انضم إلينا
اغلاق
هل يستحق ساديو ماني كراهية المصريين؟

هل يستحق ساديو ماني كراهية المصريين؟

أحمد توفيق

محرر رياضة
  • ض
  • ض

بصراحة، الأمر مربك جدا، ومشكلة الأمور المربكة أنها تزداد إرباكا كلما حاولت إزالة بعض الغموض والتعقيد عنها، وهنا يتبنى الناس الآراء الحاسمة بل والمتطرفة أحيانا لأنهم لا يحتملون الاستماع لرأي مركّب، وطبعا حين يدخل عامل العاطفة فإن كل شيء ينتهي في لمح البصر، العاطفة لديها قدرة خرافية على ابتلاع المنطق، حتى لا تترك له أي مجال.

 

نحن أمام ثنائي من القارة نفسها، يلعب للفريق نفسه، في الخط الهجومي نفسه، تحت قيادة المدرب نفسه، وقُدِّر لهما أن يكونا موجودين في لحظة تاريخية من عمر النادي، وسيكونان جزءا من المشروع نفسه لتحقيق الهدف نفسه. وكما ترى فقد تكررت كلمة "نفسه" كثيرا في كل ما سبق، وعندما تزيد الأمور المشتركة بين لاعب وآخر لهذه الدرجة، فإن المنافسة الفردية بينهما قادمة لا محالة.

 

وهنا كان من البديهي أن يأخذ المصريون، وكثير من العرب، موقفا بالانحياز لمحمد صلاح، خصوصا مع بزوغ نجمه بهذا الشكل، لكن في المقابل هل فعل ساديو ماني ما يستحق عليه الكراهية والبغض؟ هل سعى بصورة دؤوبة لعرقلة مسيرة زميله المصري كما أخبرك زميل عملك؟

 

كراسي كلوب الموسيقية
يورغن كلوب (غيتي)

   

لنبدأ الإجابة من يورغن كلوب؛ تؤكد مسيرة المدرب الألماني أنه يستهدف بناء فريق متقارب المستوى، ليس فيه لاعب خارق أو نجم استثنائي ينبغي أن يكون الجميع في خدمته، بل يختار مجموعة أغلبها من اللاعبين الشبان أصحاب الخبرات البسيطة، الذين سيقبلون بأي تعديل في مراكزهم وأدوارهم. وهنا يشرع يورغن في تطوير أدائهم الفني واكتشاف الثغرات فيهم، قبل أن يختار لكل واحد المهمة التي تناسبه، ليصبح الفريق عندها قادرا على مقارعة من يمتلكون الإمكانيات الأكبر.

  

الأمر أشبه ما يكون باتفاق بين كلوب واللاعب؛ على الأخير أن يثق في اختيارات الأول، ويتقاسم كل المسؤوليات مع زملائه، وطبعا لا يتوقف عن الركض. أما كلوب فسيقدم للعالم النسخة الأفضل منه، سيحوّله من لاعب عادي إلى لاعب جيد، ومن جيد إلى ممتاز، وقد يجد نفسه ينافس ويتغلب على آخرين كان يكتفي بمشاهدتهم في التلفاز قبل بضع سنوات.

  

وقد بدأت تلك السمات تنطبع على شخصية الفريق بمجرد توليه المسؤولية. بدا الريدز للمرة الأولى كتلة واحدة؛ تهاجم وتدافع وتضغط معا، والجميع يركض في كل جنبات الملعب. لم يكن هناك استثناءات؛ فلا وجود للاعب يتحمل أعباء أكثر من زميله، ولا وجود أيضا لنجم معفيّ من أداء دور لا يظن أنه يناسبه. بالإضافة إلى غياب صفة النجم الأوحد الذي يُعتمد عليه دوما؛ يحضر فيفوز ليفربول، ويغيب فيعاني الفريق ويخسر.

    

هذه المنظومة التي أسسها يورغن كلوب تعمل كلعبة الكراسي الموسيقية، حيث يركض عدد من اللاعبين حول الكرسي، ويفوز به في النهاية من يعرف إيقاع الموسيقى بشكل أفضل

غيتي
   

في الواقع كلوب يترك لكل لاعب الفرصة ليصبح نجم الفريق الأول، ولا يضمن لأحد الاحتفاظ بتلك المكانة في كل الظروف ومهما كان مستواه، وهذا ببساطة لأن الفروقات الفردية بين لاعبيه قليلة، ليس هناك ميسي أو رونالدو. ولهذا السبب، فمن الصعب أن تسمي لاعبا بعينه كنجم أوحد لحقبة كلوب مع ليفربول. في البداية كان كوتينيو، ثم أصبح ماني، وبعده تربع صلاح على العرش، واليوم يقدم فيرجيل فان ديك أداء باهرا. والتغيُّر هنا يرتبط بشيء أساسي؛ وهو استغلال اللاعب للفرصة بما يخدم مصلحة الريدز.

  

هذه المنظومة، التي أسسها يورغن كلوب، تعمل كلعبة الكراسي الموسيقية بالضبط، حيث يركض عدد من اللاعبين حول الكرسي، ويفوز به في النهاية من يعرف إيقاع الموسيقى بشكل أفضل، ثم تبدأ دورة جديدة قد يكون لها فائز آخر جديد. الاختلاف الوحيد عن اللعبة هو أن كلوب لا يستبعد من يخسر، بل يمنحه الفرصة من جديد. من الضروري أن نتذكر دوما أن صلاح وماني جزء من تلك المنظومة.

 

ماني يتنازل

حين تعاقد ليفربول مع أبو مكة صيف عام 2017، كان قد قدم أفضل مواسمه في روما، فسجل 15 هدفا بدقة تصويب وصلت إلى 53%.(1) وكان ساديو ماني قد أنهى موسمه المميز وهو يتصدر قائمة هدافي ليفربول برصيد 13 هدفا، لكن بدقة تصويب أقل كثيرا حيث لم تتجاوز 42%.(2) وفي روما أيضا، تحوّل صلاح إلى لاعب أكثر شمولا، إذ لعب تحت قيادة المدرب لوتشانو سباليتي في أكثر من مركز، فبدأ كجناح عكسي، ثم شارك كمهاجم ثانٍ، وأحيانا ظهر حتى كصانع ألعاب. وقد أكسبه هذا وعيا تكتيكيا في الحركة والتمركز. ولعل ذلك كان محفزا لكلوب حتى يتخذ القرار الذي سيقلب الأمور رأسا على عقب.

  

بدأ موسم 2017/2018، فشارك صلاح كجناح يساهم في صناعة اللعب، وعليه أعباء في الصعود بالهجمة لوسط ملعب الخصم، وقد أدى ذلك بالتبعية إلى ابتعاده عن منطقة الجزاء أغلب الوقت، وهنا انتبه يورغن أن عليه تغيير أدوار صلاح، خصوصا وأنه أفضل عناصر الفريق أمام المرمى.

    

خريطة حرارية لصلاح من مباراة واتفورد مع بداية موسم 2017/2018 تشير إلى تمركزه بعيدا عن منطقة الجزاء (مواقع التواصل)

   

نزع كلوب عن كاهل لاعبه المسؤوليات السابقة، وكلّفه بأخرى جديدة. سيكون عليه التوغل والتمركز داخل منطقة الجزاء لاستقبال التمريرات والعرضيات وإنهاء الهجمات. والحق أن عمل المدرب الألماني مع صلاح مثير دهشة، إذ تطورت لمسته الأخيرة حتى بلغت دقتها 62%،(3) وتضاعفت مراوغاته الناجحة من 1.1 إلى 2.2 في المباراة الواحدة،(4) واكتسب الثقة في قراراته بمرور الجولات حتى حطّم أرقاما تاريخية مسجلة لأساطير البريمرليغ.

    

خريطة حرارية لصلاح من مباراة العودة أمام واتفورد تكشف التغيير في تمركزه - هوسكورد (مواقع التواصل)

    

هذا جانب واحد فقط من القصة، وهناك جانب آخر لا نلتفت إليه كثيرا. ففي مقابل ذلك التغيير، طلب يورغن من الثنائي الآخر: ماني، وفيرمينو، مهام في الضغط على الخصوم، واستخلاص الكرات لصناعة التحولات الهجومية، بالإضافة إلى تقديم المساندة الدفاعية وقت فقدان الكرة بشكل أكبر من صلاح. والحق أن نجاح الثنائي في تأدية هذه المسؤوليات انعكست بالإيجاب على صلاح نفسه.

    

الشاهد أن كلوب راهن على تعديل تكتيكي معين، وهذا التعديل يقتضي بوضوح أن يتنازل ماني طواعية عن دور الرجل الأول أمام المرمى، وتسند إليه مهام أكبر بعيدا عن مناطق الخطورة، ووافق أن تكون اللمسة الأخيرة وتسجيل الأهداف من نصيب لاعب أتى لتوه للفريق. هذا أمر لا يتكرر كثيرا في عالم كرة القدم، بل إن الشائع هو العكس.

   

الصورة عن قرب

بنهاية الموسم، أصبح صلاح مصدر رعب لأي خط دفاع بأوروبا. كان الجميع يحسد ليفربول عليه، حتى كلوب نفسه خرج قائلا إن فريقه محظوظ بحالة النضج التي يعيشها الجناح المصري. وبذكر الحظ، فجدير بالإشارة أن أبو مكة أيضا محظوظ بليفربول، إذ يحظى بمناخ من الدعم الهائل فنيا ومعنويا.

  

والمؤكد أن ماني كان من أبرز الداعمين لصلاح في موسمه الأول، كيف؟ دعنا أولا نستعرض أرقام الجناح السنغالي على مستوى صناعة الأهداف. فخلال موسم 2017/2018 تمكّن ساديو من صناعة 7 أهداف بالدوري، وهذا بالمناسبة أكبر رقم حققه في تاريخه، الآن حاول تخمين كم منها كان من نصيب صلاح. هدفين مثلا؟ ربما ثلاثة؟ لا بل 6، نعم 6 فرص خلقها ماني وحوّلها زميله إلى أهداف.(5) وهذا ليس برقم قليل على أي حال.

   

  

ثانيا، فتش خلف تصريحات ساديو، وحاول العثور على ثغرة واحدة تؤكد لك الشكوك حول نيّاته. فتارة يصف أداء صلاح بالخرافي، وتارة أخرى يُسأل عن الأسرع بينه وبين المصري ليجيب: أظن أنه صلاح،(6) وتارة ثالثة يشير إلى دور زميله في حسم نتائج المباريات الكبرى، وأخيرا يؤكد رغبته في إنهاء صلاح الموسم الماضي على قمة هدافي البريمرليغ.(7)

  

بصراحة، لا يمكن تجاهل كل ذلك، نحن أمام إحصائيات وتصريحات تنفي شيئا وتؤكد نقيضه. ساديو لم يحاول عرقلة صلاح بشكل متعمد، بل إنه أقر بأفضلية الجناح المصري علانية، وقدم له المساعدة الفعلية داخل الملعب. بالطبع هو ليس ملاكا، لكنه قطعا ليس شيطانا. هذه هي الصورة عن قرب داخل ليفربول، لكن لا أحد ينتبه إليها بالشكل الكافي، والسبب في ذلك هو ما يقودنا للنقطة التالية.

   

صلاح صاحب النادي

مع استمرار توهج صلاح، بدأ الناس يتعاطون مع الموقف بشكل مغاير. إذ تم اختزال الأمر كله في سباق صدارة الهدافين والجوائز الفردية، ولم يعد صلاح لاعبا ينتمي إلى فريق ومجموعة، بل الفريق هو من ينتمي إلى صلاح. وكأن مهمة كلوب ولاعبيه الأساسية باتت تتويج المصري على حساب هاري كين! وهنا ظن البعض أن هناك مسؤولية على الجميع لمساعدة صلاح؛ على فيرمينو أن يخلق له المساحة، وعلى تشامبرلين أن يمده بالكرات، أما ميلنر فينبغي أن يترك له ركلات الجزاء، وطبعا ماني لا بد أن يمرر له دوما، وإن لم يفعل فهو يحاول عرقلة صلاح ولا يحب له الخير.

 

هذا الشعور تعزز خلال ديربي الميرسيسايد أواخر 2017، حيث تمكنت حينها كتيبة يورغن كلوب من الانطلاق بهجمة مرتدة خاطفة. استحوذ ساديو على الكرة، ثم انطلق صوب المرمى رفقة ثلاثة من زملائه بينهم صلاح، كل هؤلاء كانوا في مواجهة مدافع واحد. توقع الكل أن يمرر ماني، لكنه بدلا من ذلك سدد وأهدر الفرصة. بالتأكيد أخطأ ساديو، لكن هل الخطأ كان عدم التمرير لزملائه الذين يمتلكون فرصا أفضل للتهديف؟ أم لأنه لم يمرر تحديدا لصلاح؟

   

  

أيًّا كانت الإجابة، فهذه ليست المرة الأولى أو الأخيرة التي يطمع فيها لاعب خلال هجمة مرتدة، بل هي لقطة تتكرر مع أي فريق مهما كان جماعيا ومنسجما، لكن ردة الفعل عليها كانت أكبر مما تستحق، إذ تعرّض ماني لهجوم عنيف عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي، وقد أخذ البعض يُذكّره بآيات من القرآن الكريم تشير إلى حق المسلم على أخيه المسلم، وربما اتهمه آخرون بمخالفة تعاليم الإسلام وأصبح ساديو من الخوارج!

    

الغريب أن هذه الفرصة لم تؤثر أبدا على أرقام صلاح الفردية، فحتى تلك المباراة كان قد سجل 19 هدفا، أما حصيلة ماني التهديفية فاقتصرت على أربعة أهداف فقط، وتسجيل تلك الفرصة لم يكن ليرجّح كفته على حساب أبو مكة. فلماذا تلك الضجة؟ ببساطة لأن هذه المباراة سبقت بأيام حفل إعلان جائزة أفضل لاعب في أفريقيا والمرشح للفوز به ثنائي ليفربول، وهنا ربط البعض بين ما دار في المباراة وبين الجائزة. الغريب أن ساديو سافر للحفل رفقة صلاح، واحتفل عند إعلان اسمه، وأبدى سعادة صادقة، لكنّ قليلين فقط من انتبهوا.

   

ماني الأناني

الآن دعنا نعود من جديد للعبة الكراسي الموسيقية. هذا الموسم بدأه صلاح بصورة غير موفقة، بصراحة كان معذورا بعد الإصابة الصعبة التي تعرض لها بنهائي التشامبيونزليغ، ثم بعثة المنتخب في رحلة غير موفقة للمونديال، ومشكلة الطائرة التي أقلّت بعثة المنتخب في رحلة غير موفقة للمونديال، وطبعا عشاء الرئيس الشيشاني وتغريدات تركي آل الشيخ وعبقرية مستر كوبر.

  

تسببت هذه الدوامة من المصادفات غير السعيدة بالإضافة إلى ضغوط الصحافة الإنجليزية في انخفاض دقة تصويباته لنسبة 41%، قبل أن تعلو وتصل إلى 49% مؤخرا،(8) بالإضافة إلى وقوعه في مصيدة التسلل أكثر من اللازم. وهنا فكر السنغالي أن الوقت قد حان ليظفر باللعبة فائز جديد. بلا شك نحن نحب أن يكون صلاح نجم فريقه دائما، لكن إذا كان لنا أن نحكم بتجرد ونحيد العاطفة قليلا، فإن رغبة ماني في أن يكتسب تلك المكانة ليست ذنبا بعينه، خصوصا في ظل منظومة ليفربول الجديدة التي استعرضناها، المشكلة تبدأ عندما تدفعه تلك الرغبة لاختيارات قد تضر بفريقه.

     

من الضروري عدم تجاهل كل التفاصيل التي تؤكد أن صلاح ظفر من معاونة ساديو أكثر مما عانى من أنانيته. ولهذا فإنه لا يستحق الكراهية

غيتي إيميجز
    

يعيب ماني قدر غير قليل من الأنانية، في الواقع هو لاعب يحب الاحتفاظ بالكرة تحت قدمه فترة أطول من اللازم، وأحيانا يبدو مستفزا في إنهاء الهجمات، وقد كرر ما فعله سابقا أمام ايفرتون في مواجهة توتنهام هذا الموسم، لكن الأكيد أنه لم يتسبب في فقدان صلاح لصدارة هدافي الدوري هذا الموسم. صلاح خسر الصدارة لأنه أهدر 15 فرصة محققة التهديف،(9) وهذا رقم كبير فعلا لم يهدره أجويرو،(10) أو هاري كين،(11) أو حتى ماني نفسه، ولو سجل الجناح المصري نصف تلك الفرص لحلق باسمه بعيدا. بالمناسبة آخر تلك الفرص كان بمباراة فولهام، حاول تخمين من صنع له الفرصة؟ نعم هو بذاته.

  

وبذكر مباراة فولهام، فمن الموضوعية الإشارة إلى نقطة تكررت هذا الموسم، وهي أن الأنانية ليست حكرا على ساديو، بل إن صلاح نفسه أساء التصرف في أكثر من فرصة أتيحت له، وكان أمامه إمكانية التمرير لزملائه الذين يتمركزون في مواقع أفضل للمرمى، لكنه اختار الحل الفردي وأهدر الفرصة، شاهدنا ذلك خلال لقائي بايرن ميونخ وفولهام.

   

من المفهوم بالطبع أن لا يُغرم المصريون بساديو ماني، هو في النهاية ينافس نجمهم الأول على لقب فردي، لكن من الضروري أيضا عدم تجاهل كل تلك التفاصيل السابقة التي تؤكد أن صلاح ظفر من معاونة ساديو أكثر مما عانى من أنانيته. ولهذا فإنه لا يستحق الكراهية، حتى من ذلك المنظور الذي يختزل كل شيء في الجوائز الفردية.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار