انضم إلينا
اغلاق
لغز فالفيردي.. هل تُلعب كرة القدم بالدعاء؟

لغز فالفيردي.. هل تُلعب كرة القدم بالدعاء؟

أحمد أباظة

محرر رياضة
  • ض
  • ض

سحق برشلونة ضيفه ليفربول بثلاثة أهداف دون رد في ذهاب نصف نهائي دوري أبطال أوروبا، ليصبح تأهله إلى النهائي مسألة وقت لا أكثر. إرنستو فالفيردي قد حطم لتوه عقدة ربع النهائي، دمر خصما يخشاه الجميع، يقترب من خوض نهائي هو الطرف المرشح للفوز به سواء ضد أياكس أو توتنهام. بكلمات أخرى هذا الموسم بنسبة 90% سينتهي وذات الأذنين بين يديه.

   

في الطريق إلى هنا حقق فالفيردي الكثير من الانتصارات الخادعة، الكثير من تلك النقاط التي لم يبذل جهدا للفوز بها، فقط تصادف أنه يملك ميسي وتير شتيغن، هذا صحيح، غالبية تلك المباريات المأساوية أتت في الموسم الماضي ولم يبالِ الكثير، فالأرقام والنتائج لا يمكن مجادلتها. الرجل سحق ريال مدريد 5-1، لن يخبرك أحد أن حالة الملكي كانت يُرثى لها. فاز بالليغا لعامين على التوالي، لن يخبرك أحد أنه لا يوجد منافس حقيقي، أو أن ليفربول الذي أكله للتو هو وصيف دوريه بـ91 نقطة فيما يحتل الكتلان القمة بـ83 فقط.(1) (2)

       

    

سلاح النتائج

هذا هو الحال لدى عشاق الأرقام وهواة جمع النتائج، هؤلاء الذين لا يعطون أي قيمة لـ90 دقيقة بمجرياتها طارحين التساؤل المنطقي حول سبب مشاهدتهم للمباريات من الأساس، ولكن من أقصى يمين تلك العصا إلى أقصى يسارها، هناك من لن يرضى حتى تقدم له عرضا كرويا يشبعه، بين هذا وذاك فالفيردي لا يمكن أن يتم وضعه في إطاره الطبيعي، هو إما عبقري أو أنجح ما يكون للبعض، وإما مجرد رجل محظوظ بامتلاكه للاعب بعينه ولا يملك سوى بعض القبح الكروي لحمايته.

   

لذلك لم يكن غريبا على الإطلاق أن ينال الرجل إشادات خزعبلية على مباراة مؤذية للأعين قدمها أمام مانشستر يونايتد في أولد ترافورد، تماما كما لم يكن هناك أدنى غرابة في تعرضه للسباب عقب ذهاب ليون الذي انتهى بالتعادل السلبي، في الأولى أشادوا به كونه "خرج بما يريده" على حد قولهم، وكأن الضمان الوحيد لذلك هو أن تحرص على ألا تلعب أنت وخصمك، إن كان هذا كل غرضك فيمكنك رشوة أطفال الكرات. وفي الثانية تعرض لسباب لا علاقة له بالمنطق في مباراة صنع بها برشلونة 25 فرصة مقابل 5 للخصم، هل كان هو من يمنع سواريز من تسجيل كل الفرص السهلة التي أتته أم يفترض أن ينزل هو ويسجلها؟ عوضا عن كل ذلك يمكننا اختصار ما جرى في أنه نال الإشادة حين فاز ولقي الذم حين تعادل. أرأيت؟ إنها النتيجة اللعينة مرة أخرى!

   

لذلك يزداد الأمر تعقيدا يوما بعد يوم، الرجل على أعتاب الثنائية المحلية الثانية والثلاثية الأولى، لا نقاط سوداء في ملفه سوى مهزلة روما، وتلك بحد ذاتها اختزال صريح إلى حد المغالطة ولكن هذا ما يبقى عالقا في الذاكرة طوال الوقت. لا أحد سيتذكر الإهانات الكروية التي تلقاها البلوغرانا على يد بلباو أو إشبيلية في الموسم الماضي، لأن برشلونة بشكل أو بآخر فاز في الحالتين! مهما كنت مؤمنا بمدى سوء السيد إرنستو، فقط أخبرني كيف سيمكنك إقناع من سيأتي بعد 20 عاما أن الرجل الذي يقترب من حفر اسمه الآن في تاريخ برشلونة للأبد كان مدربا سيئا؟

     

إرنستو فالفيردي (غيتي)

  

الحقيقة أن فالفيردي بحد ذاته معضلة كبرى من اللحظة الأولى، فهو لا يسهل توقعه رغم سهولة توقعه، يمنحك آمالا غريبة للغاية أنه سيغير ما تكرهه، ثم يعود إليه وكأن شيئا لم يحدث، وحين تسبقه وتتوقع أنه سيعود إلى سيرته الأولى يسبقك هو ويمنحك ما تريده، هي علاقة طردية عكسية ليست خاضعة لاسم الخصم أو ملعب المباراة ولا حتى له هو شخصيا! أنت لا تعلم كيف ولماذا تولى هذا الرجل منصبه، وأنت لا تعلم له دورا في صفقات الفريق، وأنت لا تعلم له منظومة متماسكة بعد عامين من محاولات مستمرة لتهجين مورينيو وغوارديولا في فريق لا يعرف كيف يدافع أصلا، كل ما تعرفه هو بعض الملامح الأساسية ومستويات اللاعبين، ومجموعة يفضلها على حساب أخرى، وأغراض بدنية معينة تتحكم في الخيارات من وقت لآخر، غير ذلك هو لن يمنحك ما تريده كاملا، ولكن انظر لنصف الكوب الممتلئ، لقد بات يمنحك البعض منه بالفعل.

     

     

بعض الأشياء لا تتغير..

لهذا السبب تحديدا سيستمر الصراع أبد الدهر، لأن حب البعض لفالفيردي أو لنتائج فالفيردي بالأحرى جعله ينكر كل مساوئه بالفعل، أو أسوأ، يعترف بمساوئه ولكنه يذيلها بكل هدوء واستخفاف "الرجل يفوز فماذا تريد"؟ ولأن كره البعض الآخر لما يقدمه الرجل نفسه يمنعهم أحيانا عن الاعتراف بأنه أجاد. ربما نجح فالفيردي في خفض سقف تطلعات المعسكر الثالث الذي صار لا يريد سوى الحد الأدنى من كرة القدم التي يعرفها، وربما هو حقا يقدم بعض الأشياء التي تستحق الإشادة من حين لآخر كأي بشر يقدم أمورا سيئة في المجمل، حيث يرجح قانون الاحتمالات إمكانية قيامه بعمل جيد يستحق المديح عليه.

   

لنجرب مع مباراة ليفربول الأخيرة، فهي لم تكن فقط المثال الأبرز لكل ما ذكرناه في آنٍ واحد، بل يمكن تلخيص موسم فالفيردي الثاني ككل من خلالها. هي المباراة التي أجاد فالفيردي بل تفوق بشكل واضح في إدارة شوطها الأول، ورغم ذلك لم يمنحك الصورة المثالية لهذا التفوق، ومع بداية الشوط الثاني عاد إلى قبحه المعتاد رافضا بشكل قاطع الطمع في ترسيخ المنظومة المميزة التي بناها بنفسه في البداية، بل إنه لم يصلح بعض أخطائها إلى نهاية المباراة، في النهاية لا يزال هناك من ينتقده على مجمل المباراة متجاهلا الشوط الأول، وهناك من لن يسمح لك بالحديث عن الشوط الثاني أصلا، لماذا؟ لأن ميسي سجل هدفين في نهايته كالمعتاد! فقط أعد ذاكرتك للوراء وأخبرنا كم مباراة تتذكرها على النمط نفسه.(3)

     

التوقعات الأولية أشارت إلى عودة فالفيردي إلى رباعي خالص من لاعبي الوسط واعتماده على الكرات الطولية كسلاح رئيسي لكسر ضغط ليفربول، ولكن هذا لم يحدث، ما حدث هو أننا حصلنا على عنصر هجومي ثالث بدلا من قيام ميسي وسواريز بكل شيء كالعادة، وأتى التحضير والبناء من الخلف والتمرير بشكل متكرر لإيجاد ثغرة، وبالفعل نجح برشلونة في كسر ضغط الريدز عدة مرات بالشوط الأول، وصولا إلى إيجاد ثغرة إلقاء الطولية، ومن ثم فقد ليفربول القوة الرئيسية لخط وسطه ولم يجد الكتلان صعوبة في إخراجه من اللعبة عدة مرات، وفقد وجود فينالدوم على حساب فيرمينو قيمته كلاعب وسط إضافي يساند الهجوم، ناهيك بتضرر منظومة ضغط الريدز من غياب بوبي بالفعل.

     

كما نعلم جميعا هناك أجزاء ثابتة من خطة فالفيردي لبعض المباريات، ميسي لن يخفق أبدا، شتيغن سيتصدى دائما، العارضة ستتدخل من حين لآخر

رويترز
   

بالطبع لا تسير الأمور بتلك السهولة، فمهما كان روبرتو مُهِمًّا في عملية التحضير كونه يملك جودة أعلى في التمرير من سيميدو -نظرا لأنه لاعب وسط بالأساس- ومهما حاول تقديم كل جهوده، كان ثغرة مستهدفة من كلوب ورجاله طوال المباراة وتحديدا بتحرك ماني في ظهره طوال الوقت، سباقات السرعة هنا محسومة دائما أبدا. العيب الأهم والأوضح خاصة بالشوط الأول هو إيفان راكيتيتش، الكل يعرف لماذا يحب فالفيردي الأخير، ولكن مباراة تلعب بها على كسر الضغط هي مباراة أرتور ميلو بوضوح شديد. إياك أن تطمع، فالفيردي لن يمنحك كل ما تريده بتلك البساطة.

   

التاريخ لا يتذكر أصلا..

كان هذا الجزء الذي يستحق عليه إرنستو كل الإشادات، بل أكثر، بمجرد تسجيل الهدف الأول لم يحاول تغيير النسق الممتاز الذي سيطر به على الأمور كما كان يراها ويريدها ويخطط لها، فقط زادت المساحات وفرص الطوليات كنتيجة طبيعية لبحث ليفربول عن التعويض، ولكن كالعادة، فالفيردي نادرا ما يقدم شوطين متشابيهن: إلى الوراء جميعا، إلى المرتدات وما بعدها، في محاولة لامتصاص ثورة ليفربول المنتظرة مع بداية الشوط الثاني، ولكنها كالعادة أدت إلى اقتراب الريدز من مواقع الخطورة أكثر، وهنا يأتي دور مارك أندريه تير شتيغن.

   

خطوة أخرى نحو لعبة الترحيلات المفضلة للمدرب حين يرغب بتأمين النتيجة وإبقاء الوضع على ما هو عليه حتى يقرر ميسي العكس، فسحب كوتينيو بعد نفاد بطارياته كالمعتاد ودفع بسيميدو ليغلق الطريق أمام ماني ويتقدم روبرتو بدوره إلى طرف الوسط، أشياء في منتهى الفالفيردي. وبالفعل تكلم ليو في الدقيقة 75، ثم أنهى الأمور تماما في الدقيقة 82، علما بأن المدرب لم يحرك ساكنا منذ الدقيقة 60 إلى الدقيقة 93 حين قرر أخيرا الاستماع إلى صرخات الجميع المطالبة بإقحام عثمان ديمبيليه طمعا في استغلال فدادين المساحات المتوفرة.

     

  

المشكلة هو أنه كما ستجد صعوبة مع البعض في محاولة الإشادة بشوط فالفيردي الأول، يصبح الأمر أصعب كثيرا حين تقرر لومه على ذاك الشوط الثاني، لأنه فاز. بتلك البساطة حقا! سار كل شيء كما يريد حين خطط له، وسار كل شيء كما يريد حين لم يخطط له وقرر الاعتماد على الظواهر الطبيعية المعتادة، فكما نعلم جميعا هناك أجزاء ثابتة من خطة فالفيردي لبعض المباريات، ميسي لن يخفق أبدا، شتيغن سيتصدى دائما، العارضة ستتدخل من حين لآخر، كل جزيئات الكون تعمل لخدمته في بعض الأوقات، حتى لو حاولت انتقاده على تأخير نزول ديمبيليه ستجد من يضع بوجهك لقطة إهداره لفرصتين في تلك الدقائق الثلاث التي خاضها!

   

لذلك سيظل التاريخ والتراشق الجماهيري يُتحفاننا بإبداعاتهم المشابهة أبد الدهر، بوتشيتينو فاشل لأنه لا يفوز بالبطولات مع توتنهام، يورغن كلوب فاشل لأنه خسر أمام برشلونة في نصف نهائي دوري أبطال أوروبا ويتأخر بنقطة وراء غوارديولا، فان دايك ليس أفضل مدافع في العالم هذا الموسم لأنه قدم مباراة واحدة سيئة، وفالفيردي الأفضل لأنه يفوز. كل شيء يخضع للنتيجة بشكل أو بآخر.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار