موسم 2018 تخطى هدف صلاح في أشبيلية كلاً من هدف ميسي ضد يوفينتوس وهدف رونالدو ضد أبويل، وهذا لأن جائزة هدف الجولة كانت بتصويت الجماهير. الغريب أن هدف صلاح[6] كان من كرة صوبها أرضية ثم ارتطمت بقدم المدافع لتغير اتجاهها و تغيّر اتجاهها إلى سقف المرمى!. كرة لعب الحظ فيها الدور الأكبر، ولكن الجماهير المحبة لصلاح قررت أن تصوت ليتخطى ميسي وكريستيانو. وهنا تحديدًا بدأت فكرة «فخر العرب».

  

فخر العرب .. الله على أخلاقك يا أبو مكة .. هي مزح طريفة وتريند من الكوميكس عبر السوشيال ميديا يقوم على مفارقة بسيطة، وهي الانتصار لصلاح في أي ثنائية حتى وإن لم يكن متفوقًا فيها، وحتى وإن كانت المقارنة في أمر عادي. الكوميديا لا تضر أحدًا. ولكن الهزل قد تحول إلى جد، والصورة الكوميدية يبدو أن صلاح قد تمثلها وقرر بشكل لا واعي أن يحولها من صورتها الكاريكاتورية إلى صورة واقعية.

  

منشور صلاح الضاحك عقب حادث القطار كان خطأ غير مقصود بالطبع، فالأكيد أن النجم المصري لا يتعامل مع موت ضحايا القطار بلا مبالاة. ولكن الخطأ الحقيقي هو رفض صلاح تدارك الأمر، ورفضه الاعتذار وكأنه بالفعل أصبح يرى نفسه لا يخطئ وأنه على الطرف الصائب من أي ثنائية. لقد تعاملت جماهير السوشيال ميديا مع صلاح بهذه الطريقة، وهو الآن يعاملهم بها. والأمر مستمر، فبعد الهجوم الكبير الذي تعرض له بسبب تصريحاته الأخيرة، والذي شارك فيه قطاع من الجماهير المحبة حقًا للنجم المصري، خرج عبر تويتر بتغريدة مراوغة لا تعتذر ولكنها تهاجم «البعض» و«التصيّد» و«التفسير حسب المزاج» ورغم إدراكه لتأثير كلماته السلبي إلا أنه لم يعتذر صراحة![7]

     

   

نمبر وان

لقد دعمت الجماهير صلاح وصفقت له في مواقف عديدة، وكان يستحق التصفيق في كثير جدًا منها، ولكن هذه الجماهير قامت بمحاباة صلاح بصورة لا منطقية في عدد غير قليل من المواقف. وربما ليس أدل على ذلك من حملة السباب وبعض العنصرية ضد ساديو ماني مثلاً أو الدفاع المستميت عن صلاح ضد الاتهام بكونه «معجزة الموسم الواحد» ولم تدخر هذه الجماهير فرصة كي تحتفي بكل لقطة تثبت العكس حتى لو كانت ضربة جزاء سجلها صلاح، ورغم انخفاض مستواه بصورة واضحة هذا الموسم، إلا أن الدعم والدفاع وبعض المحاباة لم يتوقفوا. وانتظرت الجماهير من صلاح أن يعاملها بمثل تلك المحاباة ولكن هذا لم يحدث.

  

ربما تصح كلمات صلاح عن أن المصريين يحتاجون لمزيد من التعلم والتوقف عن اعتبار أنفسهم يعلمون كل شيء، ولكن هذه الصراحة والموضوعية لم تكن أبدًا طريقة المصريين في تقييمهم لصلاح أو تعاملهم معه، فلماذا لا يعامل جماهيره بالمثل؟ خاصة وأن هذه العقلية التي ينتقضها والتي تجعل المصريين وكأنهم يعلمون كل شيء هي ذات العقلية التي أعطته قدرًا ربما يتجاوز ما حققه بصورة فعلية. صحيح أن صلاح لم يحقق القليل ولكن الجماهير كانت مستعدة دومًا للمبالغة والمغالاة!

  

  

ضع كل ما سبق إلى جوار تصريحه بأنه اللاعب الأهم في تاريخ أفريقيا، لنرى أن صلاح أصبح هو الآخر يبالغ في قدر نفسه ويستعدي جماهيرًا ترى نفسها جزء من إنجازه، ويعرّض دعمهم له للخطر. لأن الجماهير تشبه تمامًا بريان كلوف الذي وجد أن دون ريفي لا يبادله ذات التقدير أو الاحترام، فتحول من محبته الشديدة له وأصبح يراه خصمًا مباشرًا.

  

أغلب الظن أن صلاح لا يرى الخطأ فيما حدث عبر الأسابيع الماضي، وأغلب الظن أنه لا يرى ما يستوجب الاعتذار، ولكن الأخطر أن يرى نفسه تجاوز دروغبا، أفضل هدافي أفريقيا في البريمييرليغ، أو إيتو الذي كان عنصرًا أساسيًا في سداسية برشلونة 2009 وثلاثية إنتر 2010 أو وايا صاحب الكرة الذهبية. الأخطر أن يرى صلاح نفسه نمبر وان لأن هذه هي بداية طريق اللاعودة!

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار