انضم إلينا
اغلاق
فقاعة الموسم.. هل هرب فان دايك من مواجهة ميسي؟

فقاعة الموسم.. هل هرب فان دايك من مواجهة ميسي؟

يوسف حمدي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

هل هذا هو فان دايك الذي صدَّعتم به رؤوسنا؟

لقد اختفى ميسي في المباريات الكبيرة كعادته، لقد حان موعد تخاذله السنوي. 

  

قبل مواجهة برشلونة وليفربول، انتظرنا جميعًا أن تملأ واحدة من هاتين الجملتين أرجاء مواقع التواصل، في حالة لم يسجل ميسي هدفًا وفاز ليفربول، كانت ستظهر العبارة الثانية التي تكررت في السنوات الثلاثة الماضية، بالطبع بعد أن تطالب الجماهير فان دايك بإخراج ليو المسكين من “جيب سرواله”.

 

أما في حالة تشابه مصير فان دايك بمصير بواتينغ في 2015، فإنه بالطبع سيكون موعدًا لنسف موسم الرجل كاملًا، الأمر يبدو مثيرًا للغاية نظرًا لأن فئة ليست بالقليلة تصف ما يحدث حول المدافع الهولندي بالتضخيم، لذا سيكون ميسي هو الرجل الذي قرر إنهاء فقاعة الموسم، تلك التي قام الإعلام وجماهير ليفربول بنفخها.

 

انتهت المباراة، سجل ميسي هدفين، ظهر فان دايك في أكثر من لقطة محاولًا تجنب الالتحام مع ميسي، يبتعد للخلف كلما اقترب ليو، بل وينادي زملاءه أحيانًا لمحاولة الوقوف أمام البرغوث الأرجنتيني، يا لها من مادة دسمة لكي يثبت كل حزب ما انتظر فرصة لإثباته.

     

   

فلنضع الأمور في نصابها

قبل الخوض في أي شيء، علينا الإقرار بأن فان دايك قدم مباراة سيئة، ربما أسوأ مباراة له خلال الموسم الحالي، في حال سألته في الغرف المغلقة سيعترف هو نفسه بذلك، بل ونزيد من الشعر بيتًا أنه قدم لقطات كوميدية بالفعل، ولكن ليست تلك التي ابتعد فيها عن ميسي، أو ليس جميعها بالأحرى.

  

في كرة الهدف الأول، يقف فان دايك على مسافة واحدة هو وماتيب من سواريز، المدافع الكاميروني أمام المهاجم والهولندي خلفه، زاوية الرؤية تسمح لفيرجيل باعتراض الكرة قبل سواريز الذي أشار بدوره إلى ألبا ليمرر له عرضية قطرية، جميعنا لاحظ ذلك عدا فيرجيل الذي وقف يتابع التمريرة وتحرك سواريز والهدف دون أن يحرك ساكنًا.

  

في أكثر من لقطة أخرى بدا فان دايك - أحد أفضل المدافعين تمركزًا في العالم - تائهًا، لا يعرف متى عليه التحرك وفي أي جهة، كل هذه العوامل تقول إن مباراته كانت سيئة بالنسبة للمأمول على الأقل، ولكن هل يعني ذلك أنه فقاعة كما قالت جماعات مكتشفي الغامض والمثير؟ علينا الانتقال إلى معادلة أخرى للإجابة على هذا السؤال.

  

 لاعب ليفربول "فيرجيل فان دايك" ولاعب برشلونة " ليونيل ميسي" (رويترز)

       

موسم ونصف أمام مباراة

أمام برشلونة، قدم محمد صلاح أفضل مبارياته هذا الموسم، أمام هذا الفريق الذي يكشف حقيقة “اللاعبين المضخمين” حين يواجهونه، كذلك الحال مع المدافع ماتيب الذي مال الملعب ناحيته كونه الطرف الأضعف نظريًا بين قلبي الدفاع، ورغم ذلك لم يظهر كنقطة ضعف أبدًا طوال التسعين دقيقة، بل كان العامل الأبرز في عدم تعرض ليفربول إلى المزيد من الأهداف.

 

من هذه المعادلة يمكننا استنتاج شيء بسيط، أن ترشيح ماتيب ضمن تشكيلة الفيفا لهذا العام يعد منطقيًا، وأن صلاح يستحق الكرة الذهبية كذلك، فلماذا لا تقوم مباراة جيدة بمحو موسم متوسط لكليهما كذلك كما حدث العكس مع فان دايك؟ أليست أمام نفس الخصم الذي يعد اللعب أمامه هو المقياس الوحيد لأداء اللاعبين؟

 

في الحقيقة، البعض لا يحب المنطقة الرمادية، على الرغم من أن كرة القدم تنتمي إليها بالدرجة الأكبر، ولا تعرف الأبيض والأسود إلا قليلًا، هؤلاء لا يعرفون سوى كلمتي أفضل وأسوأ، وبناء على ذلك سيدخل فان دايك اختبار الكامب نو ليخرج منه إما أفضل مدافع في التاريخ، وإما فقاعة الكوكب الأولى التي سقطت على يد ميسي ورفاقه.

 

هؤلاء لن يستطيعوا النوم إذا قالوا "فان دايك أفضل مدافع في العالم هذا العام لكنه قدم مباراة سيئة" أو أن صلاح الذي كان موسمه متوسطًا قدم مباراة مثالية، أو أن ماتيب خالف التوقعات وكان أحد أفضل لاعبي مواجهة ليفربول وبرشلونة. تلك الكلمات لا تبدو جذابة للقارئ المتواجد على صفحات التواصل الاجتماعي، ذلك الذي ينتظر لحظات ما بعد المباراة أكثر من المباراة ذاتها، تروق له كلمات “كمتخاذل وفقاعة وحراق” أكثر من أي شيء آخر، لن تتاح له الفرصة لنوم هادئ سوى بترديد تلك العبارات، فبالطبع اللاعب إما “فقاعي متخاذل” وإما “حراق”، وهو غالبًا ما يكون حراقًا لأنه الأفضل في التاريخ.

 

من فان دايك أصلًا؟
لاعب ليفربول " فيرجل فان دايك" (غيتي)

    

لا بد وأنك قرأت عبارات تتحدث عن أنه أفضل مدافع في العالم، وأخرى تبالغ قليلًا تصفه بأنه صاحب الأداء الأكثر تكاملًا من بين الجميع، وأخرى تبالغ كثيرًا تصنفه كأفضل مدافع في التاريخ ككل، لا بد وأننا نختلف مع كلمة التاريخ نظرًا لأننا جميعًا لم نشاهده كاملًا، ولكن هل ينفي ذلك أن شيء من تلك العبارات يبدو صائبًا حين يوضع في سياقه الصحيح؟

   

من جانب ليفربول انطلقت تصريحات عدة تنتمي لفئة المبالغات، من بينها كان ما قاله جيمي ريدناب، والذي صُنف كمبالغة نظرًا لأنه وللوهلة الأولى يبدو كذلك، ريدناب قال إن فان دايك يعد خليطًا من تيري وفيديتش وفيرديناند، هو ليس أفضل من الثلاثة في حال وضعهم في جهاز ضغط يحولهم إلى شخص واحد بالطبع، بل الرجل يمتلك كل ما ميز الثلاثة كقلوب دفاع، الرجل بالطبع كان مطالبًا بشرح هذه النقطة في خمسة آلاف كلمة حتى لا تؤخذ كلماته على محمل السخرية. (1)

  

إذا كان في قلبك غصة مما قاله الرجل فلا بأس، من الممكن أن نسأل سؤالًا بسيطًا حول هذه القصة، سؤال عن نقطة الضعف التي تعيب فان دايك؛ ألعاب الهواء مثلًا؟ السرعة؟ البدنيات؟ المواجهة في موقف واحد ضد واحد؟ التمركز؟ بناء اللعب؟ ضع جميع المواصفات التي يجب توافرها في المدافع بشقيه الكلاسيكي والحديث وبجوراها علامة استفهام، ستصل في نهاية الأمر إلى إجابة واحدة؛ لا شيء، لا يوجد نقطة يجب أن تتوافر في قلب الدفاع لا يمتلكها فيرجيل، وهذه هي النقطة المحورية هنا.

  

كان ذلك حتى ما قبل مباراة برشلونة الأخيرة، لأننا اكتشفنا الآن العيب الخطير الذي سيدمر كل هذا، الرجل يعيبه الجبن، هو لا يدخل بشجاعة وجسارة خوفًا من أن تتم مراوغته، عكس هؤلاء المدافعين الشجعان الذين لا يخافون من التعرض إلى المراوغة، وكأن المراوغات نفسها أصبحت هي النقطة المحورية التي  تدور حولها كرة القدم أصلًا.

    

الهروب من ميسي

الهارب فان دايك لا يتدخل بشجاعة كمالديني ونيستا، ليس جسورًا كسيرخيو راموس، الذي كان يواجه ميسي ورونالدينيو بجرأة بغض النظر عما يحدث بعدها

رويترز
   

البعض أكدوا لنا أنهم لم يشاهدوا فان دايك أصلًا طوال الموسم، ذلك لأنهم تفاجؤوا أنه يظل على مسافة من حامل الكرة، يعود معه للخلف متتبعًا حركته يمينًا ويسارًا حتى تأتي اللحظة المناسبة التي يمكن له فيها التدخل وافتكاك الكرة، وغالبًا ما ينجح في ذلك في حال قرر اللاعب مرواغته وليس تمرير الكرة، نظرًا للإحصائية الشهيرة التي وقعت محل سخرية تلك بأنه لم يرواغ في البريميرليغ طيلة الموسم الحالي. (2)

  

الهارب فان دايك لا يتدخل بشجاعة كمالديني ونيستا، ليس جسورًا كسيرخيو راموس، الذي كان يواجه ميسي ورونالدينيو بجرأة بغض النظر عما يحدث بعدها، المهم أنه لا يهرب كهذا المتخاذل الهولندي صنيعة إنييستا وتشافي، عفوًا ليس هذا، اختلطت الأمور قليلًا.

 

للرد على تلك المعضلة، تحتاج لمعادلة تتطلب ثلاث خطوات، أو بالأحرى تكرار عملية واحدة في 3 لقطات متتالية، انظر إلى أي لقطة يمتلك فيها أي لاعب الكرة ويستعد لمواجهة مدافع، واحسب نسبة خطورة الكرة بشكل تقديري في هذه اللحظة، ثم تخيل أن الموقف بقي كما هو وظل اللاعب والمدافع يتحركان سويًا، ثم تخيل أن المدافع قرر ترك مكانه والدخول في التحام مع اللاعب ومن ثم تمت مراوغته. حينها ستكتشف أن الحل الأمثل هو الانتظار، الأمر يبدو معقدًا حقًا، وفي الحقيقة يبدو القاموس الذي يحتوي حراق ومتخاذل وفقاعة أكثر جذبًا وسهولة للسواد الأعظم من متابعي الكرة.

   

لاعب ريال مدريد "سيرجيو راموس" ولاعب برشلونة "ليونيل ميسي" (رويترز)

   

في الحقيقة، ليس هناك أي شجاعة في أخذ أسبقية التدخل للمدافع أمام المهاجم في موقف واحد ضد واحد، المهاجم يملك الكرة ومعه المساحة، هو يمتلك الأفضلية دائمًا للمرور حتى وإن لم يكن مراوغًا محترفًا، اندفاع المدافع أمامه سيعطيه الفرصة للمرور باستخدام سرعته، سيمنحه مجالًا لفتح زاوية تمرير نظرًا لأن المدافع قد تخلى عن تمركزه وترك مساحة أخرى خلفه في مكان حساس، بالطبع ذلك في حال كان المرمى خلف المدافع وحامل الكرة أمامه، ذلك حتى لا يتم أخذ الأمور إلى سياق آخر.

 

بالتعامل مع راموس كمثال، فإنه في حال تحلى بالجُبن مثل فان دايك وتخلى عن شجاعته، لمرّت أغلب الكرات التي تمت مراوغته فيها على نحو آخر، لسمح إلى أحد زملائه بالعودة من أجل التغطية، ولأعطى نفسه فرصة للتحرك حول المهاجم حتى تأتي له الفرصة الملائمة للانقضاض، ذلك لأن تلك الكرات كان ينتهي جزء منها إما بأهداف في مرمى فريقه وإما بحصوله على بطاقات ملونة، وبالطبع تفادي هذا يعد أهم بكثير من إثبات الشجاعة وعدم الخوف.

 

بالمناسبة، راموس مدافع مميز، ووصفه من قبل البعض بالأفضل في التاريخ ظلمه كثيرًا لأنه جعل الفئة الأخرى تتعامل معه وكأنه الأسوأ، لندخل مرة أخرى في دوامة كارهي المنطقة الرمادية ومحبي الاختزال والتسطيح. ما يجعل راموس خارج قائمة الأفضل في التاريخ هي نقطة فشله في التمركز الصحيح غالبًا، وقراراته المتسرعة بالخروج من مكانه وترك المساحات خلفه، وبالطبع التدخلات العنيفة التي تكلفه الحصول على بطاقات ملونة في أوقات لا تبدو فيها الأمور في حاجة لذلك، والمثير للضحك والشفقة في ذات الوقت أن نقاط الضعف تلك هي التي تم البرهنة بها على أفضلية راموس، تحديدًا عقب ظهور فان دايك المتخاذل وهو يفضل الهرب من مواجهة ميسي.

   

    

ليس في عظمة الطليان

لا مانع أن يتدخل بعض مقدسي إيطاليا ليأخذوا نصيبهم من التعليقات السطحية، ولكن في حال انتظروا قليلًا، من الممكن أن يجدوا عند وزراء الدفاع الطليان أنفسهم ما يتنافى مع نظرياتهم تلك، أو ما ينصف ما قام به فان دايك فيما يخص الابتعاد عن المواجهات المباشرة أمام ميسي.

  

يقول باولو مالديني، إن أولى خطوات الدفاع الجيد هو أن تبقي عينك على الكرة، ثم تحاول إبعاد المهاجم عن المرمى بأن تجبره على التحرك العرضي نحو الأطراف، ومن ثم تنتظر اللحظة المناسبة من أجل الانقضاض عليه، والأهم من كل ذلك ألا تتعجل في مواجهته حتى لا يخرجك هو من اللعبة. (3)

   

وفي تقرير على فور فور تو بعنوان "كيف تدافع كالأساتذة" يقول فرانكو باريزي إن أهم ما يجب على المدافع أن يتحلى به هو الصبر، حيث أن التدخل في وقت خاطئ يعطي الأفضلية لحامل الكرة، ما يجعل المدافع يخرج من اللعبة مبكرًا، وفي الخطوة الثانية يرى باريزي أن المدافع عليه أن يعمل كجزء من الفريق، وأن يركز على تمركز زملائه وزملاء حامل الكرة أيضًا ليعرف كيف يتحرك، وفي ثالث خطوة يقول باريزي توقع الأسوأ، بمعنى أن تضع خيار أنه سيتم مراوغتك قبل أن تتدخل، من أجل ألا تأخذ خطوة متهورة دون أن تحسب عواقبها. الجدير بالذكر أن أغلب أعداء الجبان فان دايك يصنفون مالديني وباريزي كأفضل مدافعين في تاريخ كرة القدم. (4)

     

نيمار (رويترز)

   

المراوغة في حد ذاتها لا تعني شيئًا، سواء فيما يخص التعرض لها أو تفاديها، في 2017 لعب أليجري بتكتيك دفاعي بحت أمام برشلونة في إياب ربع النهائي، في كل مرة كان يترك نيمار يراوغ كوادرادو وخضيرة الذي تطرف لمقابلته ليستدرجه إلى العمق، هناك يجد تكتلًا من بيانيتش وكيليني وبونوتشي وألفيش، لينتهي به المطاف في كل مرة إما بفقدان الكرة أو بتمريرها للخلف، تواجده على الجناح سيزعج أليجري لذا هو يحتاج إلى سحبه إلى العمق حيث تتواجد التكتلات. في نهاية المباراة قام نيمار بـ 15 مراوغة صحيحة من أصل 22،  ولم يسجل برشلونة أي هدف وتأهل يوفنتوس إلى نصف نهائي دوري الأبطال، لماذا؟ لأن كرة القدم شيء مختلف تمامًا عن تلك التي يلعبونها في الأزقة والحواري، حيث تلخص المرواغات كل شيء. (5)

   

ماذا لو خسر يوفنتوس ليلتها؟ بالطبع سيصبح نيمار “حراقًا”، كان الجميع سيتغنى بمراوغاته الساحرة لخضيرة، سيعتقدون أنها سبب الفوز حتى وإن أتى من مكان آخر، من حسن حظ خضيرة أنه لم يحصد أية إشادة قبل المباراة، ولم يكن أفضل لاعب في الدوري الإنكليزي قبلها بأسبوع مثلًا، حينها كان سيلقى مصير فان دايك على الرغم من أنه تحلى بالشجاعة التي تنقص الهولندي، فهو فعل النقيض تمامًا لما فعله فيرجيل، ولكن السخرية والعبارات الحراقة يجب أن تحضر على أية حال، فقط حتى ينعم مروجيها بنوم هادئ عقب قضاء ليلتهم سعداء.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار