انضم إلينا
اغلاق
كونتي ومورينيو وساري.. هل انتهى عصر المدرب المسيطر؟

كونتي ومورينيو وساري.. هل انتهى عصر المدرب المسيطر؟

يوسف حمدي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

منذ يونيو/حزيران الماضي وحتى اليوم هناك ثلاثة أخبار تعد الأبرز في كرة القدم الإنجليزية، أولها إقالة أنطونيو كونتي من تدريب تشيلسي، وثانيها إقالة جوزيه مورينيو من تدريب مانشستر يونايتد، وثالثها الحديث عن قرب إقالة ماوريسيو ساري من تشيلسي. الحدث ليس في تعرض المدربين الثلاثة للإقالة أو احتماليتها، بل في الأسباب وراء ذلك، والتي تبدو مرتبطة ببعضها بصورة تجبرنا على الوقوف معها قليلا. (1) (2) (3)

 

في الفترة نفسها أيضا يقترب أنطونيو كونتي من تدريب ريال مدريد، (4) فيظهر سيرخيو راموس ويقول إن الاحترام لا يُفرض بالقوة، (5) في إشارة إلى عدم رضا غرفة خلع الملابس عن أسلوب المدرب الإيطالي، وبالفعل تتعثر المفاوضات بينه وبين إدارة الملكي لأسباب مهما تعددت فإنها لن تنفي حقيقة كون السبب الفعلي أن غرفة الملابس قالت لا. (6)

 

غرف الملابس تستطيع أن تقول لا لرئيس النادي، الرجل الذي يستطيع أن يقول لا للمدرب، لتصل في النهاية إلى حقيقة أن المدرب هو ذلك المسكين الذي لم يصبح مسموحا له أن يقول لا غير بالاستقالة، عدا ذلك فبقاؤه سيكون مرتبطا بالرضوخ لأشياء خارجة عن إرادته، في ظاهرة تنبئ باقتراب نهاية عصر المدرب المسيطر، أو ربما انتهائها بالفعل.

  

أنطونيو كونتي (وكالة الأناضول)

   

ساري وكيبا وأكثر من مجرد لقطة

في نهائي كأس الاتحاد الإنجليزي دعا ماوريسيو ساري حارسه كيبا للخروج قبل ركلات الجزاء، ليرفض الحارس الشاب الانصياع لأوامر مدربه. عقب المباراة يفسر هذا وذاك الأمر كسوء تفاهم لا أكثر، وأن المدرب ظن فقط أن حارسه مصاب بينما لم يكن كذلك، إلا أن اللقطة المثيرة لم تكن تحتاج إلى تفسيرات من الأساس؛ حارس يبلغ من العمر 21 عاما يمتلك من الثقة ما يجعله يرفض أوامر مدربه الذي يستشيط غضبا على الخط ويكاد يخرج من الملعب، في صورة توقع الغالبية أنها ستتسبب في عقاب شديد لكيبا، ليتفاجأ الجميع بغرامة بسيطة واستبعاد لمباراة واحدة، وكأن ساري لا يملك حتى عقاب لاعبه، وكأن المدرب فقد القدرة على اتخاذ القرارات داخل الملعب أو حتى خارجه.

    

   

لو فتشنا في التاريخ من الممكن أن نجد الكثير من الحوادث المشابهة، ولكن جميعها ستؤول إلى نتيجة واحدة وهي انتصار المدرب في النهاية، سواء كان على المدى القصير كخضوع اللاعب للأوامر في الحال، أم على المدى البعيد في حال رفض الانصياع لأوامر مدربه، حينها يكون له كل الحق في اتخاذ قراره بشأن عقوبة تأديبية أو رحيل نهائي عن صفوف الفريق.

   

القضية ليست في كيبا وساري فقط، بل في كل قصة مشابهة لا ينتصر فيها المدرب نهاية في كل صراع يدخله مع أيٍّ من لاعبيه، الأمر لم يصبح مقتصرا على نجوم من طينة رونالدو وميسي فقط، بل إن حارسا يبلغ من العمر 21 عاما من الممكن أن يفوز بصراع مع مدربه، حتى وإن لم يكن يمتلك في تاريخه سوى بعض المفاوضات مع ريال مدريد وشرط جزائي مرتفع.

     

  

البيضة أولا أم الدجاجة؟

بالطبع أتت تلك الحادثة في إطار عدم رضا متبادل بين ساري ولاعبي تشيلسي، فالبعض يقول بأن ساري فقد السيطرة على لاعبيه بسبب تصريحاته ضدهم، حين خرج المدرب الإيطالي عقب الهزيمة من آرسنال ليشن هجوما حادا على لاعبيه قائلا إن "عقلية لاعبي تشيلسي لا تتناسب مع المستوى العالي من كرة القدم.. هذه المجموعة من اللاعبين لا تمتلك العقلية الشرسة والرغبة في الفوز دائما، وفي الحقيقة من الصعب تغيير هذه الصفات وقد تأخذ وقتا طويلا للغاية". (7)

 

وفي الجهة المقابلة يرد البعض بأن هذه التصريحات محقة، نظرا لأن تصرفات اللاعبين وعدم انصياعهم للأوامر وتنفيذ التعليمات هي ما جعل ساري يتلفظ بهذه التصريحات، ثم تعود الفئة الأولى وتقول إن الفظاظة التي يتعامل بها المدربون هي السبب وراء تمرد اللاعبين وعدم انصياعهم، فتعود الفئة الثانية لتقول إن هذه الفظاظة سببها أن اللاعبين أصلا مستهترون، وتظل هذه الفئة وتلك في صراع حول أي منهما يخطئ أولا دون أن ننجح في الخروج بإجابة واضحة من هذه الدوامة التي لا تنتهي أبدا.

   

وعلى الرغم من ذلك، فإن الاستنتاج الوحيد من هذا الصراع الأزلي هو كون اللعبة قد تغيرت بالفعل، لم يعد للمدرب السلطة المطلقة في الأمر والنهي، لم يعد صاحب الكلمة العليا في علاقته باللاعبين، ولم يعد اللاعب مجبرا على الانصياع للأوامر أو تنفيذ التعليمات، هو يمتلك من الشهرة والسطوع ما يجعله قادرا على مناطحة المدرب والرفض بكل أريحية، وفي حال امتعض المدرب فلا مشكلة، دكة البدلاء لم تعد عقابا مؤلما كما كانت في السابق، في الحقيقة هي ستكون عقابا للمدرب الذي سيجد نفسه مضطرا لفعل ذلك مع جميع لاعبيه، ما سينتج عنه تدهور النتائج واستهجان الجماهير، ومن ثم بالطبع الإطاحة برأس المدرب وعودة اللاعبين لممارسة نشاطاتهم داخل الملعب وخارجه بالصورة التي يحبونها هم.

  

ماوريسيو ساري (رويترز)

    

مورينيو وكونتي في الماضي والحاضر

من البديهي أن السؤال الذي يحيط بكليهما سيكون حول التجربة الأخيرة، خاصة بالنظر إلى تجربة مورينيو مع تشيلسي، نظرا لأن كليهما توج بالبريميرليغ ومن ثم أُقيل في الموسم التالي، مورينيو قال أشعر أنه تم خيانة عملي، (8) في إشارة إلى تآمر اللاعبين عليه من أجل الإطاحة به، كونتي لم يصرح بذلك، ولكنه كان واضحا لكل من شاهد تشيلسي في موسم 2018 خاصة فيما يتعلق بالنصف الثاني منه، ومن ثم عاد مورينيو ليكرر الأمر في مانشستر يونايتد وبعرض أكثر تفصيلا لخبايا الأمور.

   

السبيشيال وان أخرج مشاكله مع الإدارة لوسائل الإعلام وقال إنه يريد 5 لاعبين ولا يعتقد أن الإدارة ستجلب له حتى واحدا منهم، (9) ثم هاجم لاعبيه الصاعدين حين سُئل عن سر عدم سعادة سانشيز، فأجاب بأنه من الطبيعي ألا يكون سعيدا وسط هؤلاء اللاعبين -في إشارة إلى الناشئين- (10) فضلا عن انتقاداته المستمرة لمارسيال وختاما بتعمده طرد بول بوغبا من التدريبات التي يحضرها الصحفيون، حتى تكون الإهانة علنية.

        

    

أنطونيو كونتي أيضا كان له نصيب من تلك التصريحات المعادية للاعبيه، فشن هجوما على اللاعبين الذين جلبهم له أبراموفيتش دون إرادته، خرج عقب الخروج من دوري أبطال أوروبا على يد برشلونة ليقول: "في الموسم الماضي فزنا بالدوري ومن ثم رأيتم سوق الانتقالات كيف كان ضعيفا، لم نتعاقد مع لاعبين كبار" (11) كلمات بالطبع تكفي لقتل شغف أيٍّ من هؤلاء اللاعبين، حتى وإن كانت صحيحة فإن التصريح بها علنا لن ينتج إلا المزيد من الانقسامات واللا مبالاة.

  

في الماضي كان كونتي قادرا على انتقاد لاعبي يوفنتوس علنا، في 2013 استبدل كونتي بيرلو أمام هيلاس فيرونا، ليخرج بيرلو إلى غرفة الملابس مباشرة دون الذهاب إلى الدكة، فما كان على كونتي إلا أن يحذر الجميع أنه في حال تكرر الأمر من أي منهم فإن العقوبة ستكون إيقافا لمدة شهر وغرامة مالية، (12) حتى إن بيرلو نفسه يحكي في كتابه "أنا أفكر إذا أنا ألعب" عن ولعه الشديد بكونتي، على الرغم من كون جنونه يقوده أحيانا إلى قذف اللاعبين بزجاجات المياه من الغضب في حالة الخسارة، (13) هؤلاء اللاعبون كانوا أكثر قدرة على تحمل المسؤولية بالفعل، ولكن يجب على كونتي ومورينيو والبقية التأقلم مع حقيقة أن هذه الأيام لم تعد كسابقتها.

    

جوزيه مورينيو (غيتي)

     

أصبحوا نجوما قبل الأوان

في العام الماضي ومع احتدام أزمة مورينيو مع جمهور وإدارة ولاعبي مانشستر يونايتد، صرح جون تيري بأن الفارق في عقلية اللاعب بين الماضي والحاضر كبير للغاية، حيث تحدث عن موقف جمعه بمورينيو عقب الفوز بالدوري موسم 2005، ويقول تيري: "أحرجني مورينيو بعد تدريبات استعدادية للموسم الجديد عقب فوزنا بلقب الدوري الإنجليزي، أوقف التدريب وجاء إليّ وألقى اللوحة وقال لي: إذا واصلت خسارة الكرة فسأذهب وأشتري لاعبا مقابل 50 مليون باوند".

 

حينها كان رد فعل تيري فقط إثبات نفسه ومضاعفة جهده حتى يحصل على إشادة مدربه مرة أخرى، مؤكدا أن هذه الأمور كانت تحدث مع أشلي كول ولامبارد ودروغبا والبقية، وأن جميعهم كان يرد بالطريقة نفسها أيضا، مواصلة العمل ليس إلا. (14)

   

في الحقيقة لم يرد تيري الحديث عن نفسه بقدر ما دافع عن مورينيو أمام تخاذل لاعبي مانشستر يونايتد، الفارق كان في رد فعل اللاعبين قديما والآن على محاولة المدرب الضغط عليهم أو إهانتهم أحيانا، هذا ما يمكن تفسيره بأن اللاعبين أصبحوا نجوما في سن صغيرة، وأن مواقع التواصل الاجتماعي وعقود الرعاية والإعلانات وتعدد مصادر الدخل كلها عوامل جعلت تركيز اللاعبين على كرة القدم يبدو أقل من المطلوب، (سوشيال ميديا) ولم يصبح اللاعب مستعدا لإهانة نفسه في سبيل الحصول على فرصة، نظرا لأن أغلب اللاعبين أصبحوا يشعرون بالأمان لمجرد تقاضيهم لرواتبهم فقط، الدافع والبطولة وكراهية الخسارة وغيرها من المفاهيم المشابهة لم تعد بالقيمة نفسها التي كانت عليها، كلها أصبحت أقل أهمية من صورة على إنستغرام أو جولة دعائية لإحدى الشركات.

    

جون تيري وجوزيه مورينيو (غيتي)

    

عن أينشتاين وموسيقى موتسارت

يُحكى عن ألبيرت أينشتاين ولعه بالموسيقى، والسبب في ذلك كان تعرفه على موتسارت، ورغم أنه شرع في التدرب على عزف الكمان منذ الخامسة عشرة من عمره، فإن الأمر بدأ معه حين أُصيب بمرض جعله طريحا للفراش، ما جعل أمه العازفة تبدأ في تعليمه لتخفيف حدة المرض عليه، ومن أجل أن يجد شيئا ما يستطيع الانشغال به.

   

يقول أينشتاين: "تلقيت دروس الكمان منذ كُنت في السادسة وإلى أن بلغت الرابعة عشرة، لكنّي لم أحظ قط بأي توفيق مع مُعلميّ، الذين لم تتخط الموسيقى بالنسبة لهم حدود التدريبات الآلية. بدأت أتعلم بحق عندما بلغت الثالثة عشرة بعد أن وقعت في حب سوناتات موتسارت، فلقد أجبرتني مُحاولة إعادة إنتاج ما بها من جمال فني وسمو مُتفرد على أن أرتقي بمستواي في العزف، وهو ما حدث فعلا بفضلها دون أن أتدرب بشكل منظم. فالحُب مُعلم أفضل من الإحساس بالواجب، على الأقل بالنسبة لي". (15)

   

هنا أينشتاين كان عازفا في الحالتين، ولكنه انتقل من طور الواجب إلى طور الإبداع حينما أحب ذلك، حينما وجد موتسارت الذي غيّر مفاهيمه عن تلك الآلات، انتقل معه إلى عالم آخر كان له دور كبير في إسهاماته العلمية، كانت موسيقى موتسارت بداية لانطلاقه مع الخيال والذي صنع أسطورته، فقط حين أحب الموسيقى وليس حين فُرضت عليه.

   

هذه هي طبيعة النفس الإنسانية، في كل مرة ستُجبر فيها شخصا على شيء ما من الممكن أن يؤديه، ولكنه لن يبدع تحت الإجبار أو التهديد أبدا، الأمور من الممكن أن تنتقل من المعلم إلى التلميذ بأكثر من صورة، إلا أن هناك صورة ستجعله كالآلة ينفذ فقط، وأخرى ستفتح له آفاقا لا حدود لها، حين يصل إلى حد الانبهار بما يراه، تلك الصورة التي تُنتج دوما طرق اللعب الجديدة والثورات في عالم كرة القدم، تجلب الألقاب التي تبقى محفورة في ذاكرة الجميع وليست تلك التي تأتي ومعها الإقالات والشعور بخيانة العمل.

   

نجاح أي مدرب سيكون مرتبطا بقدرته على التأقلم مع عقلية اللاعبين الجديدة، ليس فقط بما يمتلكه من تكتيك وعبقرية وشخصية وإرث خططي

رويترز
 
كفى بكاء على الماضي

من الممكن أن تبدو الزاوية الماضية مثالية إلى حد ما، تلك التي تصلح لأحاديث التنمية البشرية فقط، لا يمكن إخبار مورينيو مثلا عن الشغف والحب وموسيقى موتسارت، لا بد وأنك تصورت رد فعل الاستثنائي بمجرد تخيل حدوث هذا.

   

إن وقفنا على حقيقة ما يراه مورينيو وتيري، وأن الأزمة فعلا تنحصر في كون اللاعبين صاروا منعدمي المسؤولية ونجوما قبل الأوان، فإن البكاء على أطلال هذا الأمر طويلا لن يكون حلًّا أيضا، لأننا هنا نتحدث عن ظاهرة أصبحت منتشرة في العالم كله وليس في نادٍ واحد فقط، لذا فنجاح أي مدرب سيكون مرتبطا بقدرته على التأقلم مع عقلية اللاعبين الجديدة، ليس فقط بما يمتلكه من تكتيك وعبقرية وشخصية وإرث خططي.

   

الأمر هنا يشبه القصة المكررة للرجل المسن، الذي يخبرك في كل مرة أن الأمور لم تصبح كما كانت في الماضي، يخرج عشرة الجنيهات من جيبه ويتفاجأ في كل مرة أنها لا تكفي لشراء شطيرة، تلك التي اعتاد شراءها في الماضي بنصف ما في جيبه، في كل مرة يشكو ذلك ويكسب تعاطف البعض، ويظل يحدثهم عن غلاء الأسعار، ولكنه يغفل حقيقة واحدة فقط، تلك التي تقول إنه لا طائل من كل ذلك، وإنه أمام خيارين لا ثالث لهما، إما البحث عن ما يكفي من الأموال للتأقلم مع متطلبات العصر، وإما يقضي ما تبقى من عمره مستسلما للجوع.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار