انضم إلينا
اغلاق
صعود أياكس وعودة هولندا وآخر ومضات كرويف العبقرية.. نكسة بوسمان

صعود أياكس وعودة هولندا وآخر ومضات كرويف العبقرية.. نكسة بوسمان

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

نحب الهولنديين ولسنا منهم، ربما لأنهم اتخذوا البرتقالي لونا مفضلا، ربما يعجبنا إصرارهم على التمسك بمبادئهم رغم الفشل المتكرر في الأمتار الأخيرة، أو لعله بسبب الفشل المتكرر في الأمتار الأخيرة نفسه، والذي جنّبهم عداوة قطاع كبير من جمهور الكرة كان سيستغل وقته في محاولة هدم نجاحاتهم وألقابهم انتصارا لانتمائه، ثم لم يجد الكثير ليهدمه فقرر التعاطف معهم.

 

هذا التقرير، والذي يمثل الجزء الأول من سلسلة تقارير تتناول قصة الارتباط بين أياكس وهولندا وعلاقتهما بعبقرية كرويف، ليس عن أسباب التعاطف العالمي الذي يناله الهولنديون، ولا حتى عن أسباب الفشل المتكرر في الأمتار الأخيرة، رغم أنه أمر يستحق البحث فعلا، ولكنه عن سبب اختفاء تلك الحالة برمتها في السنوات الماضية، حالة الكرة الهولندية التي طالما أثرت مجتمع كرة القدم، وعن سبب تحوُّل الفشل في الأمتار الأخيرة إلى غياب عن السباق من الأصل، وبالطبع عما إذا كانت الانتصارات الصغيرة الجديدة مؤشرا على عودة هذه الحالة مجددا أم لا.

 

عودة إلى المستقبل

أنت ربما تعرف بداية القصة؛ أياكس يعاني وهولندا ليست على الخريطة أساسا، ثم يحضر اللاعب الهولندي راينوس ميتشلز في منتصف الستينيات ويغير كل شيء. رجل صارم قاسٍ شديد التمرد والثورية، ورغم ذلك ينسجم على الفور مع شخصية تحمل الكثير من الغرور والعجرفة ككرويف، ويقود الثنائي أياكس للقب الدوري الأول منذ 5 سنوات في موسم البداية، ثم يعقبانه بثلاثة ألقاب أخرى ومثلها للكأس، وفي نهاية الستينيات يصل أياكس لنهائي أول بطولة أوروبية كبرى في تاريخه بعد أن أكّد سيطرته المحلية، ولكنه يخسر لصالح فينورد، ثم ينطلق بعدها لحصد ثلاث كؤوس متتالية للبطولة نفسها. (1)

      

      

منذ ذلك الحين استمرت النجاحات الهولندية على الساحة القارية على الأقل، وحتى في السنوات التي لم ينافس فيها الهولنديون على الألقاب كانت تشهد وجودهم كرقم صعب في المعادلة؛ أولا أتت السبعينيات الذهبية، ثم عقبها ثمانينيات أقل سطوعا، وصولا لعودة أياكس للقب الأوروبي الأقوى في منتصف التسعينيات مع فان خال، ثم خسارة اللقب في النهائي التالي لصالح يوفنتوس بركلات الترجيح، وبعدها كان على الهولنديين أن ينتظروا حتى 2010 ليحظوا بفرصة حقيقية للفوز بلقب دولي جديد، اللقب الذي طالما انتظروه ولعب دورا في تحديد موقعهم من المنتخبات الكبيرة، أو ما تسبّب في تعريفهم لاحقا بـ"أفضل منتخب لم يفز بكأس العالم" كما ينص الكليشيه. (2)

      

الآن دعك من كل ذلك ولنعد إلى الحاضر؛ أقرب نجاح حققته هولندا كان منذ 5 سنوات فقط عندما وصلت إلى نصف نهائي مونديال 2014، وهي فترة ليست بالطويلة أبدا على مستوى المنتخبات، ولكن هذا الإنجاز، ورغم كونه مستحقا، لم يكن معبرا عن واقع الكرة الهولندية فعلا، بل كان أشبه بالضربة الأخيرة لملاكم يكاد يفقد وعيه، استجمع خلالها كل ما تبقى من قواه لعله يفوز بالنزال، وطبعا نحن نعلم كيف انتهى الأمر.

     

قبل المونديال بعدّة أشهر، وتحديدا في مارس/آذار 2014، نشر الموقع الدولي للتأريخ والإحصاء تقييمه السنوي للدوريات المحلية في الكوكب، وطبقا لما تم جمعه من معلومات كانت المسابقة الهولندية تقع في المركز الحادي والعشرين على العالم. هذا يعني أن دوريات أوروبا القوية لم تعد المشكلة الأكبر، لأن الـ20 الذين سبقوه في الترتيب تضمنوا دوريات مثل الشيلي والمكسيكي، ناهيك بصغار الدوريات الأوروبية كبلجيكا وتركيا والبرتغال، والمصيبة أن التقييم السابق للمؤسسة نفسها في 2013 كان قد شهد تصنيف المسابقة الهولندية الثامنة في العالم من حيث القوة، وهذا كان أكبر تراجع حدث لأحد المصنفين الـ50 الأوائل. (3)

     

كرة الثلج

  

على عكس ما قد تُظهره الصورة الإعلامية أحيانا، فإن تراجع بلد كهولندا كرويا بعد عقود من الابتكارات التكتيكية والمواهب الفذة لا يتم فجأة، ولا يُقيّم من خلال الغياب عن بطولة كبيرة مثل يورو 2016 أو مونديال 2018، بل على الأرجح يكون الأمر أشبه بالمد والجزر؛ موجة تنحسر خلال عدة سنوات ثم لا يدرك الناس حجم الأزمة إلا عندما تجف الرمال.

 

هذا هو ما حدث هنا، عندما كان أياكس فان خال المكدس بالمواهب يتفوق على ميلان كابيلّو الرهيب في نهائي دوري أبطال 1995، كانت كرة الثلج على وشك السقوط في مكان آخر تماما، مكان لم يكن أحد يتخيل أنه سيؤثر على الكرة الأوروبية والعالمية بهذا الشكل. (4)

 

جان-مارك بوسمان كان لاعب وسط بلجيكيا مغمورا ينشط في صفوف لييج، أو لا ينشط بالأحرى لأنه لم يلعب كثيرا خلال سنتي عقده. المهم أنه أراد الرحيل لدانكيرك في الدرجة الثانية الإنجليزية، وفي ذاك الوقت كان القانون يسمح للييج بمنعه من الرحيل ما لم يدفع ناديه الجديد مقابل الانتقال المطلوب، وحتى لو كانت مدة عقده قد انقضت كاملة، لذا فشلت الصفقة برمتها عندما طالب لييج دانكيرك بمبلغ يفوق قدراته بكثير، وبعدها عاد بوسمان للتدريبات محبطا ليكتشف أن راتبه قد تم تخفيضه بنسبة 75% كعقاب على تمرده. (5) (6)

  

   

قام الرجل بالشيء الوحيد الذي يمكنه القيام به، وبعد خمس سنوات كاملة من المعارك القضائية ضد النادي والاتحاد البلجيكي، خرج "قانون بوسمان" للنور في 1995، مانحا الحق لكل العاملين في أوروبا بحرية التنقل بعد انتهاء عقودهم. الآن يبدو الأمر بديهيا بعد ما يفوق 20 عاما على الحدث، ولكن يمكنك تخيل الأثر الذي تسبّب فيه القانون على كرة أوروبا؛ ببساطة انتقلت القوة من أيدي الأندية إلى أيدي اللاعبين، وبدأت ظاهرة الوكلاء في الطفو على السطح.

  

الأهم كان التخلص من قاعدة 3+2 التي كانت سارية قبل صدور القانون؛ كل نادٍ كان ممنوعا من إشراك ما يزيد على ثلاثة أجانب في قائمته عندما يلعب أي مباراة أوروبية، بالإضافة إلى إجباره على تضمين اثنين من ناشئيه الذين تطوروا في أكاديميته، وبعد واقعة بوسمان أُعيد تعريف "الأجانب" ليصبحوا اللاعبين من خارج الاتحاد الأوروبي، وحينها باتت أوروبا أمام واقع جديد؛ واقع يسمح لأي لاعب بالرحيل مجانا عند نهاية عقده، ولا يضع حدا أقصى للأجانب في تشكيلة أي فريق، والنتيجة انفجار حقيقي في الانتقالات. (7)

 

تأثير الفراشة

بدأت كرة الثلج في التدحرج لتُطلق متوالية من التوابع؛ قبل القانون كانت سلطة الأندية شبه المطلقة على لاعبيها هي حائط الصد الأخير أمام هجمات عمالقة المال من إيطاليا وإنجلترا وإسبانيا، وبعد بوسمان تعرّى صغار أوروبا تماما وأصبحت أنديتهم مجرد خطوة على الطريق نحو ما هو أكثر. يمكنك أن تلوم بوسمان والقانون ولكنك تعلم أن الوضع لم يكن عادلا، وإن كان هناك ما يستحق اللوم فهو جشع مسؤولي لييج الذين تعاملوا مع الرجل على أنه سلعة لا أكثر. المفارقة أن بوسمان نفسه كان أقل من استفاد من القانون منذ تم إقراره، ودخل في حالة من الاكتئاب وإدمان الكحول بعد أن شاهد القانون يطيح بالعديد من الأندية خارج المعادلة، لأنه بحسب عدة لقاءات أجراها بعدها، لم يكن هذا هو هدفه الأصلي إطلاقا، ولكن الفراشة كانت قد حركت أجنحتها بالفعل، والفارق الوحيد أنها لم تكن فراشة، بل كان تنينًا.

    

"ما زلت بانتظار الشكر من الجميع.. رونالدو، بيكام، ماكمانامان.. كلهم"

(جان-مارك بوسمان في حوار مع سكاي – ديسمبر/كانون الأول 2015) (6)

      

  

كل شيء أصبح قابلا للتفاوض، لأن بيع اللاعب ببضعة ملايين أفضل من خسارته مجانا في نهاية عقده، وأصبحت السلطة المطلقة في أيدي من يستطيعون دفع الرواتب الأعلى أو مقابل الانتقال الأكبر، ومن يستطيعون دفع الرواتب الأعلى هم من يحصدون الأرباح الأعلى بالبديهة، وهنا تلقت كرة هولندا الضربة الموجعة الثانية، ليس فقط لأن عددا من أبرز نجومها قد رحلوا مجانا، بل لأن الوضع الجديد كان يعني أن القارة بأكملها قد دخلت في دائرة مفرغة؛ الأندية التي امتلكت المال وقت إقرار القانون قد ضمنت استقدام النجوم الكبار، والنجوم الكبار ضمنوا مزيدا من النجاحات ومزيدا من الأموال بالتبعية، والعكس بالعكس مع باقي الأندية التي أصبح اضمحلالها مسألة وقت.

   

انتهى العصر الذي كانت تفوز فيه أندية مثل مارسيليا والنجم الأحمر ونوتنغهام فورست وأستون فيلا وستيوا بوخارست وهامبورغ بدوري أبطال أوروبا، لأنها لم تعد قادرة على الاحتفاظ بنجومها لفترة كافية تسمح بتحقيق إنجاز مشابه، وبالطبع تبعهم أياكس وفينورد وآيندهوفن وأمثالهم، ومع دخول الإنترنت تضاعفت المساحات التي يغطيها الكشّافون لعشرات المرات ولم يعد هناك مكان للاختباء. القانون كان ظالما ولكنك لا تستطيع أن تنكر أن الكرة الأوروبية كانت أكثر ثراء وتنافسية بوجوده. (8)

 

الخطوة التالية كانت أن تبدأ هذه الأندية في البحث عن بدائل سريعة تبقيهم أحياء في المنافسات القارية، وأحد أهم الموارد لتحقيق ذلك كان حقوق البث التي بدأت في الدخول على الخط بين منتصف الثمانينيات والتسعينيات، ولكن فجأة اكتشف الهولنديون أن تعدادهم لا يتجاوز 17 مليون نسمة مقابل 64 للإنجليز و66 للفرنسيين و80 للألمان و61 للطليان و48 للإسبان. تعداد أعلى يعني مشاهدات أكثر، والباقي سهل التخيل. (5) (9) (10)

     

   

الآن يقع الدوري الهولندي في المركز التاسع أوروبيا من حيث قيمة عقد البث التلفزيوني، ونسبيا لا يعد الأمر بهذا السوء نظرا لتعداد الدول التي تسبقه في الترتيب، ولكن في المطلق، القصة كلها ليست أكثر من مزحة سخيفة، مزحة يصعب استيعابها فعلا، لأنه في 1995 عندما تم إقرار القانون كان البريميرليغ يحصل على 191 مليون باوند سنويا، وهذا الرقم تضاعف 27 مرة تقريبا ليصل إلى 5136 مليون باوند في 2019، بينما تبلغ قيمة ما تحصل عليه أندية هولندا مجتمعة الآن 70 مليون باوند، أي نصف ما كانت أندية إنجلترا تحصل عليه منذ ربع قرن، وأقل مما يناله متذيل الترتيب في البريميرليغ حاليا، وفي تصنيف أصدرته فوربس منذ عدة أعوام كان الدوري الهولندي يلي دوريات مثل الأميركي والروسي بفوارق بسيطة، أما دوريات مثل البرازيلي والتركي فتفوقه بخمسة وستة أضعاف القيمة! بالمناسبة، نحن نتفهم شعورك بالحاجة إلى مراجعة بعض الأرقام في هذه الفقرة لأنها عسيرة التصديق فعلا. (11) (12) (13)

       

     

     

ثم تنتكس

ما المشكلة؟ حسب علمنا لم يكن قانون بوسمان مقصورا على الدوري الهولندي فقط، بل أضر بالجميع في أوروبا باستثناء حفنة دوريات يمكن عدّها على أصابع اليد الواحدة، وهناك دول اختفت من على خريطة المسابقات المحلية ورغم ذلك تمكّنت من تكوين منتخبات تنافسية عبر لاعبيها المحترفين، بل يمكننا القول إنها استفادت من القانون على نطاق واسع، وخرجت العديد من مواهبها في سن صغيرة لدوريات أقوى بعد أن منحها بوسمان حريتها، وهو أمر لم يكن ليحدث لو كانت أنديتها المحلية ما زالت تحتفظ بالسلطة نفسها وتتحكم في مصائر لاعبيها الشباب.

   

هذا كان حال البرازيل والأرجنتين على طول الدهر، قبل بوسمان وبعده، ببساطة لأنه لم ينطبق عليهم أصلا، وكذلك كرواتيا والبرتغال في بعض الفترات، بل وفرنسا نفسها التي أصبحت قوة منتخبها وتنوع مواهبه تتناسب عكسيا مع تنافسية دوريها في السنوات الأخيرة، وطبعا المثال الأهم على الإطلاق في هذا الصدد؛ الجار بلجيكا، المنتخب الذي أصبح ثالث التصنيف الآن بعد ألمانيا وفرنسا بفضل مشروع مدروس على مستوى الناشئين والقواعد، صارت بفضله ثاني مصدري المواهب في أوروبا بعد فرنسا. (14) (15)

   

المشكلة أن ضواحي أمستردام ليست مكدسة بكم المهاجرين الرهيب الذي تتلقاه باريس كل عام، وعقول هولندا لم تعد تملك مشروعا حقيقيا لتنفّذه على مستوى القواعد كبلجيكا، وشوارعها ليست مكتظة بالمواهب مثل الأرجنتين والبرازيل. في الواقع، أحد أسباب تزايد الحصص التدريبية في مراحل الناشئين في أوروبا هو أن كرة الشارع انقرضت تقريبا. نعلم أن كل ما سبق قد يكون مفاجأة ضخمة بسبب ما تسمعه عادة عن أكاديميات هولندا العظيمة ولكنها الحقيقة. مشروع كرة القدم الوحيد الذي نفّذته هولندا في القرن الحالي هو مشروع التحول لدولة عربية من العالم الثالث، وبالخصائص المعتادة نفسها؛ المحسوبية والواسطة وضيق الأفق وتفضيل الثِّقات على الكفاءات، وطبعا كل ذلك كان يتم تحت العنوان الكبير الذي لا غنى عنه في مثل هذه الحالات؛ الحنين إلى الماضي.

       

   

الأزمة هنا مركبة؛ شقها الأول أن أغلب المواهب التي ينتجها قطاع الناشئين في الـ "Eredivisie" صارت تتعطل بمجرد تصعيدها إلى الفريق الأول، و"تتعطل" هنا لا تعني أنها تخفت أو تكف عن التألق، بل العكس تماما، تتوهج بشدة في ظل ضعف باقي المنافسين وعجز الهولنديين عن اجتذاب مواهب الصف الثاني والثالث لدوريهم بانتظام، الكرة الهولندية كلها صارت أشبه بمجموعة من السلاحف في سباق سرعة، والجميع صار يفضل الانتقال إلى نادٍ يصارع الهبوط في إنجلترا أو إسبانيا على أن يلعب لآيندهوفن أو فينورد أو أياكس ناهيك بنوادي الوسط والمؤخرة، ببساطة لأن هذه الأندية قادرة على منح رواتب أكبر وفرصة أفضل للعرض على كبار القارة، بل وحتى الشباب المغمورون صاروا يفضلون عرض مواهبهم في البرتغال وبلجيكا عن هولندا، كون الثنائي أصبحا من أهم الأسواق في السنوات الأخيرة. (16) (17)

   

يمكننا أن نسود مجلدا كاملا من أسماء هؤلاء الذين توقع لهم الجميع مستقبلا باهرا في أوروبا بناء على عروضهم في هولندا، ثم فشلوا في إثبات أحقيتهم بكل ذلك عندما انتقلوا للمستوى الأعلى من المنافسة، أو لم ينجحوا في الانتقال للمستوى الأعلى من المنافسة أصلا؛ يوردي كلاسي، دافي كلاسين، مارسيل يانسين، أنور الغازي، ماركو فان خينكل، غريغوري فان دير فيل، ريتشدلي بازوير، وإذا عدت بالزمن عدة سنوات ستتذكر إبراهيم أفيلاي، وآندي فان دير مايده، وجون هيتينغا، وفان أنهولت، وغيرهم. لا نهاية لهذه القائمة، وكل موسم يضاف لها عدة أسماء جديدة حتى تعلّم الجميع ألا يثقوا في منتجات الدوري الهولندي، الطرف الوحيد الذي لم يعِ هذا الدرس بعد هو الهولنديون أنفسهم. (18) (19)


يتبع بالجزء الثاني..

المصادر

تقارير متصدرة


آخر الأخبار