انضم إلينا
اغلاق
جرائم باسم التكتيك.. كيف تفوز دون أن تسدد على المرمى؟

جرائم باسم التكتيك.. كيف تفوز دون أن تسدد على المرمى؟

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

في أحد تدريبات منتخب الأرجنتين سنة 2011 قام ليونيل ميسي بإحراز هدفين من تسديدة واحدة؛ كانت هناك كرة في قدمه وأخرى في منتصف الطريق للمرمى، فسدد الأولى في الثانية وانتهى الأمر بالكرتين في الشباك. هذا ليس ما نتحدث عنه هنا.

  

  

جرائم باسم التكتيك

كيف تفوز دون أن تسدد على المرمى؟ أو بمعنى أصح كيف تفوز بمحاولات أقل من خصمك؟ هذا السؤال لم يكن مطروحا قبل عصر التواصل الاجتماعي والإحصائيات الكمّية والنوعية، ببساطة لأن لفظة "التكتيك" السحرية كانت قادرة على حل كل هذه المعضلات بأقل مجهود؛ فريق يفوز عكس مجريات اللعب؟ تكتيك. فريق يهدر عددا لا نهائيا من الفرص ويخسر؟ تكتيك. لاعب مجهول الأدوار يكتفي بالطفو على أحداث المباراة دون تأثير حقيقي؟ تكتيك. فريق يدافع حتى يصل لركلات الترجيح ثم يفوز؟ مفاجأة؛ أيضا تكتيك.

    

منذ أسابيع قليلة مثلا التقى برشلونة وريال مدريد في نهائي الكأس، ونجح الأخير في تهديد مرمى الكتلان بانتظام طيلة المباراة تقريبا، ورغم ذلك تمكن سواريز من التسجيل من أول محاولة حقيقية على المرمى وأول هجمة منظمة لبرشلونة، ثم أعقبه بهدف آخر أجبر فيه فاران على تسجيل هدف عكسي، قبل أن ينهي الثلاثية في شباك الغريم بركلة جزاء. النتيجة؛ فوز الكتلان بثلاثية نظيفة من تسديدتين على المرمى فقط لا غير. (1) (2)

  

  

طبعا انزعج الكثيرون من تحفظ فالفيردي المبالغ فيه، والذي لا يستدعيه الحدث ولا مستوى الميرينغي هذا الموسم إطلاقا، ولكن أحداث كتلك لا تخلو أبدا من التعليقات المعتادة عن "الرجل الذي حصل على ما يريده من المباراة"، و"الاستحواذ الذي لا يجدي"، و"الدفاع الذي يفوز بالبطولات والهجوم الذي يفوز بالمباريات"، وحتى لو كانت هذه التعليقات تخرج من كتالونيا في مناسبة كتلك، لأن لا أحد يحب أن يعترف أنه فاز بلا أفضلية حقيقية.

  

الأهداف المتوقعة

قبل هذا الحدث بثلاثة أسابيع كانت غارديان الإنجليزية تتناول موضوعا مشابها ولكن من زاوية أكثر طرافة، أرسل أحدهم إلى قسم "The Knowledge" بالموقع، وهو المختص عن الأسئلة العجيبة التي لا يمكن العثور على إجابتها بسهولة، ليسأل عن أبرز المباريات التي شهدت أقل نسبة ممكنة من الأهداف المتوقعة (Expected Goals)، ورغم ذلك أحرز طرفاها أهدافا. (3)

  

"Expected Goals" أو "Xg" اختصارا هي إحصائية نوعية تقيم جودة الفرص المتاحة لكل فريق أثناء المباراة، وقابليتها للتحول إلى أهداف عن طريق خوارزمية معقدة تتضمن وضعية اللاعب أثناء استلام الكرة وجودة التمريرة وخلو الطريق إلى المرمى إلخ، والرقم الذي تخرجه يعبر عن نسبة مئوية، بمعنى أنه إذا سجل فريق ما 0.43 في عدد الأهداف المتوقعة فهذا يعني أنه حظي بفرصة واحدة للتسجيل كانت نسبة نجاحها 43%، أو عدة فرص كانت نسب نجاحها مجتمعة تساوي الرقم نفسه. (4)

     

  

هذه الحلقة من "The Knowledge" كانت تتحدث عن مباراة كارديف وهادرسفيلد على ملعب الأول في الجولة 22 من البريميرليغ، ونسبة الأهداف المتوقعة كانت 0.12 و0.39 على الترتيب رغم أن المباراة شهدت 17 تسديدة متنوعة منها 14 للضيوف، والسؤال كان عما إذا كان 0.12 هو أقل رقم شهدته الإحصائية على الإطلاق. 0.12 هو الرقم الذي ينتج عندما يحظى الفريق بمحاولة وحيدة من تسديدة بعيدة مثلا.

  

هدف إلا ربع

إجابة الغارديان حملت العديد من المفاجآت، أولا 0.12 لم يكن أقل معدل في هذه الجولة حتى، ناهيك بالتاريخ. على سبيل المثال سجل وولفز أقل معدلات الجولة بـ0.10 هدف متوقع أثناء هزيمتهم بثلاثية نظيفة من السيتي، وبطريقة ما تمكن بيرنلي من هزيمة كارديف في سبتمبر/أيلول الماضي رغم أنهم سجلوا 0.11 هدف متوقع طيلة المباراة! (5)

  

  

طبعا تحديد دقة الإحصائية صعب للغاية، لأن العديد من المؤسسات الإحصائية تستخدم نماذج مختلفة من المعطيات قد تمنحك نتائج مختلفة بالتبعية، على سبيل المثال هدف غودموندسون في الفيديو السابق لم يحتسب كفرصة حقيقية للتسجيل لأن زاوية التسديد كانت مغلقة تماما، والكرة لم تكن لتسكن الشباك لولا خطأ الحارس الكارثي.

  

المهم أنه بالنظر إلى الدوريات الأوروبية الخمس الكبرى منذ موسم 2014-2015 فإن الرقم القياسي كان من نصيب الليغا على عكس المتوقع؛ هناك مباراة أقيمت في 23 مايو/أيار 2015 -آخر أيام الموسم- بين غرناطة وأتليتكو مدريد وانتهت بـ0.07 و0.08 هدف متوقع للفريقين على الترتيب، وفعليا انتهت -مفاجأة- بنتيجة التعادل السلبي، بعد أن شهدت ما مجموعه 5 تسديدات من الفريقين منها واحدة فقط على المرمى! بل إن هناك عددا من الفرق تمكّن من تسجيل 0 هدف متوقع في عدد من المباريات، آخرهم كان سوانزي في مباراته أمام هادرسفيلد الموسم الماضي!

  

هكر

هذه الإحصائيات، رغم طرافتها، تسلط الضوء مجددا على الجانب المظلم من اللعبة، الجانب الذي لن يتحكم فيه المدربون أبدا حتى لو صاروا يرسلون تعليماتهم للاعبين عبر الهوائيات في الملعب، الجانب العشوائي الذي كثيرا ما نتجاهله، وعندما يقع نبحث عن تفسيرات خزعبلية لتبرير وجوده، وكأننا نأبى أن نعترف أن هناك مساحة من اللعبة غير خاضعة للتحكم والمنطق.

    

  

في فبراير/شباط 2014 نشر موقع StatsBomb المعني بالتحليلات الإحصائية للعبة تقريرا طويلا يطرح سؤالا بديهيا؛ هل التسديد البعيد خيار سيئ لإنهاء الهجمة؟ (6) هذا التحليل قام بعرض احتمالات التهديف الناجمة عن عدة خيارات بمجرد الوصول للثلث الأخير؛ أولها هو التمريرة العمودية المباشرة للأمام، ثانيها هو محاولة المراوغة، ثالثها هو التسديد البعيد، وأخيرا ما يمكنك أن تسميه بالحل التكتيكي الدارج الذي سيلجأ له 99% من المدربين، وهو محاولة بناء الهجمة عن طريق الأطراف أولا، إما ببينيات في المساحة بين الظهير وقلب الدفاع المجاور، وإما بتمريرة عرضية للجناح ثم اللجوء للحل الفردي لإرسال العرضية.

  

بعد نحو 2000 كلمة وكم من الإحصائيات الدقيقة المعقدة تصاب بالصداع فعلا، ثم تكتشف أن معدل تحويل الفرص للتسديد البعيد (Long Shots Conversion Rate) كانت قريبة -وفي بعض الأحيان أعلى- من معدلها باستخدام الركنيات أو الخيارات التكتيكية المعتادة، بل وحتى الحل الفردي القائم على المراوغة كان يسجل نسب نجاح أعلى بكثير من المتوقع!

  

ين يانغ

مرة أخرى، نظامية اللعبة المبالغ فيها أحيانا تنقلب على نفسها في أحيان أخرى، وكل الخطط والتكتيكات المعقدة تقف عاجزة أمام حلول فردية شبيهة لا ينتبه لها المدربون عادة. طبعا صحيح أنها حلول لا تصلح كفلسفة أو أسلوب لعب دائم لأنها قائمة على المصادفة والمهارة الفردية البحتة، ولكن نجاحها بهذه المعدلات حاليا هو دليل آخر على أن اللعبة غير قابلة للاحتواء، وأن إجادة اللاعبين لأنماط لعب معينة ستخلق أنماطا أخرى مضادة بالتبعية ودون تدخل خارجي، كنتيجة حتمية للعملية كلها.

    

كلما سيطر نمط محدد على اللعب أنتج النمط المضاد كنتيجة له، وكلما سعى المدربون لمزيد من التحكم في مجريات المباراة كانت طرق هزيمتهم أكثر بدائية وبساطة

رويترز
   

على سبيل المثال، يقول جوناثان ويلسون إنه منذ قيام ثورة الضغط العكسي في 2008، أي الضغط في نصف ملعب الخصم بمجرد فقدان الكرة، تراجع عدد الأهداف المسجلة من مرتدات في دوري الأبطال بمعدل 50% تقريبا. (7) هذه حالة سيعتبرها مؤشر الأهداف المتوقعة بمنزلة فرصة محققة للتسجيل ولكن تغلبت عليها الحلول التكتيكية المبتكرة، ولكن من ناحية أخرى، إذا اتخذنا دراسة StatsBomb مثالا، فإن اللحظة التي سيلجأ فيها اللاعب إلى التسديد البعيد أو المراوغة لن تعتبر فرصتها أعلى من 0.3 أبدا بمقياس الأهداف المتوقعة، ورغم ذلك قد تفشل الكثير من أنماط اللعب الحالية في توقعها، ومن ثم اعتراضها، لذا إن كانت هناك عدة حالات استثنائية قد تفوز فيها من دون أن تسدد على المرمى فعليا، فهناك العديد من الحالات التي قد تفوز بها دون أن تخضع فرصك لمنطقية إحصائية الأهداف المتوقعة!

  

الأمر أشبه بدائرة ين يانغ الشهيرة التي ينزلق فيها الأبيض أسفل الأسود، أو العكس، لا نعلم بالضبط؛ كلما سيطر نمط محدد على اللعب أنتج النمط المضاد كنتيجة له، وكلما سعى المدربون لمزيد من التحكم في مجريات المباراة كانت طرق هزيمتهم أكثر بدائية وبساطة. هذه هي إحدى المزايا الاستثنائية التي تحتفظ بها كرة القدم لنفسها دونا عن الكثير من الرياضات الباقية؛ أنها تشبه الحياة الواقعية إلى حد لا يُصدّق.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار