انضم إلينا
اغلاق
جوناثان ويلسون.. يجب أن تقرأ له إن كنت محبّا لكرة القدم

جوناثان ويلسون.. يجب أن تقرأ له إن كنت محبّا لكرة القدم

أحمد مجدي رجب

محرر رياضة
  • ض
  • ض

يتحدث إدواردو غاليانو عن كتابه[1] "كرة القدم بين الشمس والظل"، فيقول[2] إنه كتبه ليفقد محبو القراءة خوفهم من كرة القدم، ولكي يفقد محبو كرة القدم خوفهم من الكتب. والحقيقة أن هذه المخاصمة بين الكتب وما تُمثّله من قيمة المعرفة وبين كرة القدم هي واقع يمكن لمسه بسهولة، وهو ما يحرم كرة القدم من أقلام أصحاب المعرفة الحقيقية ويتركها أحيانا لأنصاف الكتّاب، وهو ما قد يحرم الكتابة من موضوع شديد الثراء ومتعدد الزوايا والمداخل مثل كرة القدم.

  

وهذه هي أهمية كُتّاب استطاعوا الجمع بين الشغفين مثل غاليانو مثلا الذي كان أديبا عظيما ومحبا مخلصا لكرة القدم. ولكن اللعبة المحبوبة تحتاج إلى نوع آخر من الكتابة؛ فغاليانو بالأساس أديب تصادف أنه يحب الكرة، والكرة تحتاج إلى محب مخلص لها بالأساس لكنه مصادفة يهوى الكتابة. وهذا النوع الأخير يضمن إنتاجا أكبر وأكثر تنوعا ويضمن كذلك نظرة للكرة من داخلها وعلما بتفاصيلها وليس إطلالا عليها من الخارج. ومن بين هؤلاء يأتي ذكر واحد من أهم الصحافيين الرياضيين في عالمنا الآن، وهو الإنجليزي جوناثان ويلسون.

   

الصحافي المرموق
جوناثان ويلسون (مواقع التواصل)

  

يصعب حقيقة ألا يصادف المتابعُ الجيد لكتابات كرة القدم اسمَ جوناثان ويلسون؛ فقد كتب الرجل في كل موقع ومجلة وجريدة شهيرة. كتب ويلسون لجريدة الإندبندنت والتليغراف ومجلة "Four Four Two" وكتب كذلك لموقع "Bleacher Report"، وكان مراسلا لشؤون كرة القدم لدى جريدة "Financial Times" العريقة حتى عام 2006، والآن هو أحد أهم كُتّاب القسم الرياضيّ في صحيفة الغارديان[3] ولديه عمود في مجلة "World Soccer"، وهو كذلك رئيس تحرير مجلة "The Blizzard"[4] الربع سنوية والمتخصصة في كرة القدم وهو مؤسسها.

  

صدر لجوناثان ويلسون حتى الآن تسعة كتب[5]، منها كتاب "تشريح إنجلترا" 2010، و"سيرة المدرب بريان كلوف" في 2011 وحملت عنوان: "لا أحد يقول شكرا"، و"تاريخ حراسة المرمى" في 2012. وصدر له في 2016 كتاب "ملائكة متسخة الأوجه في تاريخ كرة القدم الأرجنتينية"، وفي 2018 نشر كتابا بعنوان: "إرث برشلونة: غوارديولا ومورينيو والقتال من أجل روح كرة القدم". وقبل كل هذه العناوين يأتي كتابه الأهم، "الهرم المقلوب". "الهرم المقلوب" هو كتاب صادر في عام 2008، ويسرد تاريخ تطور تكتيكات كرة القدم منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى بداية الألفية. والكتاب مترجم للغة العربية، ووصل القائمة القصيرة لجائزة ويليام هيل[6] أفضل كتاب رياضي في 2008، وفاز بجائزة أفضل كتاب كرة قدم بريطاني في 2009.

  

الصحافي المبتدئ والهرم المقلوب

انتقل جوناثان ويلسون من مدينته ساندرلاند إلى لندن في عام 1999 وعمل كاتبا بالقطعة في مجلة "Match of the Day". وفي هذه المرحلة لم يكن يخطط أن يصبح صحافيا رياضيا، إذ بدأ عمله المنتظم مصادفة عندما قابل أحد الأصدقاء، والذي أخبره أن موقع "OneFootball" يطلب محررين رياضيين. فتقدم ويلسون إلى الموقع، واجتاز المقابلة الشخصية، وفي أقل من أسبوع بدأ مسيرته الكتابية.

    

 

استمر ويلسون كاتبا شابا محدود الانتشار حتى جاءت لحظة أمم أفريقيا في مالي 2002، واقتصر دور ويلسون حينها على مساعدة مراسل جريدة "Financial Times" هناك، والذي لم يكن يستطيع استخدام الإيميل! وانسحب هذا الرجل في منتصف البطولة، فعرض ويلسون على المجلة أن يكمل المهمة، وهنا أصبح رسميا مراسل كرة القدم لهذه الجريدة البريطانية شديدة الأهمية. حتى عام 2005 استمرت مسيرة ويلسون خليطا من الاجتهاد والحظ، ولكن الأمور[7] تغيرت تماما عندما نشر مقالا طويلا بلغ 10 آلاف كلمة في مجلة "Four Four Two"، وكان عن تاريخ تطور التكتيك في كرة القدم. ووجد الصحافي الإنجليزي أن الفكرة قابلة لتدقيق أكبر وأن تتحول من مقال طويل إلى ما هو أكبر من ذلك. تشجّع مدير أعماله لتلك الفكرة وعرض عليه تجديد مشروع قديم لكاتب آخر اسمه "بيتر بول"؛ أراد أن يكتب كتابا عن ذات الفكرة ولكن القدر لم يتح له الوقت وتوفي قبل إتمام المشروع. وفي ذات الحقبة صدر كتاب حول مسألة تطور التكتيك أيضا للمعلق الاسكتلندي الشهير أندي غراي، ولكن ما أراده ويلسون كان مختلفا.

   

لقد أراد جوناثان ويلسون أن يستعرض الظروف الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي تطورت فيها إستراتيجيات كرة القدم عبر ما يزيد على القرن من الزمن. وبدأ في بحثه رغم نقص المصادر، وسافر إلى بلدان مثل البرازيل والأرجنتين ودول أوروبا الشرقية، واستطاع ويلسون قبل انقضاء عام 2008 أن يخرج بكتابه الأهم "الهرم المقلوب". استطاع "الهرم المقلوب" أن يغيّر من طريقة نظر الجمهور إلى اللعبة بصورة كبيرة، والصحافة كذلك، إذ إن ويلسون رأى الصحافة الرياضية الإنجليزية قليلة التعرض لإستراتيجيات اللعب في ذلك الحين، وهو ما تغير بعدها بدرجة تكاد تصل إلى النقيض، وبلغت درجة من المبالغة أحيانا كما يقول ويلسون الذي يرى أن التكتيك جزء مهم جدا في اللعبة، ولكن لا يجب إغفال عوامل مثل الاجتهاد الشخصي والحافز والعرق والعضلات.

   

نجح "الهرم المقلوب" في التأثير على قطاع واسع من متابعي اللعبة كي يشاهدوها بصورة أكثر ذكاء، ونجح في أن يغير النظر إلى كرة القدم، ففي ظن ويلسون يجب أن ننظر إلى كرة القدم كما ننظر إلى الفن، فلا بد أن ننظر إليها في سياقها الاجتماعي كما ننظر إلى السينما والأدب والموسيقى. نجاح "الهرم المقلوب"، ونجاح ويلسون في القفز إلى مصاف الصحافيين ذائعي الصيت هو ما فتح الباب أمام مشروع آخر يزيد من التعامل مع كرة القدم بما تستحق من العمق، وفي 2011 ظهرت إلى النور مجلة "The Blizzard".

     

الصحافة الرياضية أمضت عقودا طويلة بالتغطيات الإخبارية والتقارير المعلوماتية حول ما يحدث الآن وهنا، مما حرم كرة القدم من كتابات أعمق

غيتي
     
رئيس التحرير

بدأ التفكير في مشروع مجلة "The Blizzard" من إدراك عدد من الأمور، أولها أن الصحافة الرياضية أمضت عقودا طويلة في تيار عام من التغطيات الإخبارية والتقارير المعلوماتية والأحاديث التي تثير اهتمام الجماهير حول ما يحدث الآن وهنا، ورغم أهمية هذه الأمور فإنها تحرم كرة القدم من كتابات أعمق. والأمر الثاني هو مسألة الإعلانات التي تسيطر رغم كل شيء على العناوين الرياضية التي تصدرها الصحف، وهذه الأمور على حد تعبير ويلسون قد أشعرته بالإحباط في إحدى الحانات بساندرلاند قبل لقاء فريق المدينة ضد ستوك سيتي. ونشأ المشروع في فورة الغضب والإحباط تلك.[8]

 

بدأ ويلسون عقبها مع ثلاثة من أصدقائه مشروع المجلة دون معرفة حقيقية بما يتطلبه الأمر من حيث مسألة الطباعة والتوزيع والتكلفة والأرباح، لكنه بدأ نشر فكرته بين عدد من الصحافيين الرياضيين عن الحاجة إلى كتابة تحقيقات صحافية مفصلة ومقالات عن تاريخ اللعبة وتحليلات عميقة ومتأنية. وبالفعل انضم له عدد من الكتاب تحمسوا للمشاركة من أجل قيمة الكتابة وبصرف النظر عن الأجر أو المال. وفي عام 2011 صدر العدد صفر من مجلة "The Blizzard".[9]

  

استمرار المجلة تطلب أمرين؛ أولهما هو تقديم كتابات متميزة، والثاني هو تحقيق الدخل الذي يسمح باستمرار تقديم هذا المحتوى. اتفق هؤلاء الكتاب على أن تصدر المجلة مرة كل 3 أشهر، وأن تصدر في صورة ورقية فاخرة تُشعِر القارئ بأنه يحمل كتابا مهما، وأن تصدر في صورة أخرى رقمية سعرها لا يتعدى 3 جنيهات إسترليني، وبذلك يمكن بسهولة لأي طالب بالمدرسة أن يشتريها ويمكن حتى لعاطل عن العمل أن يحصل على نسختها، واتفق الكتاب كذلك على اقتسام الأرباح آخر كل عام بعد تغطية تكلفة المجلة.

  

ونجح المشروع وصمد حتى وقت كتابة هذه الكلمات، وصدر بعد العدد صفر ما يزيد على الأعداد الثلاثين. ونجحت هذه الأعداد في تحول الكتابة في كرة القدم إلى نشاط ثقافي وأدبي، فمن الشائع أن تجد في المجلة مثلا قطعة من 4 آلاف كلمة تتحدث عن صحافي مثل جياني بيريرا، والذي لا توجد الكثير من المصادر الإنجليزية التي تحدثت عنه رغم أهميته البالغة في كرة القدم عامة والإيطالية خاصة، ويسهل أن تجد مادة أقرب إلى البحث الذي اشترك فيه 5 كتاب كتبوا 10 آلاف كلمة عن تاريخ كرة القدم في الألعاب الأوليمبية. يمكنك أن تجد مواد عن الامتزاج بين السياسة والرياضة في تركيا أو إسرائيل أو العالم العربي، ويمكنك كذلك أن تجد نصوصا أدبية متقنة الكتابة عن كرة القدم.

  

 مجلة "the blizzard" (مواقع التواصل)

   

أن تجعلهم يقرأون

لعلك تتساءل الآن عزيزي القارئ؛ لقد عرض التقرير تعريفا لويلسون وتطوره ثم كتابه الأشهر ومجلته، ولكنه لم يجب بعد عن عنوانه: لماذا يجب أن تقرأ لجوناثان ويلسون؟ والإجابة هي ذات الكلمات التي قالها غاليانو عن كتابه: أن يفقد محبو الكرة خوفهم من الكتب. كتب ويلسون في صحيفة الغارديان عمودا عنوانه "السؤال"؛ وفي كل مرة يطرح إجابة عن هذا السؤال.

  

الإجابة أحيانا تكون تكتيكية بحتة تجعلنا نشاهد كرة القدم بطريقة أذكى، ولكن في أحيان أخرى يمكننا أن نقرأ امتزاجا بين تحليل نفسي وتحليل كروي عن ميل مورينيو مثلا للتحفظ الدفاعي، يمكننا أن نقرأ كتابا مثل سيرة بريان كلوف التي كتبها ويلسون والتي كانت عملا أدبيا يمكنه ببساطة أن يستدرج محبا لكرة القدم نحو ما هو أبعد من القراءة. في كتابه عن كرة القدم الأرجنتينية يسرد لنا ويلسون تاريخا سياسيا للبلاد الواقعة في أزمة هوية، وكيف تلعب الكرة دورا كبيرا في محاولات متعثرة لبناء هذه الهوية. باختصار، القراءة لويلسون والقراءة لهذا التيار من كتاب كرة القدم يفتح آفاقا جديدة ومساحات أوسع من الاطلاع والمعرفة، ويستدرج جمهور الكرة التقليدي فيفقد خوفه من الكتب. أو كما قال[10] ذات مرة جياني بيريرا الإيطالي العظيم:

   

"تلعب الصحافة الرياضية دورا اجتماعيا مهما؛ ومن دونها فإن كل إيطالي سيصبح جاهلا. لقد ساعدنا الناس أن يقرأوا"

تقارير متصدرة


آخر الأخبار