انضم إلينا
اغلاق
ماوريسيو بوتشيتينو.. نحو إنصاف غوارديولا المهمشين

ماوريسيو بوتشيتينو.. نحو إنصاف غوارديولا المهمشين

أحمد أباظة

محرر رياضة
  • ض
  • ض

فوز تاريخي وغير متوقع حققه ماوريسيو بوتشيتينو مدرب توتنهام هوتسبر على غريم لطالما تقاطعت الطرق بينهما، بيب غوارديولا مدرب مانشستر سيتي في ربع نهائي دوري أبطال أوروبا. وحده القدر وضع الثنائي الأكثر تعرضاً للتقليل الجماهيري وجهاً لوجه، ووحده القدر نصف أحدهما دون الآخر في تلك الليلة، فبين ابن بييلسا وابن كرويف، بين الفاشل الذي لا يفوز بالألقاب والفاشل الذي لم يحقق الرباعية، هناك الكثير مما تم اختزاله..

 

نصر تاريخي على كافة الأصعدة، ليس فقط لأنه أتى ضد سيتي غوارديولا بطل البريميرليغ بـ 100 نقطة، وليس للفارق الواضح بين القائمتين أو معدلات الإنفاق، وليس أيضاً لأنها أتت في موسم لم يُنفق به توتنهام جنيهاً أسترلينياً واحداً، صفر من الصفقات حتى المجانية منها.. هذا الفوز قاد السبرز إلى نصف نهائي دوري أبطال أوروبا للمرة الأولى منذ 57 عاماً، لم تخطئ قراءة الرقم، منذ عام 1962 حين خسروا أمام بنفيكا، وإن واصل الطريق واجتاز أياكس سيكون صاحب النهائي الأول في تاريخ هذا النادي الذي يملك مجموع 5 مشاركات فقط في جميع نسخ المسابقة الأوروبية الكُبرى، ولكنه فاشل لأنه لا يحقق الألقاب هنا كما تعلمون.(1)

      

     

أرقام بلا قيمة

ولأن المغالطة المنطقية الأولى تبدأ حين نتناسى من هو توتنهام هوتسبر أصلاً، إليكم نبذة قصيرة: 4 ألقاب للدوري آخرهم عام 1961، بينهما لقبين للدرجة الثانية بالمناسبة. 8 ألقاب لكأس الاتحاد آخرهم عام 1991، 4 ألقاب لكأس الرابطة آخرهم عام 2008، كأس أوروبا لأبطال الكؤوس عام 1963، ولقبين لكأس الاتحاد الأوروبي آخرهما عام 1984.(2)

 

حين وصل بوتشيتينو إلى هنا في صيف 2014 قادماً من ساوثامبتون أجرت صحيفة ميرور مقارنة بين الفريق السابق والفريق المستقبلي للمدرب الأرجنتيني، فاتضح أن ساوثامبتون يملك مجموع 19570 تمريرة مقابل 17930 للسبرز في موسم 2013-2014. هو مجرد رقم في نهاية المطاف، ولكن حقيقة أن فريقاً بلا نجوم وبلا تاريخ يملك 1640 تمريرة أكثر من فريق يُعد أكبر منه بوضوح، فهذا نتاج عمل مدربا الفريقين لا شيء آخر، ليس إنجازاً بحد ذاته بالتأكيد، ولكن هذا الساوثامبتون كان لديه القدرة على اللعب المُبادر وتدوير اللعب أكثر من توتنهام، ضارباً بقواعد ميل المبادرة للطرف الأقوى عرض الحائط.(3)

 

لنقترب من الوضع أكثر، ساوثامبتون هبط إلى الدرجة الثانية في 2004-2005، وبعد تخبط قاده للدرجة الثالثة عاد أخيراً إلى الأضواء في 2012-2013، بعد موسم واحد أنهاه الفريق في المركز الرابع عشر أتى بوتشيتينو ليحقق أفضل مركز للفريق –آنذاك- في حقبة البريميرليغ (بالتساوي مع 2002-2003) حين أنهى الدوري في المركز الثامن بـ56 نقطة، وهو بالمناسبة الرقم القياسي للقديسين في عدد النقاط آنذاك أيضاً، قبل أن يتولى رونالد كومان قيادة الفريق خلفاً له ويحطم الرقمين في 2014-2015 ثم يعيد تحطيمهما في 2015-2016، لا نود الانتقاص من كومان هنا، ولكن قد يحق لنا القول أن "البوتش" ترك أساساً جيداً على أقل تقدير.(4)

   

ماوريسيو بوتشيتينو مدرب توتنهام هوتسبر (غيتي)

  

ماذا قدم مع توتنهام؟ في الثامن والعشرين من أغسطس الماضي قدم لنا "بلانت فوتبول" بعض المعلومات الجديرة بالذكر، مثل كون الموسم الحالي شهد فوز ديوك لندن بأول 3 مباريات في البريميرليغ لثاني مرة بعد 2009 بقيادة هاري ريدناب، والمرة الخامسة إجمالاً في تاريخ النادي مع الدرجة الأولى، كما لم يفُته تذكيرنا بموسم 2016-2017، حين بدأ بوتشيتينو بـ12 مباراة بلا هزيمة كأفضل سلسلة للفريق منذ موسم 1960-1961.

