انضم إلينا
اغلاق
بين أفكار بيرلو ومعارك زلاتان.. جولة داخل عقول لاعبي كرة القدم

بين أفكار بيرلو ومعارك زلاتان.. جولة داخل عقول لاعبي كرة القدم

أحمد مجدي رجب

محرر رياضة
  • ض
  • ض

تخيّل مباراة كرة القدم كفيلم سينمائيّ أو كرواية أدبية، وفي 90 دقيقة نشاهد جزءا من الحكاية بينما تخفى عنا التمهيدات السابقة لها. ديفيد بيكهام يغيب عن بداية بعض اللقاءات في الموسم الأخير له مع مانشستر يونايتد والعلاقة بينه وبين أليكس فيرغسون تسوء؛ هذا هو الجزء الواضح من الفيلم، ولكن التمهيد له أكبر وغير واضح. فيرغسون يرى أن نجم فريقه قد أصبح محل اهتمام الإعلام وصيته الذائع قد جعله متمايزا عن وحدة الفريق، وبيكهام يرى أن مدربه الاسكتلندي العجوز لا يفهم أنه قد أصبح ربّ أسرة وأن أطفاله احتلوا مركز الأولوية في حياته. وانفجرت الأمور في المشهد الأخير عندما ألقى الاسكتلندي الغاضب بالحذاء في غرفة ملابس الفريق فأصاب وجه لاعبه الأثير.

  

غياب بيكهام رأيناه في الملعب وعبر الشاشات، وحادثة الحذاء وقعت تحت كشاف ضوء الصحافة، ولكن الحكايات التي تبطّن المشهد تجدها في السيرة الذاتية التي كتبها كل واحد منهما أو غيرهم من أبطال المستطيل الأخضر. المذكرات أو السير الذاتية تتيح لنا معرفة الأحداث بدقة أكبر ووجهات النظر والجانب الإنساني من اللعبة الحبيبة، وهنا نسرد بعض أهم هذه السير.

     

الدور على يوهان كرويف

"My Turn" هو عنوان المذكرات[1] التي كتبها يوهان كرويف الهولندي العظيم، والذي يحتل عند الكثيرين مكانة بين أفضل لاعبي كرة القدم وبين أفضل مدربيها عبر العصور. يبدأ الهولندي سيرته الذاتية بالحديث عن فترة التكوين في سياق ثورة الشباب في هولندا وبداية حقبة الكرة الشاملة هناك، ويسرد الأسماء التي شكّلت نظرته للعبة مثل مدرب أياكس حينها ثم مدرب برشلونة لاحقا رينوس ميتشلز، وكذلك الزملاء مثل رود كرول ويوهان نيسكنس. كما يتحدث كرويف بالتفصيل عن تجربته لاعبا في الدوري الأميركي وإعجابه بشكل إدارة الأندية الرياضية هناك، وكيف أنه رآها منافسا مستقبليا للأندية والكرة الأوروبية.

     

"My Turn" المذكرات التي كتبها يوهان كرويف الهولندي العظيم (مواقع التواصل)

    

في الجزء الثاني من المذكرات يحكي عن حياته في سن متقدمة أكثر وبداية مسيرته التدريبية، حيث أعاد إحياء كرة القدم الشاملة في أياكس أثناء حقبة الثمانينيات واهتمامه بمدرسة الكرة هناك، ثم الفترة التي تلتها عندما كرر التجربة ذاتها في برشلونة كمدرب في التسعينيات. يحكي مثلا عن رؤيته لحارس المرمى ودوره الذي لا يجب أن يقتصر على صد الكرات، ولكن كيف يجب أن يكون النقطة التي تبدأ من عندها هجمات الفريق. ويسرد كرويف نجاحه في تطبيق ما أراد والفوز بدوري الأبطال 92، ويلقي الضوء كذلك على لحظات الإخفاق وتأثيرها عليه، وأبرزها بالطبع خسارة نهائي دوري الأبطال برباعية نظيفة أمام ميلان في 1994.

     

في الجزء الأخير يتكلم كرويف عن ذكرياته كلاعب وقائد للمنتخب الهولندي الذي خسر نهائي مونديال 1974 أمام ألمانيا الغربية بعد أن نجح في تقديم أداء وشكل كرة خالد تاريخيا، ويحكي عن تعرضه وعائلته للتهديد في منزله بكتالونيا، وهو السبب الذي جعله يمتنع عن الذهاب مع المنتخب البرتقالي لمونديال 1978 في الأرجنتين، وهو الحدث الذي أثار جدلا سياسيا واسعا حينها. كما تحدث كرويف عن التدخين كعادة ذميمة صاحبته لسنوات طويلة من حياته، وربما كانت هي السبب في إصابته بسرطان الرئة الذي أدى إلى وفاته في النهاية تاركا وراءه إرثا كرويا خالدا.

  

بيرلو يفكر.. إذن بيرلو يلعب
أندريا بيرلو (رويترز)

    

لو أننا أردنا أن نلخص أندريا بيرلو في كلمة واحدة، نصف بها طريقة أدائه، فالكلمة هي الرؤية الثاقبة. لم يكن بيرلو هو وسط الملعب العنيف المشهور بتدخلاته القوية، ولم يكن الراكض الذي لا يتوقف، ولكنه كان الواقف في وسط الملعب قادرا على التمرير من 40 ياردة بدقة مذهلة. الأمر يشبه مهندسا معماريا يرى الملعب من منظور عين الطائر، ولا يمرر للأقرب ولكنه يمرر لمن يمتلك الموقع الأفضل. والمسافة لا تهم؛ 10 ياردات أو 40 أو 60، فبيرلو يرى كل شيء. فكيف إذن يرى نفسه؟

     

الحقيقة إن عبر مذكرات[2] "I Think, Therefore I Play" يؤكد بيرلو أنه يمتلك رؤية عميقة لذاته وللمحيط وللعبة كلها. يبدأ مثلا بالحديث عن طفولته الأولى، وأعباء الموهبة. أولا ثقل توقعات المحيطين به على أبيه وأمه ومن ثم ثقلها عليه، ثم يخبرنا حقد أقرانه، وكيف يمكن للتميز أن يصبح لعنة تتمنى أن تتركها فقط كي تشعر بالقبول ممن يحيطون بك. ويتكلم كذلك عن الخوف من مطاردة الحلم، فالجميع يقول إنه يذهب لبرشلونة وريال مدريد، ولكن الخوف من ذلك الاحتمال قد يقتل مسيرة الناشئ في بدايتها فلا يمضي إلى أي مكان بسبب التشكك.

   

يتحدث بيرلو في مذكراته كذلك عن الأحداث المهمة التي مر بها مثل الفوز بدوري الأبطال مع ميلان في 2007 ولكن بعد الهزيمة التي زلزلت كيانه بشكل شخصي أمام ليفربول في نهائي ذات البطولة في 2005. ويتكلم عن الأمتار الطويلة التي خطاها قبل أن يسدد ضربة الترجيح في نهائي كأس العالم 2006 قبل أن ينجح في التتويج به مع منتخب إيطاليا. ليرسم في تلك الصفحات كل مشاعر الانتصار والهزيمة والخوف والثقة بالذات.

       

مذكرات بيرلو "I Think, Therefore I Play" (مواقع التواصل)

    

يتكلم بيرلو كذلك عن أهمية اللجوء لحكم الفيديو وعن العنصرية في الملاعب الإيطالية خاصة ضد بالوتيللي، ولكن أهم ما جاء في المذكرات هي تلك الأيام التي سبقت انتقاله إلى يوفنتوس عندما عامله ميلان كلاعب منتهٍ، وكيف أصبح أمام خيارات؛ إما أن يصدق هذا الظن عنه وإما أن يصدق صوته الداخلي الذي أخبره أن النهاية لم تأت بعد. مذكرات بيرلو هي إحدى أهم الصفحات التي كُتبت في مجال الرياضة وتخبرنا بوضوح أن صاحب اللحية الشهيرة يرى نفسه واللعبة بذات الدقة والوضوح والاستثنائية التي يرى بها الملعب.

   

روي كين في الشوط الثاني

في موسم 1999 كان كابتن فريق مانشستر يونايتد هو روي كين، وفي دور نصف النهائي من تشامبيونزليغ، بمباراة العودة[3] أمام يوفنتوس تلقى الشياطين هدفين في الدقائق العشرة الأولى، بعد تعادل 1-1 إيجابي في مباراة الذهاب بالأولدترافورد. هذا المأزق المفاجئ احتاج إلى قائد حقيقي مثل روي كين كي يبدأ العودة التاريخية أمام السيدة العجوز، وفي الدقيقة 24 أحرز بالفعل الهدف الأول ليعيد آمال اليونايتد، وبعد أقل من 10 دقائق تدخل على زيدان في لعبة عنيفة لا داعي لها، وتحصل على البطاقة الصفراء، صحيح أن روي كين قاد فريقه للعودة من بعيد 3-2، ولكن الإنذار حرمه من مباراة النهائي أمام بايرن. هذه هي قصة حياة الأيرلندي المثير للجدل، لحظات من العظمة الحقيقية تليها مباشرة معركة لا حاجة إليها على الإطلاق!

   

"The Second Half" هذا هو عنوان مذكرات[4] روي كين والتي كتبها مع الروائي والسيناريست الأيرلندي رودي دويل، والكتاب في مجمله هو سرد لمعارك روي كين من وجهة نظره، والمعركة الأهم بالطبع هي تلك التي كان طرفها الآخر سير أليكس فيرغسون، غير أن كين لم يلقبه بالسير ولو لمرة واحدة في كتابه!

     

 مذكرات روي كين "The Second Half" (مواقع التواصل)

    

بدأت القطيعة بين الأيرلندي والاسكتلندي بعد هزيمة اليونايتد برباعية نظيفة أمام ميدلزبره في موسم 2004، حيث خرج كين بعدها في حديث صحافي على تلفزيون النادي يلقي باللوم على مدربه الذي يشتت نفسه بأمور أخرى غير إدارة الفريق، ووصف كين زملاءه في الفريق حينها بالرعونة والحماقة وقلة الانضباط، زملاء مثل ريو فيردناند وفان دير سار وفليتشر. هذه المقابلة التي يراها كين في مذكراته بسيطة ولا يجب أن تثير أي ضجة، وجدتها إدارة النادي وفيرغسون سببا لتمزيق عقد قائد الفريق!

     

المعركة الثانية كانت مع مورينيو في موسم 2015. في تلك الفترة كان روي كين مساعدا للمدرب بول لامبرت في تدريب أستون فيلا، وقبل دقائق قليلة من نهاية اللقاء أمام تشلسي، والذي كان فيه فريق كين متأخرا بثلاثية نظيفة، قام البرتغالي لمصافحة لامبرت وكين. وهو ما أثار غضبهما لأن الحكم لم يطلق صافرته، ولأن هذا التصرف من مورينيو دليل على عدم الاحترام، ولو كان وقع في أيرلندا لتلقى البرتغالي لكمة في وجهه، وهذا هو ما قاله الأيرلندي في سيرته الذاتية!

   

هناك طبعا معركة نفق ملعب هايبري الشهيرة بين روي كين وباتريك فييرا في مرحلة فريق أرسنال العظيم في وسط العقد الأول من الألفية، وهناك معركة ضد ألان شيرار هداف نيوكاسل حينها أيضا، ومعركة آلفي هآلاند لاعب السيتي الذي انتقم منه روي كين، إذ إن الأول كان قد أصابه بقطع في أربطة الركبة في إحدى مباريات موسم 1997، فانتظر الأيرلندي 4 سنوات وفي دربي مانشستر تعمد ضربه بشكل عنيف في أحد الالتحامات، وخرج الآخر مصابا. هذه الواقعة التي اعترف بها كين لاحقا وغرّمه الاتحاد الإنجليزي بسببها 150 ألف جنيه إسترليني. باختصار، مذكرات روي كين، كما هي حياته، سرد من المعارك المتتالية لرجل لا يرى العالم من حوله إلا كمجموعة من الخصوم!

  

هو زلاتان
مذكرات زلاتان "I am Zlatan Ibrahimovic" (مواقع التواصل)

      

كتب زلاتان مذكراته، وعنونها بـ "أنا زلاتان"[5]. عنوان يتماشى مع الصورة الإعلامية التي رسمها السويديّ لنفسه؛ صورة المغرور المعجب بذاته. ولو أن المذكرات اقتصرت على ذلك لما كانت محل اختيار هذا التقرير لعرضها، فكتاب زلاتان هو صورة شديدة الصدق والصدامية؛ لا يحاول السلطان فيها أن يظهر بصورة الخارق الذي لا يؤثر فيه شيء، ولكنه أيضا يفتخر بكل كفاحه وما وصل إليه، ولا يختار كلماته بأي مواربة ولكن بالكثير من القوة والوضوح.

  

يرسم زلاتان في بداية كتابه صورة الطفل الذي كان عليه في السويد. كان مهاجرا شرقيّا لم يشعر قط بأن المجتمع سيعطيه شيئا، ومن ثم فيجب عليه المحاربة لنيل ما يريد. محيط الأسرة كان أبا مدمنا للكحول ولكنه أحب صغاره رغم كل شيء، ورغم انفصاله عن الأم التي كانت تفرغ شعورها بالعجز في ضرب الأبناء والأخت التي كانت مدمنة مخدرات. وفي المدرسة كان يُنظر إليه كطفل مجرم وفي الشارع كان مكانه. وفي هذه الحياة كان يمكن لإبراهيموفيتش أن يكون لصا أو أن يصارع أشباحه الشخصية ليكون أفضل حالا.

    

مذكرات زلاتان هي خليط مثير للإعجاب من الغرور ولحظات الانكسار والانتصار ومحبة الغير وكراهية البعض ولحظات الرعونة والعقلانية!

غيتي 
  

يروي زلاتان علاقته بثلاثة مدربين؛ جوارديولا وكابيللو ومورينيو، والاختلاف بينهم يخبرنا بطريقته في تقييم الرجال. فهو لم يحب جوارديولا قط، لأن الكتالوني لم يواجهه قط بما يريد عندما حدث الخلاف بينهما بسبب استخدام زلاتان في الفريق. وهذا التجنب هو ما دفع الأخير إلى اعتبار بيب شخصا لا يعرف قيمة الرجولة. وبينما كابيللو أو مورينيو فهم ينتزعون الاحترام ويجعلون لاعبيهم على استعداد للموت من أجلهم.

  

في المذكرات أيضا يرسم زلاتان علاقته بزوجته وأبنائه، لنرى رجل الأسرة الذي يحب أولاده حقا ويعتبرهم أولوية تسبق كل شيء ونرى زوجته التي يقدم لها الكثير من الاحترام والامتنان لما أصبح عليه. لذلك فإن مذكرات زلاتان هي خليط مثير للإعجاب من الغرور ولحظات الانكسار والانتصار ومحبة الغير وكراهية البعض ولحظات الرعونة والعقلانية!

   

الأمثلة الأربعة التي ذكرها هذا التقرير ليست كل ما كتبه لاعبو كرة القدم عن حياتهم، هناك الكثير من المذكرات؛ مثل كتب أليكس فيرغسون ومورينيو وبريان كلوف وجيراد وغاري نيفيل وغوارديولا. ولعل هذه الكتب تكشف جانبا من اللعبة لا نراه عادة؛ الجانب المحيط بالدقائق التسعين. هذه المذكرات تكشف الحكاية كاملة ولا تجعلها مقتصرة على مشهد الرقعة الخضراء، وإن كانت هذه الرقعة تعرض جانبا من الحياة فإن الكتب تعرض الحياة كلها.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار