انضم إلينا
اغلاق
ثورة إنجلترا الكروية.. تخطيط جيد أم تجنيس جيد؟

ثورة إنجلترا الكروية.. تخطيط جيد أم تجنيس جيد؟

محمد بدوي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

في عام 1996، كانت إنجلترا تقوم بأبرز محاولاتها لإنهاء تلك السنوات العجاف التي بدأت عقب فوزهم بكأس العالم في عام 1966 (1)، حين استضافت بلاد الضباب كأس الأمم الأوروبية تحت شعار "when football comes home"، محاولين تشجيع أنفسهم بعد أن سبقهم الجميع في اللعبة التي اخترعوها. بقيادة ألان شيرار، وتيدي شرينغهام، وصل منتخب الأسود الثلاثة إلى الدور نصف النهائي، حيث انتهت رحلتهم بعد الهزيمة أمام الألمان بضربات الجزاء الترجيحية.

   

بعدها، لم يفوّت المنتخب الإنجليزي مناسبة إلا ولعب دور ضيف الشرف بامتياز. لا تخطيط، لا أداء، لا نتائج، فقط أسماء كبيرة على الورق لا تغني ولا تسمن، فظلت إنجلترا تتخبط حتى ظهر غاريث ساوثغيت في الصورة، الرجل الذي أضاع ضربة الجزاء أمام ألمانيا في يورو 96 وتسبب بخسارة منتخب بلاده، أراد التكفير عن ذنبه وإعادة بلاده للواجهة من جديد. ومن يدري، فقد يصبح يوهان كرويف الخاص بهم.

     

   

كشف حساب

ظلت إنجلترا لسنوات وسنوات دون هوية في كرة القدم، وبينما كانت فرنسا وإسبانيا وألمانيا يخططون، كان الإنجليز يلعبون كراتهم الطويلة، مكتفين بالتباهي بالبريميرليغ وعائداته المهولة. لذلك أتى كشف الحساب صادما، عندما قرر ساوثغيت أن يكشف كل عورات الكرة الإنجليزية في حديثه لصحيفة الغارديان البريطانية (2).

 

"لقد لعبت على المستوى الدولي رفقة المنتخب الإنجليزي، وفي كثير من المباريات كنا أقل من الخصم فنيا. واجهنا العديد من الفِرق التي تفوقنا مهارة وقدرة على الاحتفاظ بالكرة"


"روني وسكولز وبول غاسكوين كانوا لاعبين كبار، لكنهم ليسوا نتاج تخطيط قطاعات الناشئين"

   

كان المدرب صاحب التجربة القصيرة في نادي ميدلزبره قد تم تعيينه في عام 2011 مديرا لتنمية المواهب الإنجليزية، ويبدو أنه كان متحمسا أكثر مما يجب، وأخذ يهدم كل ثوابت بلاد الضباب، حتى إنه انتقد نوعية اللاعبين الإنجليز (English Style of player) التي تُعيقهم عن اللعب بأسلوب برشلونة والمنتخب الإسباني. أوضح المدرب الحالي لمنتخب إنجلترا أن مهامه ستتركز على الفئات العمرية الصغرى، بجانب زيارة الأندية والأكاديميات والتواصل مع المدربين. كل هذا لمحاولة اللحاق بقطار الهوية الذي فات الإنجليز.

     

    

النموذج الإسباني

كالعادة، لا يبدأ تعديل الأوضاع إلا بعد وقوع المصيبة. لكن هذه المرة، تعرض الإنجليز لمصيبتين؛ الأولى كانت هزيمة منتخبهم أمام ألمانيا في كأس العالم 2010، والثانية كانت رؤية ما فعله برشلونة بمانشستر يونايتد في نهائي دوري الأبطال 2011 على ملعب ويمبلي. الفوارق الفنية كانت واضحة، فتساءل الإنجليز لماذا لا يملكون تشافي أو إنييستا أو زيدان مثلا؟ لماذا لا يحصلون على نصيبهم من تلك المواهب؟

   

في إنجلترا، يبدأ الصغار منذ سن الحادية عشرة باللعب على الملاعب الكبيرة (11 لاعبا ضد 11 لاعبا) (3). المساحات الواسعة تعني لمسا أقل للكرة مقابل تركيز أكبر على الجانب البدني. أما إذا نظرنا إلى إسبانيا وإيطاليا وفرنسا فنجد اللعب بـ 11 لاعبا يبدأ من سن الرابعة عشرة. انتبه ساوثغيت لهذا الأمر وقرر تصغير مساحات اللعب للناشئين، لضمان تعلم الناشئين المهارات والفنيات اللازمة (4). ثم بدأ الأمر يأخذ طابعا أكثر رسمية في ديسمبر/كانون الأول 2014، عندما قرر الاتحاد الإنجليزي أن يجمع كل اقتباساته تحت اسم "England DNA"، وهو مشروع يهدف لإعادة تشكيل ثقافة الكرة الإنجليزية (5).

 

      

كان ساوثغيت في ذلك الوقت هو مدرب المنتخب الإنجليزي تحت 21 عاما، وقد انضم للثنائي دان أشوورث (مدير تنمية المواهب والنخب)، ومات كروكر (مدير تنمية اللاعبين والمدربين) في الإعلان عن ذلك المشروع، الذي يسعى لتغيير أسلوب لعب الإنجليز نحو مزيد من الاستحواذ والجمالية. لكن الأمر لن يسير بهذه السلاسة المتوقعة، بل إن الاتحاد الإنجليزي نفسه سيفاجئ الجميع بمحاولة إفساد مشروعه.

       

لولا القدر

على عكس كل الشعارات والرغبة بالتطوير، فاجأ الاتحاد الإنجليزي الجميع بتعيين المدرب سام ألارديس مديرا فنيا لمنتخب الأسود الثلاثة (6). الرجل الملقب بالبيغ سام هو واحد من أباطرة المدرسة الإنجليزية القديمة في عالم التدريب، لذلك وجوده يعني أن "ريما ستعود لعادتها القديمة".

   

لكن القدر سيتدخل لإنقاذ مخططات ساوثغيت، برحيل البيغ سام بعد 67 يوما فقط من توليه المسؤولية، حيث كشفت تسجيلات تورط مدرب سندرلاند السابق في إعطاء نصائح للتحايل على قانون ملكية الطرف الثالث (حيث يحظر على النادي إجراء أي اتفاقات تتيح لغير النادي التحكم في قراراته وسياساته في عمليات البيع والشراء وخلافه) (7)، مما اضطره للتخلي عن الوظيفة الحلم -كما وصفها سابقا- وتولى غاريث ساوثغيت المهمة بعقد يمتد لأربعة أعوام (8).

   

ومع تبقي أقل من عامين على مونديال روسيا 2018، كان يأمل ساوثغيت في جني ثمار مشروعه سريعا. فشهد عام 2017 طفرة هائلة في نتائج منتخبات الشباب الإنجليزية، حيث وصل منتخب إنجلترا تحت 21 عاما إلى نصف نهائي اليورو، وفاز منتخب إنجلترا تحت 20 عاما بكأس العالم، بينما اكتفى منتخب تحت 17 عاما بمركز الوصافة في بطولة كأس أمم أوروبا (9) (10) (11). وما بين التفاؤل والقلق، جلس مشجعو منتخب الأسود الثلاثة ينتظرون مونديال روسيا على أحر من الجمر.

     

مونديال عادي جدا
مدرب المنتخب الإنجليزي "غاريث ساوثغيت" (رويترز)

   

تدخل القدر مرة أخرى لمساندة ساوثغيت في مونديال روسيا، فبعد أن نجح في خداع المنتخب البلجيكي والحصول على المركز الثاني في دور المجموعات، وجد نفسه في الجانب الأسهل من القرعة؛ مبتعدا عن فرنسا، والبرازيل، والبرتغال، والأرجنتين، وأوروجواي. لم يكن في طريقه سوى كرواتيا وإسبانيا التي أُقصيت على يد المنتخب الروسي، فوصل المنتخب الإنجليزي لنصف النهائي، مكتفيا بتحقيق المركز الرابع وفك عقدة ضربات الجزاء التي لطالما لاحقته.

   

لم ينغّص على الإنجليز سعادتهم بالإنجاز سوى تفاصيله، التي عليهم الانتباه إليها رغما عنهم إذا ما أرادوا متابعة التقدم، حيث أحرز المنتخب الإنجليزي 12 هدفا، 3 منها فقط من اللعب المفتوح (بالإضافة إلى 6 أهداف من كرات ثابتة، و3 ضربات جزاء). ووفقا لإحصائيات موقع "هوسكورد" (Whoscored)، احتلت إنجلترا المركز التاسع من حيث معدل التسديد على المرمى بمعدل 4.1 تسديدة "on target" للمباراة الواحدة (12)، والمركز السابع عشر من حيث التمريرات الناجحة في الثلث الأخير من الملعب. غياب الإبداع كان واضحا، وما يحدث في البريميرليغ يزيد الطين بلة.

   

شارك لاعبو المنتخب الإنجليزي مع أنديتهم في الموسمين السابقين لكأس العالم بمعدل 25 مباراة كاملة في الدوريات الخمس الكبرى ودوري الأبطال، وهي نسبة قليلة مقارنة بتشكيلة المنتخب بين عامي 2002، و2010. فاللاعبون الإنجليز هم الأقل حصولا على دقائق المشاركة في دوريهم، بنسبة 34% (13)، بينما في الليغا يشارك الإسبان بنسبة 58%، والألمان في البونديزليغا بنسبة 48%. لا حل أمام اللاعبين الشبان في إنجلترا سوى الهجرة خارجها، ولا حل أمام الاتحاد الإنجليزي سوى انتظار نجاح هؤلاء أو اللجوء للنموذج الفرنسي.

    

    

      

مدرسة جنوب لندن

"أشعر أن اللاعبين الصغار أصبحوا أكثر رغبة في الذهاب بعيدا عن إنجلترا بعد أن شاهدوا نجاح تجربتي، لكن الأمر لم يكن بهذه السهولة"

هكذا صرح جوردان سانشو، لاعب بروسيا دورتموند المتألق في هذا الموسم (14)، فتجربته لم تشجع فقط اللاعبين الإنجليز على الابتعاد عن موطنهم بحثا عن الفرصة، لكنها لفتت الأنظار إلى تطور لاعبي مهد كرة القدم مهاريا وتقنيا.

     

وكان مايكل زورك، المدير التقني لنادي بروسيا دورتموند قد أشاد بجودة الشبان الإنجليز، حتى إنه يرى أنهم تفوقوا على ألمانيا في هذا الشأن (14). وبدلا من ذهاب الأندية الإنجليزية إلى ألمانيا للبحث عن المواهب، انقلب الحال، وأصبحت الأندية الألمانية تبحث عن المواهب الإنجليزية. يُرجِع زورك سبب ذلك التفوق إلى إنفاق الأندية الإنجليزية بشراهة على تطوير أكاديمياتها في الآونة الأخيرة، لكن هنالك سبب آخر ساهم في ظهور سانشو ورفاقه. ما الذي يجمع سانشو، وأرون وان بيساكا (كريستال بالاس)، وكالوم هودسون أودوي وروبين لوفتس تشيك (تشيلسي)، وجو غوميز (ليفربول)، وريس نيلسون (هوفنهايم)؟ بجانب كونهم جميعا من أبرز المواهب الإنجليزية الصاعدة، فهم من جنوب لندن.

   

المناطق الحضرية ذات الكثافة السكانية المرتفعة -كما في جنوب لندن- تجبر الأطفال على أن يكونوا مبدعين لإيجاد مساحة للعب، باستخدام أي موقف سيارات أو ساحة أو قفص يمكنهم استخدامه. قلة المساحات الخضراء تجبرهم على اللعب في ملاعب أصغر. لكن هذا ليس بالأمر السيئ، خاصة عندما يتعلمون كيفية التحكم في الكرة وكيفية الركض بها وكيفية استخدام كلتا القدمين وكيفية التغلب على الخصم حتى في أضيق مساحة (15).

     

   

وبعد أن ساهم جنوب لندن في إنجاح مشروع "England DNA" في وقت أسرع، بقي للإنجليز أن يلعبوا آخر الحلول أسوة بمشروع آخر بطل لكأس العالم.

   

النموذج الفرنسي الحديث

بالنظر إلى آخر بطلين لكأس العالم، ألمانيا وفرنسا، فإنهما يجتمعان مع إنجلترا في أنهم جميعا كانوا دول احتلال. استفاد المنتخبان الفرنسي والألماني من توابع الاحتلال من نشر اللغة أو استقبال المهاجرين أو غير ذلك، فلعب اللاعبون المجنسون دورا في فوز كلٍّ منهما، أما الإنجليز فقد انتبهوا للأمر مؤخرا.

   

ضمت قائمة اللاعبين الأخيرة التي استدعاها غاريث ساوثغيت خمسة لاعبين مزدوجي الجنسية وهم: ديلي آلي، كالوم هودسون، جايمس تاركوفسكي، أكسندر أرنولد، ديكلان رايس. وهؤلاء جميعا فضلوا المنتخب الإنجليزي على أوطانهم، عكس ما فعله الجناح الإيفواري ويلفريد زاها.

     

   

تفيد الأرقام التي أعلن عنها "دان أشوورث" بأن 55 لاعبا من أصل 75 يتابعهم الاتحاد الإنجليزي للفئة العمرية الأقل من 15 عاما يحملون أكثر من جنسية. أضف إلى ذلك أن نسبة 70% من الزيادة السكانية بإنجلترا في العقد الأول من القرن الحالي كانت بسبب هجرة الأجانب إليها، مما يعني أن إنجلترا باتت تملك زادا بشريا أكثر تنوعا عليها استغلاله (16).

   

المختلف فيما تفعله إنجلترا هو اختلاف طريقة التسويق للأمر، فبدلا من ترديد ما ردده الفرنسيون نفسه حول لاعبيهم، والقول بأن هؤلاء مواطنون فرنسيون نشأوا وترعرعوا في بلاد الموضة، فالإنجليز يرون الأمر اختبارا لمنظومة بلادهم وجودة التخطيط، وليس اختبارا للجينات. فاختيار اللاعب للمنتخب الإنجليزي يعني اختياره المنظومة الأفضل بمحض إرادته.

   

يمكن القول إن هذا هو النموذج الحديث في حقبة التجنيس، لكنه لا ينقص أبدا من العمل الجيد الذي قام به الإنجليز. من التأثر بالنموذج الإسباني والألماني إلى محاولة بناء هوية خاصة، يسير الإنجليز على الطريق الصحيح، وعلينا أن نعتاد على منتخب ممتع بدل عن ذلك الممل الذي عهدناه سابقا.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار