انضم إلينا
اغلاق
قاهر ريال مدريد ويوفنتوس.. كيف جعل تين هاغ من أياكس أبطالا؟

قاهر ريال مدريد ويوفنتوس.. كيف جعل تين هاغ من أياكس أبطالا؟

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

"لماذا يجب عليك أن تنتبه لمدرب أوترخت إيريك تين هاغ؟ لا بد أن انطباعك الأول هو؛ من؟ أي نادي؟ الدوري الهولندي؟ لنكف عن تضييع الوقت! ولكن لن يمر وقت طويل حتى تعلم عن مدرب أوترخت إيريك تين هاغ. سأشرح لك لماذا هو المدرب الألمع والأكثر إثارة في الكرة الهولندية الآن لأنك بالتأكيد ستسمع عنه لاحقا، سواء كان ذلك في البوندزليغا أو البريميرليغ أو في مكان آخر لا أعرفه، ما أعلمه يقينا أن حدوده لن تتوقف عند أوترخت"

(مقدمة تقرير طويل نُشر على موقع "Reddit" بواسطة المستخدم BloodyTjeul – سبتمبر/أيلول 2017) (1)

   

عارفين هولندا؟

سبتمبر/أيلول 2017، في هذا التاريخ كانت قد مرت أربعة أشهر بالضبط منذ تلقي أياكس هزيمة قاسية على يد يونايتد مورينيو في نهائي اليوروبا ليغ، أربعة أشهر على "الشعراء لا يفوزون في هذه اللعبة" و"أمتع شيء في كرة القدم ألا تمنح خصمك ما يريده"، أربعة أشهر من حينها، وشهران تقريبا من بداية الموسم الجديد، الموسم الذي انطلق فيه شاعر أياكس الذي خسر لتوه نحو تجربة جديدة في دورتموند، وحتى هذا التاريخ كان أسود الفيستيفاليا يقدمون عروضا خيالية تحت قيادته، طبعا قبل أن ينهار كل شيء لاحقا بسرعة قياسية. (2)

   

لذا يمكنك أن تتخيل مدى حماس الهولنديين عموما في هذه الفترة، وهذا الرجل الذي يشجع أوترخت كان أحدهم. لا بد أنه يستحق جائزة ما على شغفه الشديد وبُعد نظره، لأنه في هذا التوقيت لم يكن تين هاغ سوى مدرب مغمور. أصلا هو ما زال كذلك، وقبل أن يتولى مسؤولية أوترخت كانت مسيرته قد اقتصرت على شغل دور المساعد في أيندهوفن وتفينتي، تمكّن خلالها من إخراج أفضل ما تملكه مواهب مزاجية شديدة التقلب كممفيس ديباي -الذي نقله من وسط الملعب للجناح- وماركو أرناتوفيتش، ولكن هذه الأدوار لم تكن من النوعية التي تجلب الكثير من الأضواء لصاحبها، ولكنّ شيئا ما تغير عندما قاد نادي "غو أهيد إيغلز" (Go Ahead Eagles) للترقي من الدرجة الثانية. طبعا نعذرك إن لم تكن قد سمعت عنه بما أننا لم نكن قد سمعنا عن أوترخت أصلا. (3) (4)

    

 فريق أوترخت (غيتي)

    

المهم أنه عند هذه اللحظة أتت للرجل فرصة ذهبية لتدريب الفريق الثاني لبايرن ميونيخ، وفي هذا المستوى هي قفزة هائلة فعلا. حينها كان عملاق بافاريا يبحث عن مدرب يستطيع انتشال فريق الرديف من الدرجات الدنيا في الكرة الألمانية، وهي الفترة نفسها التي حاولوا فيها التعاقد مع نيغلزمان مدرب هوفنهايم الحالي للوظيفة نفسها، وبطريقة ما سمع ماتياس زامر المدير الرياضي وبيب غوارديولا المدرب وقتها عن تين هاغ وقرروا ضمه بعد تجربته في إيغلز، والتي وصفتها بعض التحليلات المحلية في هولندا بأنها "قد فاقت التوقعات بكثير". (5)

  

طبعا أنت تعلم ما حدث لاحقا، مؤخرا يبدو وكأن العالم التدريبي يدور حول غوارديولا، كل مدرب جديد تقريبا يتأثر به أو بواحد من معلميه ليقترب من فلسفته أو يعاديها، نعلم أن هذا مستفز ولكنه ما حدث فعلا؛ (سوشيال ميديا) الرجل تعلم الكثير من الثنائي المتفاهم زامر وبيب، كان يقول إنه يتعلم شيئا واحدا جديدا على الأقل من كل محادثة مع أيٍّ منهما، وأنه كان يعتبر نفسه أحد مهاويس اللعبة حتى قابل الكتالوني، واندهش من قدرته على الإلمام بكل التفاصيل التي تخص الفريق الأول والأكاديمية وفرق الرديف، بالإضافة إلى... حسنا، سنصمت، كفانا غوارديولا، المهم أنك صرت قادرا على تخيل ما حدث. (6)

   

  

شعراء الدرجة الثانية

بعد نجاحه هنا وهناك أصبح تين هاغ مطلوبا في هولندا. ربما تبدو لك هذه العبارة مضحكة إلى حد ما لأننا نتحدث عن مستويات تتضمن فريق الرديف لبايرن وآخر من الدرجة الثانية الهولندية، وغالبا، فنحن كمهتمين باللعبة لا نتعامل مع هذه العوالم بالدرجة الكافية من الجدية، ونعتبرها مجرد كماليات لما هو أهم، أندية وُجدت لكي تُهزم بالأربعة والخمسة ولتُخرج نجما واحدا كل عشرة أعوام. في الواقع، كثير منّا يندهش أن لنادٍ مثل أوترخت مشجعا على هذه الدرجة من الحماس، لدرجة متابعة مسيرة مدرب ينشط تحت الأرض تقريبا، بل وكتابة تقرير بهذه الروعة عن مسيرته، ولكننا سنطلب منك أن تتذكر هذه الحقبة في حياة تين هاغ لأننا سنعود إليها بعد قليل.

  

بعد اكتسابه قدرا لا بأس به أبدا من الخبرة العملية في بايرن أعلن أوترخت عن التعاقد مع تين هاغ في 2015، لا كمدير فني للفريق وحسب، بل كمدير تقني أيضا. هذا منصب لا تجده في العديد من الأماكن خارج هولندا، وتم ابتكاره أصلا لاحتواء الشخصيات المؤثرة في الكرة الهولندية كفان خال وكرويف وبنهاكر وغيرهم، للاستفادة من عقلياتهم دون تقييدهم بالأغلال البيروقراطية المعتادة، ولكن في أوترخت كان هذا المنصب يعني أن الرجل لن يقود التدريبات ويضع الخطط فحسب، بل سيجد حلولا لأزمة النادي المالية ويعيده إلى أمجاده.

     

  

السؤال؛ ما الأمجاد التي سيعيدها تين هاغ إلى أوترخت بالضبط؟ باستثناء الفوز بلقب دوري وحيد في الخمسينيات وعدة كؤوس محلية آخرها كان في 2005 فليس هناك الكثير لإعادته، ولكن لا يوجد نادٍ جماهيري واحد في العالم لا تؤمن مدرجاته أن هناك أمجادا ما يجب إعادتها، وفي حالة أوترخت كان منبع الفخر لجمهوره أكثر الوقت أنه النادي صاحب لقب "أفضل الباقين" (Best of the Rest). أو هذا ما كان يطمح له تين هاغ على الأقل، وهذا منطقي كون أوترخت هي رابع أكبر مدن هولندا. (1) (7)

  

آخر ومضة من ومضات النجاح كانت مع لاعبين من طراز درايس ميرتينز وكيفن ستروتمان ومايكل فورم وريكي فان فولفسفينكل في 2009، وبعد رحيلهم جميعا دخل النادي في سلسلة من النتائج السلبية المخيبة والأزمات الاقتصادية الطاحنة التي أخرجته من المنافسة على المقاعد الدافئة، ومنذ 2011 وحتى 2015 كان أفضل مراكزه في الجدول هو الثامن، ربما باستثناء إنهاء موسم 2012-2013 في الخامس والذهاب إلى اليوروبا ليغ ثم الخروج أمام أحد أندية لوكسمبورغ في واحدة من أكبر فضائح النادي عبر تاريخه.

  

مركز شباب أوترخت

المستوى الذي نتحدث عنه هنا هو مستوى يصعب تخيله في الدرجة الأولى لأي دوري أوروبي كبير. ليس مجرد نادٍ جماهيري يمر بأزمة عابرة، بل كيان كامل يقف على الحافة ما بين الاحتراف والهواية؛ مدرجات صامتة مُحبَطة نصف ممتلئة، ونظام غذائي فاشل منعدم الرقابة أنتج غرفة ملابس مليئة بالإصابات والأوزان الزائدة، وحتى ملعب الغالغنفارد الذي كان أحد أصعب الملاعب في هولندا قد انحدر إلى معايير أقل من المتوسطة، وفوق كل ذلك، نجم الفريق الأول والأوحد هو المهاجم الفرنسي سيباستيان هالر، وإن كان كل ما سبق من بؤس لا يكفي، فحتى هالر لم يكن أحد لاعبي النادي أصلا، بل أتى معارا من فريق الرديف لأوكسير الفرنسي.

    

سيباستيان هالر (رويترز)

   

الهدف هو إعادة أوترخت للخريطة وتقديم كرة قدم جذابة يمكنها ملء المدرجات مرة أخرى. أول ما أنجزه تين هاغ كان الاهتمام بالملعب، وكونه محبا للغولف طرأت له فكرة أن يستعين بعمال نادي الغولف القريب لإعادة أرض الملعب للوضع المقبول، وتولى النادي زمام الأمور بعد أن كانت متروكة للبلدية، ثم وضع النظام الغذائي اللازم وعمل على تنفيذه، ثم بدأ يدرب لاعبيه عدة مرات في اليوم الواحد، يراقب تحركاتهم وقراراتهم وردود أفعالهم ليتمكّن من تحليل مواطن القوة والضعف، وخطوة تلو الأخرى، بدأ أوترخت يفيق من غفوته الطويلة. (1)

   

بعد فترة أصبح معروفا بـ"بيب أوترخت"، ولكنه في الحقيقة كان يحمل الكثير من الاختلافات التي فرضتها الظروف، كرة تين هاغ لم تكن هولندية بالمعنى الدراج وقتها، لا 4-3-3 ولا استحواذ دائم، بل نسخة أكثر خشونة وشراسة ومباشرة من الكرة الشاملة، نسخة لا تستخدم الأجنحة والمهاجمين بالشكل الرائج في هولندا، بل تدرب اللاعبين على مهام معينة خارج النطاق المعتاد للمراكز المعروفة للجميع. نسخة توجّه لعب الخصوم ناحية العمق لا الأطراف، ثم تخنقه هناك بالكثافة العددية وتمنعه حتى من التسديد البعيد، نسخة تتأرجح ما بين 3-5-2 و4-4-2 الماسية، وتستخدم صانع اللعب كمهاجم أول عند الضغط، لأن هذا يدفع كلا المهاجمين لأنصاف المسافات لاعتراض زوايا التمرير للأجناب، والهدف خلف كل ذلك هو خلق فرص خطيرة قليلة بدلا من أخرى عديدة متوسطة الخطورة. هذه كلها طرق شديدة الغرابة على الكرة الهولندية ولا يُنظر لها بكثير من الحماس، ولكنها أمور أخرى يجب عليك تذكرها لأننا سنحتاج إليها لاحقا، هذا إن لم تكن تبدو مألوفة لك من الآن.

  

  

بعد ذلك أتى دور التعاقدات، وكأنها لم تكن إلا فرصة جديدة لتين هاغ ليثبت تفوقه في هذا الجانب من الإدارة أيضا. الفريق يحتاج إلى عملية بناء شبه كاملة رغم ضم هالر بشكل نهائي، والميزانية الموضوعة تبلغ نحو مليون يورو -لا تقلق الرقم صحيح- والفريق يحتاج إلى الكثير من اللاعبين، ولكن بطريقة ما تمكّن الرجل من تسيير العجلة؛ أحضر ريكو شترايدر من أكاديمية بايرن ليصنع منه بوسكيتس الغالغنفارد الجديد، وأتبعه بتيمو ليتخيرت من رودا والذي كان قد نال سمعة سيئة بسبب تصرفاته الطفولية، ثم نقل فيليم ينسين قائد الفريق من الوسط إلى قلب الدفاع وهو في التاسعة والعشرين من عمره، بالإضافة إلى بضعة أسماء أخرى كان من ضمنها الرائع سفيان المرابط من أكاديمية النادي، وصانع ألعاب أرسنال وأياكس وموناكو السابق ناصر برازيت، الذي كان يُنظر له كأحد الموهوبين الذين ضلوا طريقهم في عالم الاحتراف، ربما لذلك لم تسمع عنه من قبل. (8)

  

أفضل الباقين

كل هؤلاء تألقوا بشكل لافت في منظومة تين هاغ الجديدة، وبعد إنهاء الموسم السابق في المركز الحادي عشر وصل أوترخت للخامس، بل وخاض نهائي الكأس ضد فينورد وخسر، وهذه الخسارة حرمته من التأهل للأدوار التمهيدية للدوري الأوروبي، ولكنها أعادت الأمجاد التي حلم بها جمهور أوترخت. الآن لم تعد هناك مبالغة في القول أنه أفضل الباقين فعلا. في الموسم التالي فقد تين هاغ أغلب نجومه إن جاز أن نعتبرهم نجوما، وعندما يفقد أوترخت أغلب نجومه فإن إجمالي ما يحصل عليه من بيعهم لا يتجاوز 10 ملايين يورو، ببساطة لأن إجمالي ما أنفقه لجلبهم لم يتجاوز 950 ألف يورو أصلا، وتلك كانت حصيلة بيع قياسية لم تتحقق منذ 5 أعوام على الأقل.

  

ضربة قاصمة بالطبع نظرا لظروف النادي المالية وعجزه عن استغلال هذه الأموال في التعاقد مع مزيد من المواهب بسبب الديون المتراكمة، ولكن تين هاغ كان يمتلك حلا عبقريا وسهلا بدرجة غير متوقعة؛ ببساطة قام الرجل بإعادة الكرّة ولكن هذه المرة لم ينفق سوى نصف مليون يورو رغم أنه تمكّن من إضافة بضعة عناصر مهمة للدكة أيضا، إعارة من هنا وانتقال حر من هناك مع مخضرم عائد من إحدى الدرجات الدنيا في أوروبا وتم الأمر، وفي الموسم التالي كان أوترخت يصل للمركز الرابع، وبفارق بلغ 11 نقطة عن الخامس، ومع إمكانية التأهل للدوري الأوروبي هذه المرة، أدركت مدرجات أوترخت أن نجم فريقها الأهم على الإطلاق هو تين هاغ نفسه.

     

  

مع الموسم الثالث أصبح الأمر مملا؛ أوترخت فقد 8 لاعبين دفعة واحدة وفي المقابل تمكّن تين هاغ من التعاقد مع 12 لاعبا، ومرة أخرى، لم ينفق أكثر من مليون يورو، ويكفيك أن تعلم أن أحد هؤلاء كان أوربي إيمانويلسون قرين إدغار ديفيدز في المراهقة وأحد الأسماء التي عنونت بداية النهاية لميلان بيرلسكوني عند النضج، وبعد أن كان عاجزا عن إكمال 90 دقيقة من أي مباراة تم اختياره في فريق الدوري الهولندي في الأسبوع الثاني بعد برنامج بدني قاسٍ خلال الصيف.

  

الآن في الطريق إلى أمستردام

لحظة الذروة التي عنونت كل ما سبق ومنحته الفرصة لقيادة أياكس كانت مباراة زينيت بيترسبورغ في الدوري الأوروبي، ولكي تفهم مدى صعوبة هذه المباراة يجب أن تعلم أن زينيت كان قد أنفق نحو 67 مليون يورو خلال الصيف، وهذا الرقم يعادل ضعف القيمة السوقية لنادي أوترخت كاملا، بموظفيه ولاعبيه وإدارييه ومنشآته وملعبه. (9) (10)

    

بعد 90 دقيقة بالضبط انتهت بهدف نظيف لأوترخت كان مانشيني -مدرب زينيت آنذاك- يشكو للإعلام من ظاهرة غريبة بعض الشيء، وهذه الظاهرة تتلخص في أن فريق تين هاغ، الذي فقد لتوه 8 لاعبين وتعاقد مع 12 غيرهم، كان أكثر انسجاما من فريقه بمراحل، ولأن مانشيني لم يسمع عن أوترخت من قبل بدوره، وكان يتوقع أنه أحد تلك الفرق التي وُجدت لتُهزم بالأربعة والخمسة ذهابا وإيابا، فقد افترض أن سبب هذا الانسجام هو كونهم يلعبون معا منذ فترة طويلة. هذه نقطة أخرى جديرة بالتذكر لأننا سنحتاج إليها لاحقا. (11)

  

روبرتو مانشيني "مدرب فريق زينيت أنذاك"  (غيتي)

    

طبعا خسر أوترخت في العود بهدفين نظيفين وغادر البطولة مبكرا لأن هذه القصة كانت أروع من أن تحظى بنهاية أخرى، أحدهما كان هدفا قاسيا جدا في الوقت الإضافي، وفي الوقت ذاته كانت الصراعات الداخلية تعصف بأياكس بعد وفاة كرويف وتفكك الجزء الأكبر من مشروعه لإعادة إحياء أياكس، وهذه الصراعات تسببت في رحيل عدد لا بأس به من الكوادر المهمة التي ساعدته على تنفيذه كان أبرزها دينيس بيركامب، وفي الزحام فقد مارسيل كايزر وظيفته، وهو الرجل الذي خلف بيتر بوش بعد خسارة نهائي اليوروبا ليغ.

  

هناك سلسلة تقارير كاملة تحكي قصة أياكس في السنوات الأخيرة من الصراع للتأهل لدوري الأبطال إلى نصف نهائي دوري الأبطال، ننصح بقراءتها، ولكن المهم أن ثورة كرويف لم يتبق منها إلا مارك أوفرمارس في منصب المدير الرياضي، وكان التعاقد مع تين هاغ فكرته، وحينما وصل الرجل إلى يوهان كرويف أرينا وجد بعض الأمور المألوفة في انتظاره. (12) (13) (14)

     

  

قتل العمالقة

في الموسمين السابقين كان أياكس قد خسر كلًّا من ميليك وسيليسين وبازوير ودافينسون سانشيز ودافي كلاسين وجاستن كلويفرت وكيني تيتي لأندية أخرى، وعبد الحق نوري في الحادث المأساوي الشهير، أي ما مجموعه 8 لاعبين من تشكيلته الأساسية. (15) الآن فرصة مناسبة لاستعادة كل ما طلبنا منك أن تتذكره سابقا لأن تين هاغ سيعيد استخدامه ولكن في ظروف أفضل بمراحل من التي واجهته في أوترخت؛ سيأتي بالمواهب الشابة من النصف الآخر من الكوكب، وسيعيد إحياء مسيرات محبطة للاعبين مخضرمين، وسيصنع فريقا على درجة باهرة من الانسجام حتى لو كان يفقد لاعبيه باستمرار.

   

التفسير لكل ذلك؟ أغلب التحليلات تزعم أن الرجل يهتم بالجانب الذهني إلى درجة غير مسبوقة، وإلى جانب مراقبته للنواحي التكتيكية وتصرفات لاعبيه تحت الضغط، فهو يحرص على متابعة ردود أفعالهم وتعبيرات وجوههم في لحظات معينة من المباراة؛ بعد تلقي هدف مباشرة أو بعد إحرازه، عند التعرض لعرقلة خشنة أو فشلهم في استخلاص الكرة، حتى عند توجيه ملحوظة سلبية أو إيجابية خلال التدريبات، هذا يساعده على فهم شخصيات لاعبيه وخلفياتهم ودوافعهم ومخاوفهم المختلفة، ومن ثم يساعده على تحفيز كلٍّ منهم وإخراج أفضل ما يملكه. (16)

  

هذا الجانب من اللعبة قد يكون الأهم على الإطلاق رغم أننا لا نشعر بذلك أبدا، لسبب بسيط هو كونه غير قابل للقياس، وبالتالي هو لا يحتل المساحة الكافية من تحليلات المشجعين والمختصين، وهذا هو ما يجعله إحدى المساحات المهملة في اللعبة رغم تأثيره الهائل، وتين هاغ تعلم أن يهتم بهذه المساحات بعد تجارب قاسية في إيغلز وأوترخت، ببساطة لأنه لم يكن يمتلك غيرها آنذاك.

    

  

لا شيء آخر بإمكانه أن يفسر الجرأة غير العادية التي يلعب بها شبان أياكس ضد ريال مدريد ويوفنتوس على أراضيهم وبين جماهيرهم، لا شيء آخر بإمكانه أن يفسر إجادة ديلي سينخرافين الظهير الأيسر الثالث الذي لعب أمام أقوى جبهات يوفنتوس لساعة كاملة بعد إيقاف الخيار الأول تاليافيكو وإصابة الخيار الثاني نُصير المزروعي، وبالطبع لا شيء آخر بإمكانه أن يفسر مباراة فيلتمان الرائعة بعد غياب لمدة 287 يوما فقد خلالهم مركزيه المفضلين كظهير أيمن وقلب دفاع لصالح لاعبين آخرين. أياكس لم يكن زياش وتاديتش ودي ليخت ودي يونغ فقط، بل فريق كامل ودكة بدلاء مجهزة نفسيا وذهنيا لقتل العمالقة، فقط نحن لم نلاحظ لأننا ما زلنا نعاني في التعرف على أسماء التشكيلة الأساسية. (17) (18)

  

فيلسوف الشعب

الآن سنعود لغوارديولا إذا سمحت لنا. تين هاغ اعترف سابقا أنه تأثر كثيرا بأفكاره وأفكار كرويف من قبله، ولكن ما يميزه عن غيره من التلاميذ السابقين هو شخصيته وعقليته، وقدرته على التمييز بين التأثر والانسحاق، بين نقل الأفكار وتطويرها، قدرته على إدراك حقيقة أن وظيفة معلم ككرويف أو بيب ليست صناعة جيش من النسخ المشابهة التي تكرر المبادئ نفسها بلا عقل أو انتباه للسياق، وأن أفكارهما وُجدت ليُبنى عليها.

  

على سبيل المثال؛ غوارديولا يرى الأطراف مصيدة مثالية لاستخلاص الكرة، هناك يعمل الخط كمدافع إضافي كما يقول دائما. هذه الحقيقة استقرت في اللعبة خلال العقد الأخير مع صعود فلسفة الضغط ذاتها، وتسببت في متوالية من الظواهر التكتيكية المنتشرة حاليا، أبرزها قيام فرق أوروبا الكبيرة بالدفع بأهم لاعبيها المبدعين لأجناب الملعب وأنصاف المسافات بينه وبين العمق، والتراجع الحاد في عدد صناع اللعب التقليديين في قلب الملعب وأدوارهم، وهذا خلق حالة من التعادل التكتيكي أدخلتنا في دائرة مفرغة تقريبا؛ أطراف هجومية لا تجيد الدفاع تقابل أطرافا هجومية لا تجيد الدفاع، وكأنهما جيشان أتيا للحرب بلا دروع، والنتيجة أنه منذ عدة سنوات صدرت إحصائية تقول إن 33% من أهداف البريميرليغ تم تسجيلها من تفوق في هذه المساحات الواقعة بين الظهير وقلب الدفاع المجاور، أو ما يطلق عليه الـ "Pockets"، الجميع يعتمد عليها والجميع يفشل في التعامل معها، وهذا كله نقل الصراع إلى النقطة التالية، أي قدرة قلبي الدفاع على إيقاف ما تنتجه الأطراف من عرضيات، لا القدرة على إيقاف الأطراف نفسها. (19) (20)

    

غوارديولا (رويترز)

  

في الواقع، عدد لا بأس به من قصص النجاح الباهرة في السنوات الأخيرة كان قائما على إدراك هذه الحقيقة والتعامل معها؛ رانييري استبدل ظهيرين دفاعيين مثل سيمبسون وفوكس بآخرين هجوميين مثل شلوب ودي لايت، وهذا حوّل الأطراف لمحطة يفقد فيها الخصوم الكرة بدلا من العكس، وزيدان ذهب للحل الأوضح وحجز خط وسطه كاملا للتغطية على حملات كارباخال ومارسيلو الهجومية المتتالية، وكونتي أعاد الخط الخلفي الثلاثي للتحكم في الـ "Pockets"، وكل هؤلاء خسروا صانع لعب العمق بشكل أو بآخر ربما باستثناء ريال الشهور الأخيرة من 2016-2017 الذي لعب فيه إيسكو دورا محوريا.

    

أما غوارديولا فقد كان يحتفظ لنفسه بالأفضلية في ثنائيات الوسط التي ظل يكوّنها منذ عامه الأول في التدريب؛ واحدة قادرة على الاستحواذ بشكل خارق في برشلونة، وأخرى تجمع بين الفنيات والجهد في بايرن، وصولا للنسخة الأخيرة في سيتي التي اعتمد فيها على مدمر هجمات حقيقي بانتظام، ربما للمرة الأولى خلال مسيرته القصيرة، بالطبع رفقة مجهودات دفاعية غير معتادة من لاعبين كدي بروينه وبرناردو سيلفا، منحته معادلة سحرية بين الإبداع الهجومي والصلابة الدفاعية.

  

تريكو - تاكا

أمام يوفنتوس وريال مدريد واجه تين هاغ منظومتين هما التجلي الأوضح لهذه الظاهرة في السنوات الأخيرة، ظاهرة تحويل الوسط إلى قاعدة انطلاق للظهيرين؛ في حالة ريال مدريد قرر تين هاغ مواجهة معضلة الأطراف عند المنبع، بالضغط على الظهيرين كلما تسلما الكرة بجانب الخط، لا لهدف خلق التحولات في نصف ملعب الخصم وحسب، بل أيضا لتوجيه اللعب ناحية العمق، وإجبارهم على إطلاق الكرات الطويلة ناحية المحطة الوحيدة المتاحة لالتقاطها في كريم بنزيما، وهذا يجعل مهمة الرباعي دي ليخت وبليند ودي يونغ وشونه أكثر سهولة في كسب الكرة الأولى والثانية. هناك فيديو رائع لـ "Piotr Foot" يشرح هذه العملية بالتفصيل. (22)

   

  

الأمر يحمل قدرا من الفلسفة لا شك، ولا مجال فيه للصواب المطلق أو العكس لأنه يعتمد على السياق بالأساس. مثلا، الأكثرية يضغطون على الأطراف لأن الخط مدافع إضافي، ولكن في مواجهة خصوم يضغطون بالحدة نفسها فإن هذه الأفضلية تنقلب ضدهم بمجرد فوزهم بالكرة هناك، أما تين هاغ فينقل المعركة برمّتها لوسط الملعب، ببساطة لأن خلق التحول عند ثلاثية كازيميرو - مودريتش - كروس أو تشان - بيانيتش - ماتويدي أسهل عليه من تمديد فريقه بعرض الملعب لمواجهة ساندرو وكانسيلو وبرنارديسكي وكوستا. أصلا الهدف الرئيس الذي يسعى له ألليغري وسولاري من تمديد الأطراف هو تفريغ العمق، بينما تين هاغ يفضل ضرب هذه العملية قبل أن تكتمل، وفي أضعف حلقاتها، وهذه مخاطرة ضخمة ولكن تفوّق فريقه في حدة الضغط وسرعة نقل الكرة بعدها هو ما يجعلها مراهنة محسوبة.

  

ما فعله تين هاغ مع الفريق الحالي لأياكس هو ما وصفته بعض التحليلات بالموجة الثانية من الكرة الشاملة (Total Football 2.0)، وكأنه التقط شيئا من كل معالجة قدمها زيدان وكونتي ورانييري وغوارديولا؛ أظهرة متوازنة إلى حد بعيد في تاليافيكو والمزروعي، ومدمري هجمات مثل دي يونغ وشونه يجيدون الالتحام من جهة والمراوغة من جهة أخرى، مع الاحتفاظ بصانع اللعب كثالث الوسط في فان دي بيك، والأهم على الإطلاق في المنظومة الحالية؛ ثنائية تاديتش وزياش، هذه الثنائية هي الأكثر غرابة واستثنائية في كل ما سبق، ولن نبالغ إن قلنا إننا لم نشاهد مدربا يستخدم أجنحته العكسية (Interiors) مثل تين هاغ من قبل. (21)

   

لكي نشرح الأمر علينا أن نشرح أولا كيفية خروج أياكس بالكرة من الخلف؛ هناك طريقتان رئيستان؛ الأولى هي التقليدية التي يستخدمها الفريق عندما يواجه خصما لا يضغط، يتحرك دي يونغ عموديا في المسافة بين دي ليخت وبليند ليتكوّن المثلث الأول، ثم يتحوّل إلى مُعيّن (Diamond) بانضمام الحارس أونانا للعملية، والباقي مفهوم بالبديهة. الثانية هي ما يلجأ له تين هاغ عندما يتعرض لضغط عالٍ ناجح؛ يهبط دي يونغ أيضا ولكن إلى يسار الدفاع، ثم يتبعه شونه أمام الخط الثلاثي الذي تكوّن بهبوطه، وطبعا الخطوة التالية هي أن تنضم له الأظهرة لتكوّن خطا ثلاثيا جديدا كما يفعل غوارديولا أو بوتشيتينو أو بييلسا، ولكن ما يحدث مع تين هاغ هو أنه يدفع الأظهرة إلى الثلث الأخير مباشرة رفقة المهاجم ثم ينضم لهما فان دي بيك كمهاجم ثانٍ متحرك. من يبني الجسور بين الرباعي الأول والثاني؟ من يتلقى الكرة من شونه؟ من يقود الدفة في الثلث الأوسط من الملعب؟ الإجابة؛ الأجنحة، تاديتش وزياش.

    

  

هنا عليك أن تتذكر شرح ألونسو لأدوار ميسي في كلاسيكو 5-0 الشهير، (22) والذي لعب فيه ميسي كرابع وسط أثناء التحضير، وتشارك الخط الأفقي نفسه مع تشابي وإنييستا. الفكرة واحدة وهي وضع أفضل عقول الفريق خلف الكرة في مناطق التحضير، ولكن السياق يكاد يُمثّل النقيضين، بمعنى أن غوارديولا حوّل ميسي إلى لاعب وسط في مباراة واحدة أمام خصم محدد لكي يُهربه من زحام الباص في الثلث الأخير، وهي الفكرة التي كررها إنريكي وفالفيردي بانتظام كلما عانى فريقهم في إخراج الكرة.

    

الفارق هنا أن تين هاغ يملك نسختين من ميسي مع حفظ المقامات، نسختين أكثر حركة حتى ولو لم يتمتعا بنفس الفنيات أو التأثير. الفارق هنا أن تين هاغ بدأ من حيث انتهى غوارديولا، وأصبح يؤمن أن كل ما هو ميسي هو لاعب وسط بالأساس، (سوشيال ميديا) ووجود زياش وتاديتش في هذه المساحات هو ما يمنحك الانطباع الدائم بأن شبان أياكس لا ينقلون الكرة وحسب، بل يقومون بعملية أشبه بالغزل؛ خطوتان للأمام ثم أخرى للخلف، ويعقبها خطوتان للأمام ثم أخرى للخلف، كل هذا يتم بسرعة فائقة وحركة مستمرة تسبق ردود الأفعال البشرية الطبيعية وتجعل إيقافه بالغ الصعوبة.

   

  

إن كنت تشاهد برشلونة فالفيردي فأنت تعلم أن الكرة لا تدور بسرعة إلا عندما تصل لميسي في الثلث الأخير، وما فعله تين هاغ هو أنه نقل حس الطوارئ (Urgency) والسرعة المعتادة لدى الأجنحة الهجومية إلى وسط الملعب، لأن الأجنحة تملك رغبة فطرية في دفع الكرة للأمام والاقتراب من المرمى بأكثر الطرق مباشرة واختصارا، بالإضافة إلى قدرتها على التسليم والتسلم في المساحات الضيقة بحكم التجربة، وهذا منح تين هاغ القدرة على تفكيك أعتى المنظومات الدفاعية. لكي تدرك غرابة الأمر تخيل وسطا مكوّنا من فيدال وروبن وريبيري مثلا، أو من بوسكيتس وميسي ونيمار، أو فيرنادينيو وستيرلينغ ومحرز. طبعا هذا لا يصف الوضع بدقة لأن تين هاغ يقصر هذه الحالة على مباريات معينة وأوضاع محددة خلالها، ولكنه أقرب تشبيه لما يحدث.

  

أسفل تين هاغ

أياكس خطر فعلا، والاعتقاد الذي كان يملكه أغلب جمهور الكرة بأن أيًّا من السيتي أو توتنهام قادر على التخلص من أياكس في نصف النهائي هو في الواقع اعتقاد غير مفهوم، ولكنه أحد أهم أسلحة تين هاغ في المواجهة إن لم يكن أهمها؛ أن فريقه لم يصل بعد للكتلة الحرجة، لم يصل للحظة التي يخشاه فيها الجميع بالشكل الكافي، وهذه أروع أفضلية يمكن الحصول عليها في قصص النجاح الناشئة المشابهة. أياكس سعيد جدا بموقعه كـ "أندر دوغ" (كلب سفلي) كما قال الرجل. (24)

    

طبعا كل ذلك قد لا يحدث أمام مدرب بجدية وطموح بوتشيتينو. إن كان هناك مدرب واحد من الباقين سيمنح أياكس حقه في التحضير فعلا فهو هذا الرجل، لسبب بسيط هو أنه كلب سفلي آخر بدوره في هذا الدور من البطولة، ولا تقارن خبرة وشخصية لاعبيه فيها بتلك التي يمتلكها لاعبو كلوب أو فالفيردي، ولكن هنا يجدر الإشارة إلى نقطة أخرى تميز تين هاغ عن غوارديولا وهي واقعيته الفطرية، لا واقعية الباص وكرة قدم الخوف، بل الواقعية التي تفرضها سنوات أوترخت وفريق رديف بايرن ميونيخ، الواقعية التي بدأ بيب يقطع بضع خطوات فيها خلال الموسمين الأخيرين، الواقعية التي ستجبر الرجل على ابتكار حلول خزعبلية لتعويض نجومه الراحلين في الصيف القادم، هذا إن لم يرحل معهم بدوره.

   

  

أياكس يمتلك مزية أثبتت السنوات الأخيرة من البطولة أنها مهمة للغاية في مواجهات خروج المغلوب، وهي قدرته الرائعة على تكتيف المباريات إن جاز التعبير. أياكس يجيد الدفاع بدرجة مقاربة لإجادته الهجوم، وشوطه الثاني أمام يوفنتوس في تورينو مثال رائع على ذلك؛ خلال خمس سنوات لليوفي مع ألليغري، لا نتذكر أننا رأينا فريقا أو مدربا أظهره بهذا العجز على ملعبه، في الوقت ذاته الذي هدد فيه مرماه بهذا الكم من الفرص الخطيرة التي كانت لتحولها إلى فضيحة تاريخية لولا سوء التصرف أمام المرمى. (25)

   

بعد الإطاحة بالبيانكونيري كتبت صحيفة صن الإنجليزية عن المدرب الهولندي الذي "يعيش فوق السوبرماركت"، (26) وللوهلة الأولى تشعر أنها إشارة لامتلاكه الفريق الذي سيتسوّق فيه كبار أوروبا خلال الصيف المقبل، ولكن الحقيقة أن الرجل يعيش في شقة فوق "سوبرماركت" فعلا ولا يمتلك منزلا خاصا. أحيانا تنتج العناوين مفارقات عسيرة التصديق فعلا. المهم أنه إن كان هناك شيء يمكننا إخبارك به من هذا التقرير الطويل، فهو أنه مع احترامنا وانبهارنا التام بكل ما يحويه أياكس من مواهب، فإننا نؤمن أن "السوبرماركت" هو من يسكن أسفل تين هاغ، لا العكس.

المصادر

تقارير متصدرة


آخر الأخبار