انضم إلينا
اغلاق
كيف كان يمكن للـ "VAR" أن يغير تاريخ كرة القدم؟

كيف كان يمكن للـ "VAR" أن يغير تاريخ كرة القدم؟

أحمد مجدي رجب

محرر رياضة
  • ض
  • ض

"الحكم، إنه الطاغية البغيض الذي يمارس ديكتاتوريته دون معارضة ممكنة. عمله يتلخص في جعل الآخرين يكرهونه؛ الجميع يكرهونه. يصفّرون له على الدوام، ولا يصفّقون له مطلقا. تعوي الحشود مطالبة برأسه منذ بداية كل مباراة وحتى نهايتها. المهزومون يخسرون بسببه، والفائزون يربحون رغما عنه. إنه علة كل الأخطاء، وسبب كل النكبات، ولو لم يكن موجودا لابتدعه المشجعون. وكلما كرهوه أكثر ازدادت حاجتهم إليه"

(إدواردو غاليانو[1])

  

تكاد لا تخلو مباراة كرة قدم من مشهد احتشاد اللاعبين حول حكم المباراة معترضين على قرار ما؛ هدف احتسبه أو لم يحتسبه، ضربة جزاء مطالبين بها أو معترضين عليها، بطاقة حمراء أولى أو صفراء ثانية. ولا يتذكر أحد منا أن الحكم قد قرر التراجع عن قراره بعد نقاش مثمر مع السادة المتجمعين حوله، ثم ظهرت تقنية الفيديو بمنزلة الاستئناف واحتمال تغيير للقرارات المهمة في الساحة الخضراء. ولأن كل قرار يصب في مصلحة فريق هو بالضرورة ضد مصلحة الآخر، فإن الثواني التي تفصل خروج الحكم لمشاهدة الإعادة في الفيديو وبين دخوله لإعلان قراره هي ثواني الدعاء نحو السماء بدعائين متضادين. فماذا لو أن الـ "VAR" ظهر في لحظات قديمة في تاريخ كرة القدم، وماذا لو أن السماء كانت استجابت لأحد الدعائين؟! ماذا لو أن الطاغية البغيض قرر التراجع عن حكمه؟!

  

يد تيري هنري الإلهية

في تصفيات كأس العالم 2010 كان المنتخب الفرنسي يعيد اكتشاف حاله من دون زيدان، وبعد الفشل في تجاوز دور المجموعات بيورو 2008 فشل الفرنسيون في التأهل مباشرة إلى مونديال جنوب أفريقيا، وواجهوا منتخب جمهورية أيرلندا[2] في مباراة الملحق. بعد التعادل في مجموع اللقائين 1-1، احتاجت مباراة العودة إلى الأشواط الإضافية. في الدقيقة 103 من المباراة حوّل تيري هنري كرة طويلة إلى أسيست الفوز نحو زميله ويليام غالاس الذي اقتنص الصعود للبلوز. فقط، جاءت تمريرة هنري بعد لمسة يد واضحة في منطقة جزاء الخصم!

  

  

كانت الـ "VAR" قادرة على الإطاحة بالمنتخب الفرنسي ومنعه من بلوغ مونديال 2010 رغم بلوغه نهائي 2006 أمام إيطاليا. وتاريخ كأس العالم لم يعرف فشل أحد طرفي نهائي البطولة في التأهل إلى النسخة التالية لها إلا في عدد قليل جدا من المرات، كان آخرها في مونديال 1982 الذي لم يتأهل له الهولنديون رغم بلوغهم نهائي 1978.

  

هذه الحادثة أيضا كانت المحرك الرئيسي[3] نحو اهتمام الفيفا بحكم خط المرمى، والذي ظهر بعدها مباشرة لأول مرة في مباريات الدوري الأوروبي موسم 2010 ثم في دوري الأبطال موسم 2011. وربما من دون يد هنري الإلهية لما ظهر حكم الخط أو ربما تأخر ظهوره.

  

ماذا لو أن ليلة إسطنبول لم تقع؟

"لقد تجاوزت الكرة خط المرمى"، هكذا يحسم ستيفن جيرارد الجدل. "لا! لم تتجاوزه، لقد فازوا بهدف غير صحيح"، وهكذا يكرر جوزيه مورينيو رغم مرور السنين. إنها مباراة العودة في نصف نهائي دور الأبطال 2005 بين ليفربول وتشلسي عندما حسم الريدز النتيجة لصالحهم بهدف الإسباني لويس غارسيا. فهل تجاوزت الكرة خط مرمى بيتر تشيك، أم أن ويليام غالاس قد نجح في تشتيتها؟

   

  

الإجابة المنطقية الواضحة هي أنه من المستحيل الحكم، خاصة أن الفيديو الخاص باللقاء لا يوضّح أي شيء، حتى مع تغيير زاوية التصوير. لكن جمهور ليفربول وراء ستيفن جيرارد يقطع بأن الهدف صحيح، ويصفه في مذكراته الأخيرة[4] بـ "الهدف الذي ما زال مورينيو يبكي عليه حتى الآن". وفي الجهة المقابلة، فقد صكّ السبيشال وان مصطلحا جديدا[5] يصف هذا الهدف؛ الهدف الشبح! ويقول ساخرا: "إنه هدف قادم من القمر". أضف إلى ما سبق أن لقطة ضربة الجزاء التي أهدت هدف التعادل لليفربول في نهائي 2005 ما زالت خلافية، ويراها قطاع من الجمهور كغطسة من جيرارد.

  

الـ "VAR" كان يمكنه حرمان ليفربول من لقب أبطال 2005 ومن العودة التاريخية أمام ميلان. وهذا لا يخفض فقط عدد البطولات التي أحرزها الريدز، ولكنه يمحو اللحظة الأهم في العقود الثلاثة الأخيرة للفريق، ويحرم جماهيره من الملحمة الأكثر رومانسية في تاريخهم، والتي ربما زرعت الأمل في عودة الفريق المأمولة منذ موسم 1990 وحتى الآن.

   

ورقة التوت الإنجليزية

جيف هيرست أو السير جوفري هيرست هو الرجل الذي أحرز ثلاثية في مرمى منتخب ألمانيا الغربية في مباراة نهائي كأس العالم [6]1966، والتي من دونها كان منتخب الأسود الثلاثة ليصبح عاريا بلا أي تتويج قاري أو عالميّ. كان يمكن للـ "VAR" أن يلعب دورا في تغيير تلك الحقيقة. فبعد تعادل المنتخبين في النهائي 2-2، ذهبت المباراة للأوقات الإضافية، وفيها أحرز هيرست هدف التقدم للإنجليز. وفي طريق المنتخب الألماني نحو التعديل، أحرز هيرست الهدف الرابع الذي قتل اللقاء، والذي بدأ عداء تاريخيا كرويا بين المنتخبين، إذ إن كرة جيف لم تتجاوز خط المرمى، والهدف كما أوضحت الإعادة كان غير شرعيّ.

   

  

الإنجليز يدّعون أن منتخبهم كان قد فاز بالفعل بعد الهدف الثالث، بينما يرى الألمان أن منتخبهم كان قادرا على العودة وتحقيق كأس العالم الثانية في تاريخهم، وأن تلك المباراة كانت العائق في أن يلحق المانشافت بالبرازيل في قائمة أكثر من حقق كأس العالم بحصيلة 5 كؤوس.

  

الدراما تستمر بعد هذه المباراة عندما يتقابل[7] الألمان والإنجليز بعد مرور أربعة عقود في دور الـ 16 بكأس العالم 2010، وربما من باب العدالة الشعرية لا يحتسب الحكم هدفا صحيحا لفرانك لامبارد في مرمى مانويل نوير، ليتم إقصاء إنجلترا بذات الطريقة، وليقول الألمان إن المباراة انتهت 4-1، فكيف لهدف واحد مُلغى بالخطأ أن يغيّر هذا الفوز العريض؟!

   

هل صنعت كوريا التاريخ؟

هل صنعت كوريا الجنوبية تاريخا جديدا في مونديال 2002؟ الإجابة هي نعم بالطبع؛ فقد كانوا أول منتخب من خارج أميركا الجنوبية وأوروبا يصعد للمربع الذهبي في تاريخ بطولة كأس العالم. هل يستطيع الـ "VAR" سلبهم هذا التاريخ؟ والإجابة أيضا هي نعم بالطبع.

  

بدأ الأمر في مباراة الفريق بدور الـ [8]16 عندما واجه منتخب إيطاليا وكان عامرا بأسماء مثل توتي ومالديني وديل بييرو وبوفون وكانافارو ونيستا. والرواية الإيطالية للمباراة تقوم على أن الحكم الإكوادوري بيرون مورينو قد سمح للكوريين بكل أشكال العنف، وطرد توتي في ضربة جزاء استحقها الأتزوري وسمح لخصمهم بالفوز والصعود لدوري الـ 8. وحتى تلك اللحظة فمن الممكن أن نصف المباراة ونقول إنها خرجت عن سيطرة الحكم، ولكن مباراة كوريا ضد إسبانيا كانت اللقطة التي توقف عندها الكثيرون إلى الآن. الحكاية المعروفة عن الحكم المصري جمال الغندور، والذي ألغى هدفا صحيحا من تسجيل فيرناندو موريينتس بداعي أن الكرة العرضية التي صنعت الهدف كانت قد تجاوزت خط الملعب.

   

  

فازت كوريا الجنوبية في مباراة الـ 16 ولم يشارك الحكم مورينو في أي مباراة تالية في المونديال لضعف أدائه. وفازت كوريا في دور الثمانية بضربات الترجيح وألقت إسبانيا باللوم على الغندور[9]، واتهمته صحيفة آس الإسبانية صراحة بتلقي الرشوة من أجل تسهيل صعود كوريا. والغندور بدوره قال إن الأزمة تسبب بها حامل الراية الذي أخطأ في تقدير الكرة، ولكن الأكيد أن صعود كوريا كان غير مستحق، وأن الـ "VAR" كان ليمنعهم من ذلك السبق.

    

معجزة مدرب الطوارئ

من المرجح أن فلورينتينو بيريز لم يتوقع أبدا هذا النجاح لزين الدين زيدان عندما عهد إليه بمسؤولية الفريق كمدرب مؤقت عقب إقالة رافا بينيتز في موسم 2016. ومن المرجح أيضا أن ريال مدريد لم يكن المرشح الأول للفوز بلقب دوري الأبطال في ذلك الموسم. وكان يمكن لكل شيء أن يتغير لو أن هدف سيرجيو راموس في نهائي البطولة أمام أتلتيكو مدريد أُلغي بسبب التسلل.

   

  

لقد كانت الحالة[10] صعبة بالفعل؛ فموقع راموس أثناء لعب الكرة من توني كروس كان سليما من التسلل، ولكن لمسة غاريث بيل التي سبقت الهدف أوقعت كابتن الريال في التسلل. وهذه الحالة تحتاج إلى الـ "VAR" أكثر من غيرها لأن تغيرات كثيرة وقعت في أقل من ثانيتين من الزمن.

  

ربما لو لم يُحتسب هدف راموس، لما استطاع زيدان تحقيق لقبه الأول غير المتوقع مع الميرينغي. وأغلب الظن أن بيريز لم يكن ليجدد الثقة فيه لموسم آخر، وربما حينها يخسر زين الدين زيدان إنجازه التاريخي كأول مدرب يستطيع تحقيق ذات الأذنين ثلاث مرات متتالية في التاريخ.

  

الحديث عن ريال مدريد يقود للحديث عن برشلونة، والحديث عن خطأ 2016، يقود إلى مباراة البلوغرانا أمام تشلسي في 2009. بعد انتهاء مباراة الذهاب في الكامب نو بالتعادل السلبي، احتاج البلوز إلى أي فوز من أجل الصعود للنهائي، واستطاعوا بالفعل تسجيل هدف السبق في ملعبهم بلقاء العودة، ثم عادل إنييستا النتيجة بهدفه الشهير في الدقائق الأخيرة لتصعد برشلونة غوارديولا إلى النهائي. والأحاديث[11] حول مباراة الذهاب لا تنتهي، إذ إن مخالفات لاعبي برشلونة كانت واضحة، وهناك 4 لقطات يمكن لأي واحدة منهم أن تجلب صافرة الحكم توم هيننغ أوفربو لاحتساب ضربة جزاء تعزز تقدم تشلسي ويفقد حينها هدف إنييستا أي أهمية.

    

  

كان يمكن للـ "VAR" أن يتدخل في أكثر من لقطة خلال تلك المباراة، أكثرهم وضوحا هي لمسة اليد التي ارتكبها جيرارد بيكيه داخل منطقة جزائه.

  

لا يمكن اعتبار غوارديولا مدرب طوارئ بالمعنى المفهوم، ولكنه كان أقرب لتجربة جديدة للكتلان، ويصعب أن يتوقع لأحد أن يفتتح سجله التدريبي بسداسية مع برشلونة. الإنجاز غير المسبوق للفيلسوف مع الكتلان كان يمكن أن يقتصر على ثلاثية محلية، ورغم إمكانية اعتبار ذلك بداية أكثر من موفقة، فإنها بالطبع أقل مما حدث. ومن غير السداسية يمكن للكثيرين أن يرفضوا كل الآراء التي ترى غوارديولا واحدا من أفضل مدربي التاريخ، أو الآراء التي ترى برشلونة 2009 واحدا من أكثر فرق التاريخ جودة.

  

أغلب الظن أيضا أنك عزيزي القارئ تبحث الآن عن يد مارادونا الإلهية[12]. لكنك، وحتى وإن لم تكن متابعا جيدا لكرة القدم، فأنت تعرف حكاية مباراة الأرجنتين وإنجلترا في مونديال 1986، والهدف الذي أحرزه مارادونا بيده في الحارس الإنجليزي بيتر شيلتون، والحكم علي بن ناصر الذي احتسب الهدف. في الغالب أنتَ تعرف الحكاية. ولكن، لو لم يفز مارادونا بكأس العالم؟ لو أن الـ "VAR" كان هناك؟ هل كان ذلك ليغيّر كلية من نظرة الجماهير الأرجنتينية لليونيل ميسي؟ هل كانت الجماهير لترضى عنه؟ هل كان ليفوز في المقارنة مع مارادونا لو أن كليهما لم يفز بكأس الذهب؟

تقارير متصدرة


آخر الأخبار