 

هذا الموسم بات بوتشيتينو أول مدرب في تاريخ البريميرليغ لا يجري صفقة واحدة طوال فترة الانتقالات الصيفية، ورغم ذلك حقق أكبر فوز للفريق في ملعب أولد ترافورد الخاص بمانشستر يونايتد (3-0)، وهي بالمناسبة أسوأ هزيمة لمدربه –آنذاك- جوزيه مورينيو على ملعبه، أثناء انشغال الأخير بالشكوى من ضعف التعاقدات. أيضاً في تاريخ نشر التقرير كان بوتشيتينو يملك أفضل نسبة فوز بين جميع مدربي سبرز منذ فرانك بريتيل في (1898-1899) بـ124 انتصاراً و50 تعادلاً في 221 مباراة، لا تقلق، لم تخطئ قراءة التاريخ ولم نخطئ نقله، أفضل نسبة فوز لمدرب في توتنهام هوتسبر منذ ما يفوق القرن بالفعل.

   

   

يكفي ذلك؟ لا، بقيت بعض الرتوش.. مثل 14 مباراة بلا هزيمة في البريميرليغ بين ديسمبر 2017 وابريل 2018 عادل بها الرقم القياسي للنادي، أو 86 نقطة كانوا أعلى حصيلة للفريق في تاريخ البريميرليغ، المركز الثاني الذي كان أفضل مركز لهم منذ (1962-1963) بقيادة بيل نيكولسون، فارق من الأهداف يساوي (+60) هو الأعلى لفريق لا يفوز باللقب، موسم كامل (2016-2017) بلا هزيمة على ملعبه لأول مرة منذ نيكولسون أيضاً في (1964-1965). وأخيراً هو أول مدرب في تاريخ توتنهام لا يخسر أول 5 مباريات له ضد الغريم آرسنال في الدوري، كما كان المدرب الوحيد الذي يُنهي في مركز يسبق الغانرز في الترتيب لأول مرة طوال حقبة آرسين فينغر في 2016-2017 بعد 22 عاماً من الانتظار، ليكررها في الموسم التالي ويصبح أول من ينهي بتوتنهام مرتين على التوالي فوق آرسنال منذ عام 1983.(5)

  

لأن الأرقام لا يمكن حملها

المشكلة الأزلية لكل الهراء السابق، هو أنه يظل بلا قيمة أمام عنوان مثل "ماوريسيو بوتشيتينو يقود توتنهام هوتسبر للقب الدوري للمرة الأولى منذ 1961". هناك من قد لا يُبالي بكل ما قدمه الرجل، بل يستدعي ما قدمه كلاوديو رانييري مع ليستر سيتي للتقليل منه وكأن تلك الأشياء تحدث كل يوم، أو كما لو كان المدرب الوحيد الذي يفترض به منافسة ليستر وقتها، مهلاً، لقد كان الوحيد الذي تبقى في المنافسة بالفعل.. ولكن البعض فضل تصويب سهامه نحو بوتشيتينو وتوتنهام متناسياً تشيلسي وآرسنال وليفربول وقطبي مانشستر.

 

هذا الرجل بات محاصراً بالعديد من الضغوطات التي لم يكن يبحث عنها، وكأن ذنبه هو أنه حوَّل الفريق من ضيف شرف إلى قوة حقيقية في المعادلة، قوامه الأساسي الذي صنعه بنفسه يتعرض لوابل من الإصابات دون تدعيم، ودون حتى أن يشكو سوى لمرة وحيدة في مؤتمر "الغسالة والمجفف" الشهير. فجأة بات الرجل مُطالباً بمنافسة هذا التنين الذي يملكه غوارديولا، لك أن تتخيل كم أنفق ليفربول الصيف الماضي فقط لكي يُجاريه وتستمر المنافسة حتى الأسابيع الأربعة الأخيرة، ولكنه رغم كل ذلك يظل مُطالباً بمواجهة الإعلام والجماهير بل حتى لاعبيه أنفسهم.(6)

 

"البطولات هي ما يبقى معك بعد اعتزالك"

(هوغو لوريس حارس توتنهام رداً على مدربه.(7))

   

هوغو لوريس حارس توتنهام (غيتي)

    

بالتالي لم تكُن هناك فرصة أفضل من إنجاز أوروبي بهذا الحجم وأمام نفس التنين ليحصل الرجل على بعض من المدح الذي يستحقه بعد انتصار لم يكن الأول له على غوارديولا.. إذ سبق له تحقيقها مع إسبانيول وضد برشلونة، والمُتابع للدوري الإسباني يعرف جيداً أن قائمة توتنهام الحالية مقارنةً بما كان يملكه بوتشيتينو في إسبانيول تُعد إفراطاً في الرفاهية، كما لن نختلف كثيراً على اعتبار نسخة بارسا بيب أفضل من سيتي، فهو في النهاية صنيعة هذا الجيل الأسطوري من اللاعبين كما تعلمون أيضاً.

 

لكن لماذا تسمع كلمات المديح الآن وأساطير عن "اكتساح بوتشيتينو لغوارديولا"، بينما إن أعدت الشريط عاماً للوراء لم تكُن لتسمع سوى عن عبقرية أليغري التكتيكية أمام بوتشيتينو الفاشل؟ لأنه فاز هنا وخسر هناك، بتلك البساطة حقاً. أكثر الأشياء ظلماً في عالم كرة القدم هي اختزال كل شيء في النتيجة النهائية وتحميل كل شيء للمدرب حال الخسارة، على الرغم من أنه وبوضوح لا يمكنه التحكم في كل تفصيلة تجري على أرض الملعب..

 

اللعنة على التاريخ

كل ما حدث في ملعب توتنهام الجديد من الوصول بالمباراة لكفة متوازنة تميل خطورتها لصالح السبرز ترك لنا موقعة كان من الممكن أن تنتهي بفوز أي فريق، ولكن الفارق الفعلي حدث حين أهدر أغويرو ركلة الجزاء وسجل هيونغ مين سون هدف الفوز. في الإياب كان سيتي هو الطرف الأفضل، ولكن حين أتت الفرصة بات سون بطلاً من جديد، هو نفسه سون الذي كان أحد أهم أبطال مسلسل الفرص السهلة ضد يوفنتوس، ربما كان أكثر توفيقاً، أو أكثر حسماً.. للأرقام قول في ذلك أيضاً، سون سجل 12 هدفاً في 37 مباراة بالبريميرليغ الموسم الماضي، وهو نفس عدد الأهداف الذي سجله هذا الموسم في 28 مباراة فقط، ولا يزال أمامه 4 مباريات متبقية.

    

بوتشيتينو فاشل لأنه لم يفُز بالألقاب.. هذا هو المثال الحي لأكثر أوجه اللعبة إجحافاً، النتائج!

رويترز
     

هل هو عمل سون على تطوير نفسه أمام المرمى أم عمل بوتشيتينو على تطويره؟ لا فارق، سون لم يعُد نفس اللاعب الذي استقدمه، الأمر ذاته يمكن قوله على عدد كبير من القوام الأساسي، من كان هاري كين أو ديلي ألي أو داني روز أو تريبيير أو حتى كايل ووكر الذي انتقل إلى سيتي في النهاية؟ من كانوا قبل وصول بوتشيتينو؟ وهل ظلوا كما كانوا حين أتى؟ قطعاً لا، هذا هو عمل المدرب، وليس صلوات أليغري لضياع أهداف توتنهام المحققة، فمع كامل احترامنا لأهمية النتائج في عالم كرة القدم، عمل المدرب يُقاس بمدى نجاحه في خطواته المؤدية لوصوله إلى ما يريد، من قتل لنقاط قوة الخصم وضرب لنقاط ضعفه وما إلى ذلك، ولكن أن يصل الخصم إلى مرماه بسهولة ثم يُهدر، هذا ليس شيئاً يمكن التوصل لاتفاق يضمنه قبل المباراة والعكس بالعكس، فإن بحثت عما قتل غوارديولا ضد السبرز، ستجد فرصاً ضائعة وايميريك لابورت، أحد أفضل مدافعي العالم هذا الموسم وهو يرتكب أخطاء في غاية البشاعة بأول 10 دقائق، هذا وحده كفيل بتدمير حسابات أي مدرب ناهيك عن استحالة توقعه من الأصل.

 

خلاصة القول، بوتشيتينو فاشل لأنه لم يفُز بالألقاب.. هذا هو المثال الحي لأكثر أوجه اللعبة إجحافاً، النتائج. لأنه وسط طوفان المديح الذي أحاط بليستر سيتي عن جدارة واستحقاق، نسينا الظروف المحيطة المتحكمة غالباً في سير أي بطولة، نسينا غفوة جماعية للكبار لولاها ما حقق ليستر أي شيء، ونسينا أيضاً أن تلك الكارثة قد أفضت إلى فتح الخزائن على مصراعيها، ليأتي مورينيو وغوارديولا بصفقاتهما، وينتفض ليفربول من ورائهما، حتى آرسنال الذي لا ينفق عادةً قام ببعض التحركات، فيما لا يزال توتنهام في مكانه.. النادي كان يبني ملعبه الجديد وها هو قد انتهى، الهدف الدائم هو التأهل لدوري أبطال أوروبا حفاظاً على الأرباح والعوائد، ومهما بدت تلك القصة شبيهة بقصة الأعوام الأخيرة لآرسين فينغر، فإن توجهات إدارة السبرز اعتباراً من الموسم المقبل ستحدد كل شيء، وقتها فقط سينال بوتشيتينو فرصة عادلة يُحاسب بعدها على ضياع الألقاب.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار