انضم إلينا
اغلاق
صعود أياكس وعودة هولندا وآخر ومضات كرويف العبقرية.. الكرة الفاشلة

صعود أياكس وعودة هولندا وآخر ومضات كرويف العبقرية.. الكرة الفاشلة

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

نستكمل في هذا التقرير ما بدأناه في الجزء الأول من سلسلة تقارير صعود أياكس وعودة هولندا وآخر ومضات كرويف العبقرية. بداية يمثل تاريخ أكتوبر/تشرين الأول 2017، تاريخا مهما، فعقب الخروج المهين من تصفيات مونديال روسيا، كتب مايكل كراتشلي في الإندبندنت عن "الجيل المفقود" في الكرة الهولندية؛ الجيل المولود بين منتصف الثمانينيات وأواخرها، أي المجموعة التي فازت بمونديال 2007 للاعبين تحت 21 عاما، والتي كان من المفترض أن تتسلم الراية من الحرس القديم أمثال فان بيرسي وروبن وشنايدر، لأنه فقط 11 من إجمالي هذه القائمة التي بلغت 30 لاعبا قد نجح في اللعب للمنتخب الأول، وفقط ريان بابل لاعب ليفربول السابق كان في تشكيلة أدفوكات لمباراة السويد المشؤومة، خاصة أن أفضل لاعبي هذا الجيل ولاعب البطولة رويستن درينثي كان قد اعتزل في مطلع 2017 ليبدأ مسيرة أخرى أقل علاقة بكرة القدم كمغني راب(2)

  

المتهم الأول هنا هو أياكس طبعا، لأنه لم يقم بدوره التاريخي المعتاد في تغذية الفريق الوطني بالمواهب، ولم يعد الأورانجي يمتلك أي مدافعين متميزين سواء أجادوا التمرير أم لا، وأصبح المنتخب ساحة للتجارب وعرض المواهب من باقي أندية هولندا، وهو ليس أمرا سيئا بحد ذاته، ولكن أكبر عيوبه أنه افتقد للهوية التكتيكية والخططية التي طالما فرضها لاعبو أياكس على القميص البرتقالي.

  

مع الوقت تحوّلت هولندا إلى فريق الفرديات، الجميع ينتظر مراوغة من روبن أو لحظة عبقرية يسمح بها مزاج فان بيرسي، وخط الوسط شهد أكبر كم ممكن من التجارب في محاولات يائسة للبحث عن توليفة تُمثّل هوية الكرة الشاملة وتحفظ لهولندا كبرياءها الخططي والتكتيكي. على سبيل المثال؛ عدد لا بأس به من التحليلات يجزم أن لاعبا كروبن لم يكن ليجد مكانا في منتخب هولندي منضبط تكتيكيا، لأنه -على الرغم من إمكانياته الخارقة- يحمل كل العيوب الذهنية التي يجاهد الهولنديون لتجنبها في المراحل السنية المبكرة؛ الفردية والميل للمراوغة وضعف التمرير والمساندة الدفاعية وقلة الثقة في زملائه والتمرد على تعليمات المدرب، بل إن أحدهم تجرأ على القول بأن كرويف كان ليطرده من المران الأول لو كان مدربا للمنتخب. (1)

    

    

أحد توابع زلزال روسيا 2018 كان اجتماعا بين المديرين الرياضيين لما يُعرف بالثلاثة الكبار في هولندا؛ مارك أوفرمارس من أياكس، ومارتن فان خيل من فينورد، ومارسيل براندز من آيندهوفن، والتشخيص الذي خرج به الأخير كان افتقاد اللاعبين الهولنديين لما أسماه بعقلية الفوز: "نحن نطور العديد من اللاعبين الأذكياء المتمرسين تكتيكيا، ولكننا نحتاج إلى التحسن بشكل كبير على مستوى الروح الانتصارية. لقد كنت في البرتغال مؤخرا وشاهدت تدريبات الناشئين في بورتو وبنفيكا وسبورتينغ، والأمر هناك مختلف تماما. هناك كل شيء يتمحور حول تحقيق الفوز، على العكس من هنا؛ نحن نمتلك 80% من الاستحواذ ونلعب بشكل جيد، وهذا رائع، ولكنه ينتهي عادة بالخسارة 1-0". (3)

  

هذه نقطة مهمة للغاية؛ كون العالم المثالي الذي يعيش فيه الهولنديون هو مصدر نعمتهم ونقمتهم في آن واحد، هو ما يجعل كرتهم بهذه الجاذبية لدرجة سعي باقي الدول كإسبانيا وألمانيا وبلجيكا لاستنساخها وتبنيها وتطويرها، وهو أيضا نقطة ضعفهم التي تجعلهم معرضين للهزيمة في أصعب المواقف وأكثرها حسما. كل ما ينبغي لخصومهم فعله هو أن يتحلوا بقدر من الانتهازية، ألا يروا اللعبة بالمنظور نفسه الذي يراها به الهولنديون.

  

نقطة مهمة للغاية ولكنها لا تفسر الفشل في التأهل لليورو والمونديال، وحتى إن أضفنا لها فقر المواهب، لأن الخسارة أمام بلغاريا تحتاج إلى ما هو أكثر من ذلك بكثير، والأهم، أنه يصعب إرجاعها لسبب واحد فقط، خاصة إذا كان هذا السبب قد قيل في اجتماع هيستيري متسرع بعد الكارثة بأيام، ولم يكن هدفه معالجة المشكلة بقدر البحث عن تفسير مُرضٍ للجماهير يلقي باللوم نحو طرف هلامي يصعب الإمساك به.

  

إذا أردت شيئا بشدة

في مارس/آذار 2016 سُئل داني بليند مدرب الأورانجي وقتها عما إذا كان ينبغي له أن يبذل مزيدا من الجهد لضم حكيم زياش للمنتخب، وحينها لم يمتلك سوى إجابة غامضة عن أدوار المغربي الأصل في الملعب، وكونه أقرب إلى مهاجم ثانٍ منه إلى صانع لعب صريح، وحقيقة أن هناك لاعبين أفضل منه في هذا المكان، وبينما كان يشرح وجهة نظره، أتى صوت مساعده ماركو فان باستن من آخر صفوف القاعة قائلا للمراسل إن زياش قد اختار ما أملاه عليه قلبه، وبالتالي عليه أن يسأله. (3)

         

المدرب داني بليند (رويترز)

     

الآن حاول استخراج الأسئلة الملحة من العبارة السابقة؛ 1- لماذا يصبح لاعب شاب، مغربي الأصل، عمره 22 عاما فقط، ويلعب في تفينتي آنذاك، هو أمل المنتخب الهولندي؟ 2- ما الذي قدمه فان باستن طيلة مسيرته التدريبية ليتولى تدريب المنتخب لمدة أربع سنوات، ثم يدرب عدة أندية هولندية قبل أن يعود للمنتخب مرة أخرى كمساعد لمدرب مثل داني بليند؟ 3- من هو داني بليند أصلا؟

  

الإجابة: 1- لأن هولندا لم تعد تملك أي خطة طويلة الأمد لتطوير مواهبها الشابة، أنت صرت تعلم ذلك الآن. 2- فان باستن لم يقدم شيئا يُذكر يستحق عليه أن يحصل على رخصة التدريب أصلا، ناهيك بقيادة المنتخب وعدد من أكبر أندية هولندا. 3- داني بليند هو واحد من عظماء جيل الثمانينيات، وأحد المخضرمين الذين لحقوا بكتيبة فان خال الفائزة بلقب دوري أبطال أوروبا عام 1995، وإن كنت تنتظر اللحظة التي سنخبرك فيها بالمؤهلات التي جعلته مدربا فلقد فعلنا ذلك للتو. (4) (5)

  

هذا هو الشق الثاني من الأزمة؛ أنك إن نجحت في المرور من عشوائية الأكاديميات وغياب التخطيط وفقر المواهب، واستطعت تكوين منتخب أو فريق تنافسي رغم كل ذلك، فإنك ستصطدم بإيمان هولندا العميق أن كل ما تحتاج إليه هو لاعب سابق من الأجيال الذهبية ليقود هذا الفريق، حتى وإن كانت هذه تجربته الأولى، حتى ولو لم يكن مؤهلا لتدريب فريق الحي. حالة مستعصية من الهوس بالماضي كما وصفتها الغارديان. (3)

  

بعد هذه الواقعة بشهرين بالضبط خرج فان باستن ليتساءل أي درجة من الغباء يجب أن يكون عليها لاعب كزياش ليُفضّل المغرب على هولندا، وبغض النظر عن كم الانحطاط وانعدام الاحترافية الذي تحمله العبارة، فإن ما يعنينا في هذا السياق هو أوهام العظمة التي لا تملك سندا في الواقع، لأنه بعد عامين سيتكرر مشهد مشابه مع سفيان المرابط، والذي سيتبع زياش لتمثيل المغرب في المونديال تاركا الهولنديين -وعلى رأسهم فان باستن- ليشاهدوا البطولة من منازلهم.

    

   

بالمناسبة، هذه الحالة من السيولة، والتي تسمح لمساعد مدرب باعتراض حديث مديره أثناء مؤتمر صحفي، ليست جديدة على الكرة الهولندية. في 1981 مثلا، وبينما كان أياكس متأخرا في النتيجة أمام تفينتي، قام كرويف من المدرجات، وكان يتولى دورا إداريا غامضا وقتها كعادته، ثم اخترق الصفوف حتى جلس بجوار المدرب ليو بنهاكر على الدكة، وأخذ يطلق التعليمات يمينا ويسارا ويقوم بالتغييرات التكتيكية في الملعب، وفي 2004 عندما كان كومان يدرب أياكس، كان لويس فان خال، المدير التقني للنادي آنذاك، يعتاد الوقوف على الخط أثناء التدريبات، مانحا ملاحظاته للجميع بما فيهم كومان نفسه. (6)

  

الكفتة الشاملة

تلك كانت البذرة الأولى للفوضى المستمرة حتى اللحظة؛ أن يُمنح المدربون واللاعبون السابقون حظوة ما بناء على إنجازاتهم وعلاقاتهم الشخصية وقدرتهم على التأثير، ثم تحوّل الأمر إلى كارثة متكاملة الأركان عندما بدأت نماذج مثل فان باستن تعتبر نفسها جديرة بذات الحظوة رغم أنها لا تمتلك عُشر خبرة أو عقل أيٍّ من فان خال أو كرويف، والسبب الوحيد لوجودهم في الصورة أصلا هو إنجازات حققوها كلاعبين.

  

هولندا لم تتعلم شيئا على الإطلاق من مشهد فان باستن القميء، بل بعدها بعامين كان هناك أمر مشابه على وشك الحدوث حينما كان خوليت مساعدا لأدفوكات في المراحل الأخيرة من التصفيات عقب إقالة بليند؛ قام خوليت بتسجيل فيديو لحسابه في تويتر من غرفة الملابس، وعلى الرغم من غضب أدفوكات من خرق اللوائح فإنه التمس العذر للرجل بلا مبرر على الإطلاق، بل وبعدها بشهر واحد كان يرشحه لخلافته في تدريب المنتخب لسبب وجيه جدا جدا هو أن لاعبي فرنسا توجهوا لتحيته عقب اللقاء بكثير من الاحترام والإجلال، طبعا بعد أن فرغوا من سحق فريقه برباعية نظيفة. (3)

         

  

تصريح أدفوكات وقتها كان معبرا بشدة عن هذه الحالة من الخلط الأبله المتعمد: "أحيانا تنسى هولندا كم كان خوليت عظيما". طبعا "عظيما" هنا لا تشير إلى خوليت المدرب، وطبعا أدفوكات يعلم ذلك تمام العلم، لأنه باستثناء الحصول على كأس يتيمة مع تشيلسي منذ 20 عاما وتأليف كتاب ركيك نوعا وافتعال معركة أدّت إلى إجلاس آلان شيرر -الهداف التاريخي للبريميرليغ- على الدكة في نيوكاسل، فإن خوليت لم ينجز الكثير بعد اعتزاله اللعب. (7) (8) (9)

  

واحد ممن أثارت هذه الحالة من "الكفتة" التدريبية غضبهم كان روبرت ماسكانت مدرب بريدا وفيليم السابق وأحد المغمورين الذين لم يُمثّلوا المنتخب إبان لعبهم، وبعد واقعة خوليت تحدث لإحدى الصحف المحلية عارضا المشهد من الجهة المقابلة: "حين بدأت العمل قلت لنفسي إنني لم أحظَ بمسيرة لامعة كلاعب، لذا فأنا بحاجة إلى دخول عالم التدريب مبكرا، لأنه في الوقت ما بين سن الـ42 والـ50 سيبدأ النجوم السابقون مثل دي بور وفان برونخورست وكوكو في العمل، وحينها سيسبقون الجميع للمناصب الجيدة بسبب بريق أسمائهم، ولكن كل ما بذلته من جهد قبل أن يحدث ذلك قد ذهب أدراج الرياح، لأن الخبرة لم تعد من متطلبات الوظيفة في هولندا. بدأ الأمر بتولي فان باستن مسؤولية المنتخب بلا خبرة تُذكر، ومن حينها لم يعد المرء يبني مسيرته في التدريب ليحصل على وظيفة كتلك، بل ينتظر حتى تجده الوظيفة بلا جهد منه". (3)

     

المدرب روبرت ماسكانت مدرب بريدا وفيليم السابق (رويترز)

     

النتيجة؟ الهوس بالماضي أنتج مجموعة من المدربين الذين تنحصر فكرتهم عن الكرة الشاملة في خطة 4-3-3 والاستحواذ، وبعد أن كانت هولندا أحد المراجع التكتيكية في اللعبة صار مدرّبوها على حافة الانقراض، لدرجة أن عددهم في الدوريات الخمس الكبرى لم يتجاوز 3 عند أي لحظة من السنوات القليلة الماضية، ناهيك بالانطباع الذي تركته أغلب تجاربهم الأخيرة، والذي ستكفيك العودة ليونايتد فان خال أو إنتر دي بور لتتذكره.

  

فقط اسمان لم يخضعا لهذه القاعدة خلال السنوات الأخيرة؛ أولهما هو بيتر بوش الذي وصل لمقعد المدرب في أياكس رغم أنه لم يتمتع بعلاقات وطيدة مع صناع القرار، ولم يكن لاعبا مشهورا، بل ولم يُمثّل المنتخب إلا في ثماني مباريات، وحينها نجح في قيادة أياكس لنهائي اليوروبا ليغ ليخسر أمام يونايتد مورينيو، ثم انطلق نحو تجربة أكثر كوميدية مع دورتموند قبل أن يبدأ في إعادة اكتشاف نفسه مع ليفركوزن حاليا. الثاني هو إيريك تين هاغ الذي خلفه في المقعد نفسه ويستعد الآن لمواجهة يوفنتوس الشهر القادم بعد أن أطاح بحامل لقب البطولة الأوروبية الأقوى، وهو أيضا لم يمتلك أي حظوة سابقة ولم يكن من الوجوه الجماهيرية في هولندا قبل تعيينه. المشترك الوحيد بين الثنائي هو ولاؤهما التام والكامل لأفكار كرويف، وهذا ما يقودنا للفصل التالي من القصة.

 

يتبع بالجزء الثالث..

آخر الأخبار