انضم إلينا
اغلاق
بييلسا ورانييري وأسباس.. هل انقرضت الروح الرياضية؟

بييلسا ورانييري وأسباس.. هل انقرضت الروح الرياضية؟

يوسف حمدي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

منذ حوالي 25 عامًا، كان روبيرتو باجيو يلعب لميلان، حينها كان مدربه هو أوسكار تاباريز، بالضبط هو ذات الرجل الذي خطر في بالك الآن، مدرب أوروغواي الحالي والذي اشتهر بعكازاته في كأس العالم الأخيرة، حينها كان باجيو يحاول الاستعراض بالكرة أكثر من اللازم، ليصيح تاباريز في وجهه بجملة "لا مكان للشعراء في كرة القدم، انتهى عصر كرة القدم الرومانسية". (1)

  

كان الرجل محقًا حين قالها في هذا السياق، فبالتأكيد كل منا يتخيل نفسه مدربًا لنيمار أو بن عرفة ويود إخبارهما بالمثل كلما بالغا في الاستعراض، ولكن الجملة أخذت منحنيات أخرى بفعل الجمهور، حيث ظهرت وتوغلت وتوحشت فئة تتباهى بعشقها لكل ما هو قبيح في كرة القدم، وذلك بحجة القوة والشغف والقتال على شعار هذا النادي أو ذاك، أو اختزال كل ذلك في مصطلح إيطالي شهير يعرف بالغرينتا.

  

نحن هنا لنتغنى قليلًا بكرة القدم الرومانسية، لنحكي قصة رجل ترك الفوز حفاظًا على الروح الرياضية، وآخر رحّب بإقالته من أجل أن يخلفه الرجل المناسب، وثالث قادم من عصر الوفاء غير المشروط. بالمناسبة نحن نحب الغرينتا أيضًا، ولكن لا نراها مبررًا لأن يطير رأس لاعب مستقبلًا ويطالب الجميع باستكمال اللقاء ومن ثم تشييع جنازته بعد صافرة الحكم.

  

مارسيلو بييلسا.. سجلوا هدفًا في مرماكم
 مارسيلو بييلسا (رويترز)

  

الحدث هنا مواجهة في دوري الدرجة الأولى الإنجليزي "التشامبيونشيب" مواجهة بين صاحب المركز الثالث ليدز يونايتد وصاحب المركز الخامس أستون فيلا، الجولة الخامسة والأربعين من التشامبيونشيب وليدز يحتاج إلى كل نقطة حتى يضمن الصعود إلى البريميرليغ. (2)

  

لاعب أستون فيلا يسقط على أرض الملعب، يتوقف زملاءه عن اللعب انتظارًا لأن يخرج أحد لاعبي ليدزيونايتد الكرة من أجل علاجه، ولكنهم يتفاجئون باللعب يستمر، وليدز يسجل هدفًا في الدقيقة السادسة والسبعين عبر لاعبه ماتيوش كيليتش، ليُسفر ذلك عن شجار ضخم يُطرد على إثره لاعب الفيلانز أنور الغازي. (3)

  

الشجار ينتقل من اللاعبين إلى الجهازين الفنيين، فيتدخل بييلسا ويأمر لاعبيه بتسجيل هدف في مرماهم، النتيجة تصبح 1/1 مع تبقي 10 دقائق فقط على نهاية المباراة، تلك التي ستنتهي بالتعادل بالفعل وتُقلص من حظوظ ليدز يونايتد في الصعود المباشر إلى البريميرليغ. في لحظات، غالبًا ما يغلب العقل على العاطفة، ستفكر لوهلة في الروح الرياضية واللعب النظيف، وستفكر لحظات في أن جهد موسم كامل سيُطرح أرضًا، ستجد صوتًا داخلك يخبرك "كفا ادعاءً للمثالية وخذ النقاط واهرب" العقل يقول لا وقت للمثاليات هنا.

  

ولكن هناك من لا يطبقون تلك الفلسفة النفعية، من لا زالت القيم تمثل لهم الكثير، بييلسا لا يتردد لحظة في إعطاء هدف لأستون فيلا بدلًا من الهدف الذي لم يحترم فيه لاعبوه الروح الرياضية، رغم كونه هدفًا صحيحًا بنص القانون، ومن الممكن أن تخرج بعدها وتقول ببساطة إنه ليس كل اللاعبين يخرجون الكرة في حالة إصابة زميل أو خصم، ثم تأتي بدليل يفيد  أنه منذ خمسة عشر عامًا في الدوري الفلاني سجل اللاعب الفلاني هدفًا بنفس الطريقة ولم يتجسد له الضمير ويصفعه ليلًا، والأهم أنه لم يطالبه أحد بتسجيل هدف مضاد.

  

  

منذ حوالي شهر، خرج مانشستر سيتي من دوري أبطال أوروبا، وذلك بعد إلغاء هدف ستيرلينغ الذي كان كفيلًا بإرسالهم إلى المربع الذهبي، الهدف ألغي في آخر دقيقة، غوارديولا عانق السماء ثم سقط على الأرض بعدها بسبع ثوانٍ فقط ووجهه يخبرنا عن حجم ما ألمّ به.

   

عقب المباراة، بدا بيب متماسكًا، وبعدها بأيام تحدث في المؤتمر الصحفي لمواجهة فريقه أمام نفس الخصم توتنهام عن تقبله التام للوضع، وعن ضرورة أن تعطي تقنية الفيديو كل ذي حق حقه، وأنه لم يكن ليرضى بتأهل جاء بهدف غير شرعي، تمامًا كما أعلن عدم رضاه قبلها بحوالي شهر عن التأهل إلى نهائي كأس الاتحاد الإنجليزي بهدف غير صحيح. (4)(5)

   

حينها قال البعض إنه يبحث عن كؤوس التميز، وإنه يقول ما قاله فقط لأنه فاز وتأهل، ولكن الرجل احترم ذاته قبل أن يحترم اللعبة ومشجعيها، ورغم أنه تحدث عن هدف يورينتي الذي لمست الكرة يده قبل أن تدخل، إلا أنه أبدى رضاه عن قرار إلغاء هدف ستيرلينغ، ولم يطالب بأن يتم مقايضة هذه بتلك، فقط لأنه ليس ذلك الرجل الذي يبحث عن الانتصارات الوهمية في المؤتمرات الصحفية، هو يعلم جيدًا أن الانتصارات الحقيقية لا تتحقق هناك.

   

رانييري.. سأذهب لأحضر كونتي من المطار
كلاوديو رانييري (رويترز)

    

كلاوديو رانييري يأتي إلى روما في ظروف قاسية، (6) يحقق نتائج إيجابية وفقًا للمتاح ويصل إلى المركز الرابع المؤهل إلى دوري أبطال أوروبا، بالطبع هي أشياء تستحق التفكير في جعل عقده المؤقت دائمًا بنهاية الموسم، خاصة وإن كان رجلًا يمتلك نجاحات في المكان ذاته من قبل.

   

بعد مباراة كالياري التي فاز بها روما وقربته أكثر من دوري الأبطال، تم سؤال رانييري عن شائعات اقتراب كونتي من خلافته في روما، ليرد الرجل: "إذا أتى كونتي سأكون سعيدًا، هو مدرب عظيم وقادر على تقديم الكثير هنا". الرد يستفز الصحفي أكثر، الرجل كان ينتظر ردًا أكثر حدة من المخضرم الإيطالي من أجل عناوين اليوم التالي، فيحاول استفزازه بطريقة أخرى ويخبره بأنه يستحق عقد دائم في حال حقق مركزًا بين الأربعة الكبار، فيرد رانييري بلهجة أكثر تواضعًا ويقول: "أنا لا أنظر لنفسي، ما يهمّني هو مصلحة روما. عندما نتحدث عن كونتي أنا فقط أرفع القبعة. لو تم اختياره سأذهب بنفسي لأُحضره من المطار". (7)

   

أنت هنا تتحدث عن كلاوديو رانييري، رجل يمتلك تاريخًا يجعله يتحدث بملء فمه، في روما على الأقل إن كان للبعض رأي آخر في تجاربه الأخرى، ولكنه يعطي احترامًا لكونتي، ولا يُلقي بالًا لما عليه أن يقوله للإدارة التي تتفاوض مع مدرب آخر في وجوده، ولا لأن كونتي هذا كان طالبًا في المرحلة الثانوية حين قاد رانييري فريقًا لأول مرة في مباراة رسمية، لن نعلق بما هو أكثر من ذلك، سنقول لك فقط تخيل لو كان جوزيه مورينيو هو الذي تعرض لهذا السؤال، تخيل فقط.

   

إياغو أسباس.. انتماء غير مشروط
إياغو أسباس (غيتي)

   

لماذا كنت تبكي على مقاعد البدلاء؟ لأنني شعرت بالعجز وأنا غير قادر على مساعدة فريقي في موقف كهذا. هكذا كان رد إياغو أسباس، بعدما رصدته الكاميرات يبكي بحرقة عقب استبداله مصابًا في مواجهة سيلتا فيغو أمام فياريال، والتي كان يحتاج لأن يفوز بها فريقه من أجل المضي قُدمًا في رحلته لتفادي الهبوط. (8)

   

      

قصة أسباس مع سيلتا فيغو تمتد إلى حلم طفولي، ابن مقاطعة غاليثيا والذي كان يحلم كنصف أبنائها بارتداء القميص السماوي ــ نظرًا لأن النصف الآخر يشجع ديبورتيفو لاكورونيا ــ وجد نفسه يحقق حلمه في الثامنة من عمره، وظل يتنقل بين الفئات السنية المختلفة حتى عام 2009، حينها كانت أول مباراة رسمية له مع الفريق الأول، تلك التي كان يحتاج فيها سيلتا للفوز على ديبورتيفو ألافيس من أجل تفادي الهبوط إلى دوري الدرجة الثالثة، فدخل بديلًا وسجل هدفين وظل يركض كالمجنون محتفلًا مع جماهير بالاييدوس عقب اللقاء، فقط لأنه شعر بأنه البطل المُخلص لفريق رسم أحلام طفولته.

   

هذه القصة كانت بداية رحلة معشوق بالاييدوس، الذي خرج في 2013 إلى ليفربول ثم إشبيلية في رحلتين غير موفقتين، قبل أن تعود له الحياة مرة أخرى بالعودة إلى سيلتا فيجو في 2016. بعد 10 سنوات من ليلة بالاييدوس الأولى تأتي ليلة شبيهة، أسباس مصاب لمدة 3 أشهر، ينهار فيها الفريق ويدخل منطقة الهبوط، وها هو سيواجه فياريال الذي ينافسه أيضًا على الهبوط، أسباس لم يلعب منذ 3 أشهر، وأكثر المتفائلين يتمنى فقط أن يرى الرجل على مقاعد البدلاء، وقبل لحظات من المباراة يتفاجأ به الجميع أساسيًا.

 

فياريال يتقدم بهدفين والجميع ينتظر من أسباس أن يرتدي ثوب المخلص، ولكن الإصابة تداهمه فتجبره على الخروج الذي جعله ينفجر باكيًا، ومن ثم يصرح بعد المباراة بهذا التصريح الذي ذكرناه بداية. الجدير بالذكر أن كل هذا يأتي في وقت جدد فيه أسباس عقده مع سيلتا فيغو حتى العام 2023، في وقت يبدو فيه مستقبل الفريق يتجه نحو الدرجة الثانية، وفي وقت تصل له عروض من فرق أفضل في أوروبا. (9)

     

نحن هنا لنؤكد أن الروح الرياضية تستحق التنازل عن فوز مصيري كما فعل بييلسا

رويترز
   
لماذا نحن هنا؟

لا بد وأنك تساءلت بداخلك حول هذا، لماذا نحن هنا، الإجابة ببساطة أننا في حال أردنا جمع المواقف المشابهة على مدار تاريخ كرة القدم، فمن الممكن أن نملأ مجلدات، ولن تنتهي معها القصص أيضًا، الأمر فقط أن ثلاثة وقائع كتلك تكررت في ظرف أسبوع واحد تقريبًا، ورغم أنها تبدو لا علاقة لها ببعضها إلا أن هناك رابطًا واحدًا يجمعهم، وهي القيم التي تدور حولها كرة القدم في الأساس.

   

في اللحظات المشابهة لتلك، نحتاج لأن نؤكد أن الإنسانية والروح الرياضية وجماليات كرة القدم ومبادئها لازالت على قيد الحياة، لم تمحُها الأصوات المضادة لذلك، الأصوات التي تزعم بانتهاء زمن الشعراء في كرة القدم الحديثة، وترى أن عبارة "كرة القدم للرجال" تتطلب نزع الإنسانية والأخلاق والروح الرياضية من اللاعب قبل أن تطأ أقدامه أي عشب أخضر.

   

نحن هنا لنؤكد أن الروح الرياضية تستحق التنازل عن فوز مصيري كما فعل بييلسا، وأن احترام المدرب الآخر - حتى وإن كان وجوده سيعني إقالتك - ليس ضعفًا كما فعل رانييري، وأن الانتماء لنادٍ ليس عبارة عن كلمات مكررة في المؤتمرات الصحفية ولا قبلات مزيفة على الشعار، هناك مواقف تحدث في الظل تكون أكثر تأثيرًا من تلك التي تُصنع أمام الكاميرات، نحتاج لأن نصفق لهؤلاء لكي لا يخدعهم الغالبية الذين أصبحوا يميلون إلى كرة اللا إنسانية، وكرة اللا شيء أحيانًا، نحتاج لأن نظهر للجميع أننا نحب الشعراء وكرة القدم الرومانسية، وأن مثل هذه المصطلحات ليست شعارات فارغة، بل أنها من تحولت لأجلها كرة القدم من مجرد لعبة إلى أكثر من مجرد لعبة، هذه هي الحقيقة حتى لو رضي الجميع بأن تطير رأس لاعب دون إيقاف المباراة، لأن الغرينتا تطلبت ذلك!

تقارير متصدرة


آخر الأخبار