انضم إلينا
اغلاق
من نجم أرسنال إلى رمز معاناة مانشستر يونايتد.. ماذا حدث لسانشيز؟

من نجم أرسنال إلى رمز معاناة مانشستر يونايتد.. ماذا حدث لسانشيز؟

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

"سانشيز سيرغب في الرحيل هذا الصيف ومانشستر يونايتد سيكونون مجانين إن لم يحققوا له أمنيته، ولكن حتى لو وافقوا، فأي مخبول سيخاطر بإنقاذه من مأساته الحالية؟"

(8 لاعبين في البريميرليغ لن يرغب أحد في التعاقد معهم هذا الصيف(1)  تقرير على 90Mins)

  

في حال كنت تتساءل، فاللاعبون السبعة الباقون هم شكودران مصطفى، وإلياكيم مانغالا، وداني درينكووتر، وألبرتو مورينو، وخوزيلو، وأندريه زامبو أنغيسا، بالإضافة إلى وين هينيسي. نعم، لهذه الدرجة تراجع سانشيز، ليس فقط لأن محررا صحفيا قال إن أحدا لن يتعاقد معه في الصيف، بل لأن وجوده في هذه القائمة به شيء من المنطق إذا نظرنا لآخر عامين من مسيرته.

    

تحريات كلب

قبل عام تقريبا من الآن، وبعد خروج اليونايتد المهين أمام إشبيلية مونتيلّا، حاول جوناثان ليو من إندبندنت تقصي الأمر، وكتب مقالا تخيليا يُمثّل حوارا يدور بين كلبي أليكسيس "أتوم" و"هامبر" اللذين نالا شهرة واسعة خلال سنواته في أرسنال. (2)

  

  

أغلب الظن أن الرجل أراد إزالة القيود التحريرية المعتادة لينال حريته في التعبير عما يعتقده، ولكن هناك لفظة واحدة تكررت في العنوان وعدة مواضع مختلفة في المقال، لفظة عبّرت عن بدايات سانشيز المتواضعة وسنوات مراهقته العصيبة، وعن إحباطه في برشلونة ثم انفجاره في أرسنال وأخيرا انطفاء نجمه في مانشستر يونايتد، كل هذا اجتمع تحت عنوان واحد منطقي؛ "الصراع" (Struggle).

  

حياة سانشيز عبارة عن صراع متواصل فعلا، صراع لا يتوقف؛ شاب بدأ حياته العملية مبكرا واضطر للعمل في منجم بإحدى القرى الفقيرة بشيلي، وهي وظيفة تتناقض بشدة مع طبيعته الاجتماعية الهادئة وحبه للموسيقى، وعندما بدأت مسيرته الكروية استمر الصراع، من نادي كوبريلوا في شيلي إلى كولو كولو ثم أودينيزي ثم عدد من الإعارات المتبادلة بين الناديين انتهت في موسم 2007-2008، وبعد ثلاثة مواسم تدرجت روعتها في إيطاليا حقق حلمه بالرحيل إلى برشلونة. (3) (4)

  

نظريا، انتهى الصراع في كتالونيا، وهذا قد يكون مبررا منطقيا للغاية لكونه لم ينفجر هناك مثلما فعل مع أرسنال. سانشيز كان قد اعتاد الصراع وأصبح محددا لشخصيته داخل الملعب، صار يتألق عندما تُفرض عليه درجة من الصعوبة والتحدي، ورغم تحقيق الأمان المالي والاجتماعي فلقد أراد الاحتفاظ بهذه الذكرى من حياته القديمة مثلما يفعل الكثيرون من اللاعبين اللاتينيين، ولكن الحقيقة أن إسبانيا كانت قد أعدّت له معركة من نوع مختلف، صراع آخر أدرك أليكسيس أنه سيخسره من قبل أن يبدأ، ولسبب لم نكن نعلمه في حينها.

    

  

الأمر اتضح عندما رحل إلى إنجلترا وبدأ يعيد الكرّة مع نادٍ آخر أصبح الصراع جزءا من هويته، وفي مطلع موسمه الثاني هناك صرّح سانشيز أنه صار يستطيع مقارنة نفسه بميسي ورونالدو، وأنه يرى في ذاته المهارات نفسها والتأثير نفسه، وعندها اكتشفنا لماذا لم تتوج فترته في كتالونيا بالنجاح المتوقع؛ ببساطة لأن سانشيز لم يكن يتمنى مجاورة ميسي بقدر ما كان يطمح في مقارعته. (5)

  

صراع من فرط العَظَمة

سانشيز لم ير في نفسه اللاعب الذي يؤدي الدور الثاني في أي نادٍ حتى لو كان الأول هو ميسي، لم ير نفسه اللاعب الذي يُسأل في المؤتمرات الصحفية عمن يفضل بين الأرجنتيني والبرتغالي. هذه أمور تجرح كبرياء أكثر اللاعبين، ناهيك بمقاتل مثل أليكسيس لا يرى نفسه بمعزل عن هذه المقارنة أصلا، حتى لو جزم العالم أنه مخطئ.

   

  

السؤال المنطقي الآن هو عن سبب رحيله من أرسنال ما دامت هذه هي طبيعة شخصيته، والحقيقة أن هذا السؤال يحمل تصورا سطحيا للأمر، وكأن النتائج السلبية والإخفاقات المتتالية هي دليل كافٍ على توفر حالة الكفاح الكروي التي يحبذها أليكسيس أو أي لاعب من طينته، ولكن الواقع يقول إن سانشيز لم يترك أرسنال في منتصف السباق، بل تركه عندما قرر ألا يخوض السباق أصلا. (2)

   

حينها كان هناك صراع أكثر جدوى ينتظره في مانشستر، أو هكذا كنا نظن حينها؛ أن سانشيز سيكون الرجل الذي سيعيد لمانشستر يونايتد كبرياءه في مواجهة الأثرياء الجدد. هذه حبكة درامية للغاية ويمكنك التخيل أنها ستعجب رجلا مثل أليكسيس جدا. على الأقل ستروق له أكثر من فكرة انضمامه لفريق مدجج بالفعل يعتبر وجوده رفاهية لا ضرورة.

  

بالطبع كان لأعلى راتب في تاريخ إنجلترا دور في كل ذلك، ولكن دوره تجاوز المبلغ الذي سيُضاف إلى حساب سانشيز كل أسبوع، لأن هذا الرقم بحد ذاته كان معبرا عن الفكرة نفسها، فكرة أن سانشيز سيتحول إلى ميسي أو رونالدو الخاص بمانشستر يونايتد، المنقذ الذي أتى لينتشل الفريق من سطوة سيتي غوارديولا شبه المطلقة، والراتب الذي رفضه المواطنون وقَبِله الشياطين لم يكن هو الصفقة الفعلية بل ظاهرة من ظواهرها، مجرد مؤشر على دوره المنتظر في كلٍّ من الناديين. (6)

   

هذا من وجهة نظر أليكسيس على الأقل، أما ما حدث فعليا فهو أن مانشستر يونايتد تعاقد معه لكي لا يحصل عليه سيتي فقط لا غير. وواقعيا، لم يكن النادي يمتلك أي تخيل لخط هجوم يمكن أن يحتويه مع العناصر الموجودة، وبمجرد إتمام الصفقة اكتشف سانشيز أن أحلام مقارعة ميسي ورونالدو لم توجد إلا في رأسه هو، ووجد نفسه في صدام مع غرفة ملابس تعتقد أنه لا يستحق هذه المكانة وهذا الراتب أصلا، حتى من قبل مشاركته في مباراته الأولى. (6)

     

    

4-2-سانشيز-1

داخل الملعب لم تكن الفوضى أقل حجما. عندما انتقل أليكسيس ظن الجميع أن مورينيو قد حصل على مراده أخيرا؛ شنايدر الجديد الذي سيجعل خطة الـ4-2-3-1 أكثر فتكا، لأنه إن كان أرسنال قد وفّر لسانشيز أرضية تُمكّنه من التوهج فهي الفراغ، والفراغ هو ما حوّله من جناح مُقيد مع برشلونة إلى وحش حقيقي يتضخم في كل مباراة جديدة ليملأ كل هذا اللا شيء في وسط وهجوم المدفعجية. صانع لعب مهاري يسجل كالمهاجمين ويركض ويضغط مثل لاعبي الارتكاز.

  

لمورينيو، كان هذا هو الحلم من بعد 2010. أصلا خطة 4-2-3-1 غالبا ما تضع أكسل لاعبيها في المركز رقم 10 لأن مساحة حركته هي الأقل وأغلب المسافات الطويلة تقطعها الأجنحة صعودا وهبوطا، ولكن مع سانشيز كان مورينيو قادرا على تهكير هذه النظرية إن جاز التعبير، ووضع لاعبا مثله في هذا الموقع كان يضمن له نسخة أكثر توحشا من خطته المفضلة، وكأنه يلعب اللعبة نفسها التي يلعبها الجميع ولكن بشفرة تقضي على أهم نقاط الضعف فيها، لأنه الوحيد الذي يمتلك لاعب 10 أكثر نشاطا وفاعلية من الباقين.

    

  

طبعا كل ذلك اصطدم بحقيقة أن مارسيال وراشفورد لم ولن يكونا بانديف وإيتو أبدا، وأن بوغبا لن يتحوّل إلى موتّا أو كامبياسو فجأة لمجرد أن مورينيو قرر ذلك. في الواقع، فشل مورينيو في توقع المشكلات التي ستحدث خارج وداخل الملعب بمجرد انضمام سانشيز كان غريبا وغير متوقع على الإطلاق. هذا رجل طالما تميز بقدرته على قراءة شخصيات لاعبيه وخلفياتهم، ومع لاعب كبوغبا عبارة عن قنبلة موقوتة تنتظر الانفجار في أي لحظة، كان متوقعا أن تنتابه الغيرة بسبب وضعية الشيلي وراتبه الذي قد يصل لضعف ما يتقاضاه بنهاية الموسم، وحقيقة أن موقع الـ"ميسي" الوحيد في التشكيل كان محجوزا له بالفعل.

  

النتيجة؛ بعد نصف الموسم المخيب الذي وصفه ليو في مقاله، كان مورينيو قد ضغط على زر التدمير الذاتي المعتاد قبل الموسم الثالث، وكانت المشكلات قد بدأت بينهما بسبب ميل الشيلي للرد على انتقادات مدربه وإبداء رأيه في طريقة اللعب، وكانت غرفة الملابس قد قاطعت سانشيز عمليا حتى ولو لم تصرح بذلك علنا، باستثناء ثلاثة أسماء فقط هي ماتا ودي خيا ولوكاكو؛ الأول في طريقه للرحيل بعد عرض برشلونة، والثاني يدرس الرحيل بعد النتائج المخيبة، والثالث يفكر في الرحيل ليلحق بكونتي في إنتر. (7)

  

في الوقت الذي كانت بعض التقارير تؤكد أن مورينيو ندم على ضم الشيلي في المقام الأول، كان بوغبا يسارع لحجز موقعه مع النرويجي القادم من جيل الذهب، ومع الوقت صار واضحا أن سانشيز لم يكن في خطط المدرب الجديد أصلا. الآن وكيله يتنقل بين مدن إيطاليا ليبحث له عن فرصة جديدة تضمن عودته للساحة، ولكنّ شيئا واحدا لم يتغير هو أن مانشستر يونايتد ما زال بلا خطة ولا توجّه ولا تخيّل للمستقبل، وأن استخدام سانشيز ككبش فداء للفشل المتتالي في الفترة الماضية لن يكون ممكنا في المستقبل. (8)

      

  

ولكني أتيت

من جهة، يبدو سانشيز ضحية لكبريائه، ومن جهة أخرى يبدو ضحية للعشوائية التي تحكم أندية اللعبة؛ هذا رجل كان مستعدا لغزو العالم مع "النادي الصحيح" ولكنه لم يجده أبدا. رجل لعب في أرسنال وبرشلونة ومانشستر يونايتد ورغم ذلك كانت مسيرته مع منتخب بلاده هي الأنجح على الإطلاق رغم فارق الإمكانيات والتاريخ، لأنها كانت صراعا حقيقيا بهدف محدد سواء مع سامباولي أو بيدزي، أما مسيرته مع الأندية فكانت في أغلبها أقرب للشعارات الحنجرية منها للكفاح رغم توفر الإمكانيات لما هو أكثر. هذه هي المفارقة الأغرب في حياة أليكسيس.

  

سانشيز يبلغ من العمر 30 عاما الآن، وغالبا لن يصبح رمزا لأحد الأندية أبدا، لن تخلده أيٌّ من جماهير كتالونيا أو لندن أو مانشستر كأسطورة لناديها حتى لو كان إحدى أساطير اللعبة في العموم. كبرياء أليكسيس قد يكون أكثر ما أضر به في الأعوام الماضية، ولكنه قد يكون على موعد مع صراع جديد مثمر في إنتر، النادي الذي تحرر من قيود قانون اللعب النظيف ويستعد الآن لبناء مشروع مبشر مع كونتي، وإذا لحق به لوكاكو فسيضمن سانشيز وجود صديق واحد على الأقل في غرفة الملابس. (9) (10)

  

رحلة سانشيز قد تنتهي هنا وقد تبدأ مجددا، ولكن أيًّا كان ما سيحدث فإنها تطرح عدة أسئلة مهمة على جمهور اللعبة؛ الكبرياء الذي يقود للمخاطرات أم النجاح الآمن المضمون؟ هل الولاء قيمة مطلقة؟ هل كان ينبغي لسانشيز أن يقابل انعدام كفاءة إدارتي أرسنال ومانشستر يونايتد بالطاعة والوفاء؟ هذه أسئلة ستظل مطروحة إلى أن يجيب عنها أليكسيس نفسه بخطوته القادمة، إلى أن يخاطر أحد المخابيل بإنقاذه من مأساته الحالية، وحتى ذلك الحين سيظل وصف غارديان له هو الأدق؛ شبح لوحش كان يخيف الجميع سابقا ثم لم يعد كذلك، يخطو بثبات نحو النسيان. (7)

تقارير متصدرة


آخر الأخبار