انضم إلينا
اغلاق
فلاسفة عشقوها.. هل الهوس بكرة القدم تفاهة؟

فلاسفة عشقوها.. هل الهوس بكرة القدم تفاهة؟

أحمد مجدي رجب

محرر رياضة
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

  

يقول الأديب البلجيكي جان فيليب توسان أن الناس في المدن صنفان؛ يذهب الأول إلى المكتبات، ويذهب الثاني إلى استادات كرة القدم، وبين المكتبات والملاعب يقوم حائط سميك خفيّ. والحقيقة أن كلمات البلجيكي لا تخلو من صواب، ولكن عالم الكرة وعالم الأدب قد تماسا في مرات عديدة. ودائمًا ما كانت النتيجة مبهرة. حتى عند أدباء لم يحبوا كرة القدم.[1]

  

شمس غاليانو

ذات مرة[2] في منتصف عام 1997 استؤجرت مجموعة من المجرمين لاختطاف «فيكتور كوينتانا»، وكان سياسيًا في المكسيك. وبعد أن أبرح المجرمون ذلك المسكين ضربًا، وقبل إتمام مهمتهم بقتله، قرروا الاستراحة قليلاً، ودار بينهم حديثًا جانبيًا عن كرة القدم. سمع فيكتور بعض الكلمات والأسماء في ذلك الحديث وتذكر أنه قد لاحظها في كتاب قرأه منذ فترة. واشترك معهم في الحديث من أجل ربح دقائق إضافية في عمره الذي أدرك أنه على مشارف النهاية المأسوية. ودار الكلام وطال دقائق ودقائق وفي النهاية أطلق المجرمون سراحه وقد تراجعوا عن إتمام مهمة قتله. والفضل يعود بالقطع إلى ذلك الكتاب الذي قرأه فيكتور وكان اسمه «كرة القدم بين الشمس والظل».

   

كتاب "كرة القدم بين الشمس والظل"  لـ "إدواردو غاليانو" (مواقع التواصل)

    

البشر رواة حكايات. منذ الأزل والحكي أحد أهم الأنشطة التي مارسها الإنسان وربطت الحكايات والقصص أفراد المجتمعات. وكرة القدم هي أحد أهم مصادر الحكايات عند البشر في القرنين الأخيرين من الزمن. هذا ما فطن إليه أديب ومشجع قديم مثل الأورغواياني إدواردو غاليانو صاحب كتاب «كرة القدم بين الشمس والظل»[3]. فالكرة عنده 90 دقيقة في الملعب وساعات طويلة من القصص حول هذه الدقائق التسعين. وهذا ما لم يفطن إليه أديب عظيم مثل بورخيس الذي رأى الدقائق التسعين فقط، ورأى أنها دليل على غباء البشر؛ أن يتحمسون من أجل 22 رجلاً يركلون قطعة من الجلد أو البلاستيك.

  

لقد نجح غاليانو في حل الأزمة التي تحدث عنها توسان، وكانت تجربته هي أنضج ما جمع عالميّ الكرة والأدب. خاصة وأن الأرغواياني يعي هذه الأزمة تمامًا، فقد قال أن محاولة الشمس والظل كانت من أجل أن يفقد المثقفون نظرتهم الدونية للكرة، ولكي يفقد جمهور الكرة خوفه من الكتب.

  

مجاز وحارس مرمى

يقول جان بول سارتر أن كرة القدم مجاز عن الحياة، ويقصد بذلك أنها تجريد لعدد من المعاني مثل الصراع والانتصار والهزيمة، مثل الرفاق والخصوم، ومثل الجمال والبراغماتية. ولكن سارتر في النهاية مراقب خارجي لللعبة، بينما صديقه ألبير كامو صاحب جائزة نوبل هو من اعتبر نفسه أسطورة حراسة المرمى، وأن الأدب حرم الكرة من جهوده كحارس عظيم. بدأ كامو لعب كرة القدم في طفولته وشغل مركز رأس الحربة، ولكن جدته قالت أن ممارسة الكرة ما هي إلى إتلاف لحذائه، والفقر يمنع أمثاله من ترف شراء أحذية جديدة، فقرر أن طريقه الوحيد في الاستمرار لاعبًا هو أن يتوجه ليقف تحت الخشبات الثلاثة.

   

   

يقول كامو[4]: «حارس المرمى يستطيع التأمل.. وتعلمت من حراسة المرمى كيف أن الكرة تحتاج تركيزاً وسرعة بديهة، فهى لا تأتى دائمًا من المكان الذى نتوقعه. ساعدني ذلك كثيرًا في الحياة، خصوصاً في المدن الكبيرة، حيث الناس لا يكونون مستقيمين عادة». لقد أدرك كامو المجاز الذي تحدث عنه سارتر في سن مبكرة جدًا، إذ كان حارس مرمى فريق كرة القدم في جامعة وهران بالجزائر وهو ابن السادسة عشر.

 

وصحيح أن الفقر والمرض منعا الفيلسوف الشهير من الاستمرار في ممارسة اللعبة، إلا أنه لم يفقد قط نظرته لها عندما ذهب لفرنسا وذاع صيته في أوساط الثقافة. وكان يرى أن كرة القدم ثقافة حقيقية للعالم، لا تقل بأهميتها وضرورتها عن الرواية والشعر والسينما، فهي اللعبة التي تحمل ثقافة الشعوب ودرجة تحضرها. وقال بشكل حاسم: «أنا أدين لكرة القدم بكل ما أعرفه عن الأخلاق .. كرة القدم التي لا يكرهها إلا الأغبياء وحدهم».

 

درويش مارادونا

  

يقول  الشاعر الروسي يفغيني يفتوشينكو أن كرة القدم تشترك مع الشعر في شيء ما. وربما ليس أدل على ذلك من شاعر آخر ذائع الصيت وعميق الموهبة مثل محمود درويش.

  

في عام 1982 كان كأس العالم في إيطاليا وكانت محمود درويش في بيروت تحت الحصار والقصف الإسرائيلي. وكان الشاعر في أحد الملاجيْ من الصواريخ ولكنه يريد مشاهدة المباراة، فقام ورفاقه بتوصيل التليفزيون ببطارية لأحد السيارات وشاهدوا المونديال. وعبّر عن هذه الخبرة قائلاً[5]: «ونحن ايضا نحب كرة القدم، ونحن ايضا يحق لنا ان نحب كرة القدم. ويحق لنا ان نرى المباراة، لم لا؟ لم لا نخرج قليلا من روتين الموت؟» .. «ما هذا الجنون الذي يعطل الخوف ساعة ونصف الساعة، ويسري في الجسد والنفس كما لا تسري حماسة الشعر والنبيذ واللقاء الأول مع امرأة مجهولة».

 

المبهر هنا ليس كلمات درويش ذاتها، ولكن قدرة كرة القدم على لمس روح الشاعر داخله وإخراج هذه الصياغة الجميلة. هذه اللعبة بكل ما فيها من دفع وركل وطين وعرق تحمل جانبًا شعريًا أصيلاً. ليكون هذا النص إثبات لكلمات يفتوشينكو عن ذلك الجوهر الذي يجمع الشعر والكرة. لقد وجد درويش في مشاهدة مباراة كرة قدم فعلاً يقاوم به الخوف، ويواجه به عجز الاختباء في ملجأ من الصواريخ التي تمطر السماء من فوق رأسه.

    

محمود درويش (مواقع التواصل)

   

«ماذا فعلت بالساعة، ماذا صنعت بالمواعيد؟
ماذا نفعل بعدما عاد مارادونا إلى أهله في الأرجنتين؟
مع منْ سنسهر، بعدما اعتدنا أن نعلّق طمأنينة القلب، وخوفه، على قدميه المعجزتين؟

...

ولمن سنرفع صراخ الحماسة والمتعة ودبابيس الدم، بعدما وجدنا فيه بطلنا المنشود، وأجج فينا عطش الحاجة إلى: بطل.. بطل نصفق له، ندعو له بالنصر، نعلّق له تميمة، ونخاف عليه ـ وعلى أملنا فيه من الانكسار؟

..

يا مارادونا، يا مارادونا»

« يفلت كالصوت
له وجه طفل، وجه ملاك،
له جسد الكرة،
له قلب أسد،
له قدما غزال عملاق،
وله هتافنا: مارادونا.. مارادونا»[6]

  

كتب محمود درويش هذه الكلمات لمارادونا بعدما فاز الأرجنتيني بكأس العالم 1986 وانتهى المونديال. لقد مثّل مارادونا لدرويش ما يريده كل شاعرٍ، إنه الشغف. تلك الحرارة التي يبحث عنها الشاعر ليكتب قصيدته وتلك الحالة التي تتعلق بها العيون. ربما لم يكن محمود درويش مشجعًا مخضرمًا مثل غاليانو أو لاعبًا سابقًا مثل كامو ونجيب محفوظ ولكن كرة القدم تفرض نفسها على الشاعر بداخله وحبه لمارادونا الذي بلغ حد الدروشة كان كافيًا كي تخرج كلمات الشعر التي ترثي غياب البطل مارادونا.

   

وكيف لا نتحدث عن كرة القدم؟!
الروائي الإيطالي "أمبرتو إيكو" (مواقع التواصل)

    

اللقاء الرابع بين الكرة والأدب لا يأتي من الشغف بها أو ممارستها أو تأملها، ولكنه يأتي من الضيق. فقد عُرف عن أمبرتو إيكو، الروائي الإيطالي صاحب «اسم الوردة»، أنه لم يكن أشد المعجبين بلعبة كرة القدم. وهو ما دفع الكاتب خفيف الظل إلى كتابة مقال «وكيف لا نتحدث عن كرة القدم؟!»[7]

   

قال إيكو أنه لا يكره كرة القدم، وربما يستمتع بمباراة جيدة في التليفزيون تجعله يدرك ويقدر هذه اللعبة النبيلة. ولكنه يكره مشجعي كرة القدم. صحيح أن إيكو يكره الأماكن المزدحمة مثل الحانات والأندية ومدرجات التشجيع، وصحيح أنه يخشى هؤلاء المختلفين عنه رغم أنه لم يكن عنصريًا، ولكن كراهية مشجعي كرة القدم سببها ذلك الخلل فيه الذي يراه إيكو لا يُطاق. إنهم حسب تعبيره لا يستطيعون فهم ألا تكون مشجعًا مثلهم ولا تشاركهم ذات الاهتمام. وسوف يستمرون بالحديث عنها بإصرار شديد رغم عدم اهتمامك. يشرح إيكو أكثر، فيقول أنه يلعب آلة موسيقية تشبه مزمار الفلوت، ويستطرد طالبًا أن تخيل مثلاً رحلة قطار يجلس هو فيها بجانب أحدنا وويبدأ في الحديث:

   

«هل سمعت اسطوانة فرانس بروجين الأخيرة؟

إنني أتحدث عن مقطوعة Pavane Lachrymae .. ولو أردت رأيي فإن افتتاحيتها كانت بطيئة»

ويستمر في الحديث ..

يقول إيكو أنك لا تفهم حرفًا من هذا الكلام، وكذلك هو عندما يتحدث سائق التاكسي عن فان باستن وهل هو مارادونا التسعينات؟!

يقول إيكو: «وهكذا يستمر الأمر. وكأنك تتحدث إلى جدار. ليس الأمر وكأن مشجع الكرة لا يهتم بك. ولكنه لا يستوعب أن يتواجد إنسان لا يهتم بكرة القدم. لن يستوعب هذا حتى وإن كنتُ بثلاثة عيون وقرون استشعار ورأس أخضر».

   

المثير للتأمل في حديث إيكو هو قدرته على تحليل مشجع كرة القدم، وتفسير نظرته لهؤلاء الذين لا يهتمون بها كأولوية. والمثير كذلك هو طريقة رسمه لهذا المشجع بصورة أدبية وكأنه يكتب قصة قصيرة. المثير للتأمل هو أن لقاء كرة القدم والأدب يمكنه أن ينتج كلمات وأفكار مفيدة للأدب وللكرة حتى وإن لم تكن العلاقة بينهما على وفاق.

      

الأديب الفرنسي وحارس المرمى العظيم ألبير كامو (الجزيرة)

    

الغباء والحائط السميك:

ما ينطبق على إيكو ينطبق أيضًا على الروائي الأمريكي بول أوستر وعلى الكاتب والروائي الإنجليزي جورج أورويل، فقد قال الأول[8]: «البلدان تخوض حروبها اليوم في ملاعب كرة القدم، بجنود يرتدون الشورتات، وإذ يفترض أنها لعبة تستهدف التسلية غير أن الذاكرة الخفية لصراعات الماضي تخيم على كل مباراة، وكلما أحرز لاعب هدفا تتردد أصداء الانتصارات القديمة»، بينما قال أورويل[9]: «متى تثور روح تنافسية قوية يختفي مبدأ اللعب النظيف. ترغب الناس في رؤية أحد الجانبين متوجاً والآخر ذليلاً، وينسون أن الفوز المكتسب عبر الغش أو تدخل الجمهور لا معنى له. حتى لو لم يتدخل الجمهور فزيائياً فإنه يحاول التأثير على مجرى المباراة عبر تشجيع فريقه، وكسر اللاعبين المنافسين بصيحات الاستهجان والإهانة. لا علاقة بين الرياضة الجادة واللعب النظيف. بل إنها مرتبطة بالكراهية، والحسد، والتبجح، وتجاهل جميع القوانين، والمتعة السادية المكتسبة من مشاهدة العنف: بعبارة أخرى، إنها حرب بغير طلقات.»

   

لا ينبغي أبدًا أن يتعامل جمهور كرة القدم بعدائية تجاه كلمات أوستر وأوريل، لأنها تكشف جانبًا آخر من اللعبة ربما يغيب عن إدراك محبيها. ويحلل هذا النشاط الاجتماعي بصورة أعمق وأدق بعيدة عن حماسة الملاعب التي تعمي العيون. لأن المشكلة الحقيقية ليست في رؤية الجانب السلبي في اللعبة بل هي التعالي عليها واعتبارها نشاطًا تافهًا سحطيًا، حينها تُحرَم الرياضة من كتابات وتحليلات تستحق التأمل بعناية، وهذا هو عين الجهل. وحينها يُحرم الأدب من مساحة واسعة للتأمل والبحث وهذا هو الغباء.

   

ويمكن تلخيص ذلك بكلمات الكاتب البلجيكي جان فيليب توسان الذي بدأ عنده هذا الحديث، والذي قال أن الكتابة في كرة القدم يتيمة لن يحبها أحد؛ فالمثقفون لا يحبون الكرة، ومحبو الكرة سوف يجدون هذه الكتابة ثقافية أكثر من اللازم.. إنها ثنائية الجهل والغباء الذي وصفه الأديب الفرنسي وحارس المرمى العظيم ألبير كامو.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار