انضم إلينا
اغلاق
ديفيد دي خيا.. أحضروا لنا الفاكس الآن!

ديفيد دي خيا.. أحضروا لنا الفاكس الآن!

أحمد أباظة

محرر رياضة
  • ض
  • ض

تخيل من منظور مشجع لمانشستر يونايتد أن موقعة "12:01" الشهيرة لم تحدث، صار ديفيد دي خيا حارسا لريال مدريد وانتقل "كيلور نافاس" إلى الجهة المقابلة، فتخيل ما الذي كان ليحدث؟ نعلم أن "دي خيا" هو من يعض أصابع الندم بعد أن ضاعت عليه ثلاثية دوري أبطال أوروبا بينما ينعم بها الكوستاريكي، ولكن هذا ليس موضوعنا، نعلم أيضا أن نافاس كان المستفيد الأكبر مما حدث، فتلك المصادفة أهدته ألقابا ما كان يحلم بها ولكن هذا ليس موضوعنا أيضا. (1)

 

نحن نتحدث عن مانشستر يونايتد نفسه، مانشستر الذي لم يحقق لقبا يُذكر منذ ذلك الوقت باستثناء الدوري الأوروبي، مانشستر الذي اعتبر مدربه السابق تحقيقه للمركز الثاني بفارق 19 نقطة عن البطل واحدا من أفضل إنجازات مسيرته، والتأهل لدوري أبطال أوروبا من الموسم التالي يحتاج إلى "معجزة". أنت لا تريد تخيل نافاس مع دفاع يونايتد، أليس كذلك؟ حسنا، تخيل الآن أن الآية قد انقلبت لدرجة أن الوضع لن يختلف على أقل تقدير، بل ربما بات نافاس أفضل حاليا كما يرمي البعض! (2) (3)

 

ماذا حدث؟
حارس المرمى "ديفيد دي خيا" (غيتي)

   

المعجزة سالفة الذكر كانت قريبة للغاية، ليس لأن مانشستر يونايتد كان في أفضل حال فني، بل لأن جميع منافسيه على المقاعد الأوروبية كانوا يمزحون طوال الأسابيع الأخيرة، ولكنه اكتفى بمبادلتهم المزاح، بل أخذ المزاح إلى مستويات جديدة حين فقد فرصته رسميا بالتعادل مع فريق حسم هبوطه في أبريل/نيسان الماضي! كارثة، ولكن قبلها، سقط جزء من تلك المعجزة من يد دي خيا، تحديدا أمام تشيلسي في مباراة ضد منافس مباشر كانت لتغير الشكل إلى حد ما.

   

لا أحد يلوم دي خيا على فشل الشياطين الحمر في التأهل لدوري أبطال أوروبا، ليس من السهل أن يصل أحد إلى هذا المستوى من التدليس، ولكننا فقط نتحدث عما يُنتظر منه كواحد من ضمن الأفضل في مركزه، كثيرا ما تحدثنا عن حاجة الفرق الكبرى إلى نوعية الحارس الحاسم الذي ينقذ فريقه في أحلك الأوقات، وفي يوم ليس ببعيد، كان اسم ديفيد دي خيا هو التعريف الحرفي لتلك النوعية من الحراس.

   

واقعة تشيلسي كانت الفصل الأخير، ولكن الفترة الأخيرة للإسباني لم تكن الأفضل في مسيرته، بل لا نذكر منها في مسيرته سوى بداياته مع الفريق أصلا، أخطاء متكررة، اهتزاز واضح في الثقة، دي خيا الذي لطالما ارتكز على رد فعله الأسطوري بات الأخير يخذله مرارا وتكرارا، ولا يوجد من لا يعلم ما المستوى الحقيقي لهذا الحارس وهذا تحديدا ما يصعب تفكيك تلك المسألة.

   

هو ليس حالة بوضوح فيكتور فالديس مثلا، حارس مميز يجيد اللعب بالقدم ويقدم مباريات كبيرة وأحيانا مواسم خارقة ولكن له أخطاء كارثية قاتلة لا يمكن التنبؤ بتوقيتها، ولكن لنجرب: هل باتت الأخطاء الهزلية سمة ثابتة لدي خيا؟ ليس بعد، ولكنها على وشك أن تلصق به، كون أخطاء الحراس تعلق في الذاكرة أكثر من إجاداتهم، تبعا للتراتبية الثابتة في عالم كرة القدم: فداحة خطئك الدفاعي تتناسب طرديا مع مدى قربك من مرمى فريقك.

     

     

"الدوري غير الدولي"

في الحقيقة لم يبدأ الأمر في النصف الثاني من الموسم الإنجليزي، حيث أعطانا دي خيا إنذارا واضحا في كأس العالم 2018، وتحديدا أمام كريستيانو رونالدو في المباراة الافتتاحية بين إسبانيا والبرتغال (3-3). من هنا بدأ العراب جوناثان ويلسون تحليله للمسألة في سبتمبر/أيلول الماضي، مقارنا بين أرقامه في التمرير وأرقام إيدرسون حارس مانشستر سيتي الذي يجيد اللعب بالقدم عكس دي خيا، وبالطبع من الواضح في أي اتجاه مالت الكفة، وصولا إلى أهمية علاقة التوافق بين أسلوب الحارس وأسلوب الفريق.

 

ضرب ويلسون مثلا بثنائية حراسة الكاميرون الشهيرة في الثمانينيات: توماس نكونو الذي يميل للبقاء في مرماه ويتميز بقوة رد الفعل مثله مثل دي خيا تماما، وجوزيف أنتوان بيل الذي يُمثّل ما يُطلق عليه "Sweeper Keeper" أو الحارس الذي يقوم بوظيفة "الليبرو"، بكلمات أخرى هو النسخة الأقدم لمانويل نوير. لم يكُن من السهل الفصل بينهما أو تحديد من هو الأجدر بحراسة مرمى الكاميرون بشكل قاطع، ولذلك كان الفريق يغير أسلوبه الدفاعي تبعا لاسم الحارس الذي سيشارك، مع نكونو يدافعون من الخلف ومع بيل يتقدمون إلى الأمام ليغطي هو المساحة من ورائهم.

   

بسؤاله عن هذا الأمر، نجد أنتوان بيل يُرجع خروج الكاميرون من ربع نهائي كأس العالم 1990 أمام إنجلترا إلى تلك المسألة تحديدا، حيث يقول إنه لو كان موجودا لكان نجح في التصرف في حالات تقدم الدفاع، ولهذا الطرح جانب واضح من المنطق، لأن تلك المشكلة لا تبرز إلا في حال تزامن غيابه مع تقدم الدفاع، إذ نال جاري لينيكير ركلة جزاء بسبب البينيات التي تُلعب في ظهر الخط الخلفي، وهي نفسها الكرات التي يجيد الحراس مثل بيل ونوير التعامل معها طوال الوقت.

  

في النهاية يقترح ويلسون أن يكون هذا سببا لتباين مستوى دي خيا بين مانشستر يونايتد ومنتخب إسبانيا، كونه يملك دفاعا متأخرا في الأول ودفاعا متقدما يضغط من الأمام في الثاني، إذ يرى أنه لو انعكست أمور قطبي المدينة، وذهب بيب غوارديولا لتدريب يونايتد فيما ذهب جوزيه مورينيو لتدريب سيتي، لكان دي خيا الآن في ريال مدريد، فـ"الحارس ليس مجرد شخص يتصدى للأهداف". (4)

       

   

نحو فاكس جديد..

في الوقت الذي أخرج به ويلسون نظريته كان على حق وفقا للمعطيات المتاحة، هو لم يقُل أن اختلاف أسلوب اللعب يعني حتما أن الحارس سيبدأ في ارتكاب الأخطاء الساذجة، ولكن هذا التغيير على أقل تقدير يفرض عليه وضعيات مغايرة لما يعتاده وواجبات مختلفة عن المعهود، الأمر الذي يمكنه العبث برأس مال الحارس: التركيز. ونحن لا نُريد حقا استخدام التعبير الدارج لدى أهل مانشستر والذي استخدمه أندي ميتن كاتب "فور فور تو" في الثلاثين من أبريل/نيسان الماضي لوصف حالة تشتت الذهن التي باتت واضحة على الحارس الإسباني. (5)

   

لهذا، وبعد أن انتقلت تلك الأخطاء من إسبانيا إلى أولد ترافورد، أضاف ميتن بعض الحقائق المتماسكة للغاية على بساطتها: باختصار، أزمة تجديد دي خيا واستمرارها لقرابة العام هي حدث يتكرر للمرة الثانية في 4 أعوام فقط! بالعودة إلى واقعة "الفاكس" الشهيرة في أغسطس/آب 2015، تعرض الحارس لعملية ابتزاز واضحة فقط لكي يوقع على العقد الجديد، أجلسه لويس فان خال على مقاعد البدلاء كونه يرغب بالرحيل إلى ريال مدريد، وحين فشلت الصفقة أو بالأحرى تم إفشالها عمدا في اللحظات الأخيرة، بقي دي خيا حبيس الدكة حتى يوقع، علما بأن يورو 2016 كانت في نهاية هذا الموسم، والكل يعلم جيدا أن فيسنتي ديل بوسكي يبحث عن عذر مقنع لاستمرار إيكر كاسياس في المقعد الأساسي، ماذا تفعل لو كنت مكانه؟

     

  

بمنتهى الاحترافية واصل الحارس خدمة ناديه وإنقاذه من مهزلة تلو الأخرى، آخر الأمثلة الواضحة هي ليلة توتنهام هوتسبر التي انتهت بفوز مانشستر يونايتد فقط لأن دي خيا قام بـ11 تصديا في الشوط الثاني، ولكن للمرة الثانية شبح الجديد لا يزال هنا، ووفقا للتقارير الصحفية فإن إدارة الشياطين الحمر ستدفع ثمن راتب أليكسيس سانشيز بقية حياتها! مرة لأنها لم تستفد منه حتى الآن اللهم إلا مشهد البيانو، ومرة لأن كل اللاعبين يطالبون بحقهم المشروع في المساواة، المشروع للغاية بالمناسبة، فليس من العدل أن يتقاضى دي خيا نصف راتب عمر خيرت اللاتينيين.

   

متى ستتوقف تلك الفوضى؟ حقا لا نعرف، ولكن على الأرجح هي ليست سوى جزء بارز في الفوضى العارمة بين أروقة الكارينغتون، لأنك إن كنت سترفع سقف رواتبك إلى الضعف فعليك أن تعلم أن الكثير من اللاعبين سيطالبون بالمزيد من الأموال، الطمع البشري لا أراك الله، ولأنك إن كنت تبحث عن مقعد مؤهل لدوري الأبطال بين منافسيك الحاليين فعليك أن تملك خط دفاع أفضل من هذا على الأقل، ولأنك إن كنت على استعداد لرفض ماوريسيو بوتشيتينو فقط لأجل الحلم الدافئ وأمجاد أواخر التسعينيات فعليك أن تدفع الثمن غاليا، وعليك أن تفقد دي خيا كما فقدت هيريرا وكما قد تفقد بوغبا نفسه، بوغبا الذي أفلت مدربا لأجله في نهاية المطاف. جماهير أولد ترافورد لم تلُم دي خيا ولا حتى في ليلة تشيلسي سالفة الذكر، تلك الجماهير كانت تهتف لمورينيو حتى اليوم الأخير تقريبا، فما بالك بدي خيا؟ وعلى الأرجح لن تلومه إن قرر عدم التجديد لأجل اللعب في دوري أبطال أوروبا، لا أحد يلوم أي أحد سوى إد وودوارد.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار